ملخص
يحشد الحوثيون أتباعهم وراء عبارات من قبيل "الموت لإسرائيل"، إلا أنهم لم يترددوا مطلع هذا الأسبوع في إبلاغ واشنطن بأنهم لن يستهدفوا السفن الإسرائيلية، في أحدث مثال على الانفصال بين شعارات العداء التي تطلقها الجماعة وسلوكها الفعلي.
تعد العبارات المعادية للغرب وإسرائيل جزءاً لا يتجزاً من شعارات الحوثيين التي يستخدمونها لاستقطاب الأتباع، لكن صدقية هذا العداء ظلت موضع شك بسبب تفادي الحوثيين للمواجهة واستعدادهم لإبرام تفاهمات خفية متعارضة مع تلك الشعارات.
ورغم أن الحوثيين يحشدون أتباعهم وراء عبارات من قبيل "الموت لإسرائيل"، إلا أنهم لم يترددوا مطلع هذا الأسبوع في إبلاغ واشنطن بأنهم لن يستهدفوا السفن الإسرائيلية وأن استهدافاتهم ستقتصر على السفن السعودية، وفق "رويترز".
انفصال بين الشعارات والواقع
وتوصلت الولايات المتحدة إلى تفاهم مسبق في مايو (أيار) 2025 يمنع الحوثيين من استهداف مصالحها في البحر الأحمر، أي ما قبل الهجمات الأخيرة على السعودية، لكن التطمينات الحوثية الأخيرة بدا أنها موجهة لإسرائيل.
ووردت التطمينات الحوثية لإسرائيل خلال زيارة ممثلي الجماعة إلى السفارة الأميركية في مسقط بعد أيام من الاستيلاء على مناطق استراتيجية قرب باب المندب، بحسب مصادر "رويترز"، في أحدث مثال على الانفصال بين شعارات العداء والسلوك الفعلي.
وضمّ الوفد الحوثي المتحدث باسم الجماعة، محمد عبدالسلام، المقيم في مسقط، وعبدالملك العجري، وكلاهما خاضعان للعقوبات الأميركية، ولم تؤكد الخارجية الأميركية الاجتماع، لكنها قالت رداً على سؤال لـ "رويترز"، إن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، ومنع تصدير الإرهاب أهداف أميركية.
وفق مراقبين، يذكّر النهج الحوثي باستراتيجية الحرب الإيرانية، فرغم أن إسرائيل شنت حرباً على إيران في فبراير (شباط) الماضي، إلا أن نحو 83 في المئة من الهجمات التي شنتها إيران بالصواريخ والمسيرات بحلول أواخر مارس (آذار) الماضي استهدف دول الخليج، مقابل 17 في المئة فقط على إسرائيل.
ويقول لطفي نعمان، عضو مجلس الشورى اليمني في حديث إلى "اندبندنت عربية"، إن "تعهد الحوثيين بعدم إيذاء أحد سوى السعودية لا يختلف عن تصرف الحرس الثوري الإيراني تجاه دول الخليج العربية واستبعاد إسرائيل من الأذى".
وأوضح نعمان بأن نهج الحوثيين في اليمن أو مع جواره الأقرب لا يختلف كذلك عن نهج إسرائيل تجاه فلسطين، مضيفاً بأن "كليهما يستهدف التطبيع مع أطراف بعيدة وتطمينها، فيما سلوكهما في مناطقهم القريبة إرهابي وإقصائي ويجحد حقوق الآخرين".
وهذه ليست المرة الأولى التي يتحاور فيها الحوثيون مع الغرب ويبرمون تفاهمات متعارضة مع خطابهم الشعبي الذي يحث اليمنيين على التضحية بأرواحهم لقتال خصوم مفترضين، ففي 2024، عقدوا لقاءً مع وفد عسكري أوروبي لبحث أمن الملاحة في البحر الأحمر وحدود مهمة "أسبيدس".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم تعد استدامة الشعارات الثورية أو قدرتها على إقناع الشرائح التي تستهدفها الجماعة مضمونة، فالمحادثات الجديدة هذا العام كشفت عن تنسيق مستمر مع الغرب لا خاطف، والتزامات حوثية متّسقة مع الرغبات الإسرائيلية.
ويرى معارضو الحوثيين أن هذه التفاهمات ليست إلا دليلاً إضافياً لما حرصوا على توضيحه لأعوام، وهو أن العداء الخطابي للغرب وإسرائيل لا يؤدي سوى وظيفة داخلية في التعبئة، إذ قبلت الجماعة بتجنب مهاجمة المصالح الإسرائيلية، ما دام ذلك يساعدها في البقاء.
عمالة مزدوجة للبقاء؟
أثارت محادثات مسقط تساؤلات حول احتمال أن تتجه الجماعة نحو أداء أدوار مزدوجة تضمن بقاءها، عبر تلبية بعض المصالح الغربية مرحلياً، مع مواصلة خدمة المصالح الإستراتيجية لطهران في ساحات أخرى.
لكن الباحث الأميركي المتخصص في شؤون المنطقة باول سوليفان حذّر في حديث إلى "اندبندنت عربية" من المبالغة في تفسير المحادثات الجارية باعتبارها تحولاً جذرياً، وقال "لدينا تاريخ سيئ مع الحوثيين، تاريخ سيئ للغاية، ولذلك لن يتغير الموقف الأميركي منهم بين ليلة وضحاها".
وأضاف سوليفان، "كل ما أسمعه في واشنطن هو أن الحوثيين مشكلة كبيرة وتصور الحوثيين أن بإمكانهم التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة ليس سوى وهم، وحتى إذا لم يهاجموا سفننا، فإنهم يهاجمون سفن حلفائنا، ويستهدفون حليفتنا السعودية، ولذلك فعلينا التعامل معهم بصرامة شديدة".
ويمكن قراءة المحادثات الأخيرة في سياق سعي الجماعة إلى مواصلة إسناد طهران من جهة، وتجنب مواجهة مباشرة مع العالم من جهة أخرى، ومن ثم لا تبدو إعادة التموضع الحوثية ابتعاداً من المحور الإيراني، بقدر ما هي محاولة للحفاظ على دور يخدم طهران إقليمياً، من دون استدراج حملة عسكرية دولية واسعة، لكن استهداف السعودية يضع هذه المعادلة أمام اختبار مختلف، لأن آثار هجماتهم على السعودية لا يمكن فصلها عن التداعيات الاقتصادية العالمية.
وزاد تعطل خط أنابيب "شرق-غرب" الضغوط على أسواق النفط، باعتباره أحد أهم المسارات السعودية البديلة لتجاوز مضيق هرمز، والتصدير عبر البحر الأحمر، إذ ينقل الخط نحو 4 ملايين برميل يومياً، مما يعني أن استمرار توقفه قد يهدد بتعطيل ما يصل إلى أربعة في المئة من الإمدادات العالمية، في وقت تعاني الأسواق أصلاً تداعيات الحرب مع إيران.
ولذلك يبرز السؤال حول مدى صمود المحاولات الحوثية لاستمالة الغرب، إذا بدأت عمليات الجماعة تؤثر في تدفقات النفط والأسعار العالمية، مما قد يدفع مزيداً من الدول إلى التدخل لخفض تداعيات التصعيد إلى إمدادات الطاقة والمصالح الاقتصادية العالمية.