ملخص
المثير أن الكاتب لا يهاجم فكرة الانحدار نفسها، فهو يكرر أكثر من مرة أن التراجع الغربي حقيقي وملموس في الحياة اليومية، من ركود الأجور وتآكل الخدمات العامة إلى فقدان الثقة بالمؤسسات، لكن خلافه يدور حول تفسير هذا الواقع، لا حول وجوده.
حين يتحدث الساسة والإعلام عن "أفول الغرب"، غالباً ما يتجه النقاش نحو الهجرة، أو صعود اليمين، أو تراجع النفوذ الدولي، أو ما يعرف بحروب الهوية، لكن أوين جونز يبدأ من نقطة مختلفة تماماً، فهو لا ينكر أن الغرب يعيش أزمة عميقة، بل يعترض على الرواية التي تفسرها، السؤال عنده ليس: هل يتراجع الغرب؟ بل: من الذي أوصله إلى هذه اللحظة؟
في كتابه الجديد "سقوط الغرب: كيف خسروه حقاً" The Fall of the West: How They Really Lost it الصادر عن دار ألين لين في نحو 480 صفحة، يقدم المؤلف أوين جونز عملاً طموحاً يجمع بين التاريخ السياسي والتحقيق الصحافي والنقد الاقتصادي، ليجادل بأن الانحدار الغربي ليس نتاج الغرباء أو الأقليات، وإنما ثمرة ثلاثة عقود من الغرور السياسي والاقتصادي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي.
هذه ليست أطروحة هادئة بقدر ما هي مرافعة طويلة ضد النخب التي اعتقدت أن انتصارها في الحرب الباردة منحها حقاً دائماً في قيادة العالم.
لماذا جاء هذا الكتاب الآن؟
من الصعب فصل الكتاب عن اللحظة التي وُلد فيها، فالغرب الذي خرج من تسعينيات القرن الماضي وهو يتحدث بثقة عن "نهاية التاريخ" يبدو اليوم أكثر انقساماً من أي وقت مضى. حروب طويلة لم تُحسم، أزمة مالية غيرت شكل الاقتصادات، صعود اليمين الشعبوي، وتراجع الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، كل ذلك يشكل الخلفية التي يتحرك جونز ضمنها.
هنا تظهر خصوصية الكاتب نفسه، وإن لم يجعل من سيرته موضوعاً للكتاب، فمنذ أعماله الأولى مثل "الطبقة العاملة المهمشة" Chavs و"المؤسسة: وكيف يفلتون من العقاب" The Establishment: And How They Get Away With It، انشغل جونز بالسؤال ذاته: من يملك السلطة؟ وكيف تُستخدم؟ ومن يدفع ثمن فشلها؟ في كتابه الجديد لا يحيد عن هذا المشروع، بل يوسعه من بريطانيا إلى الغرب بأكمله، وكأن ما رآه داخل المجتمع البريطاني ليس سوى نسخة مصغرة من أزمة أوسع.
ولذلك لا يقدم "سقوط الغرب" بوصفه كتاباً عن الجغرافيا أو الحضارة الغربية بقدر ما يقدمه كتاباً عن السلطة عندما تتحول إلى يقين مطلق.
أطروحة جريئة… وقلب للرواية السائدة
الفكرة المركزية في الكتاب بسيطة في صياغتها، لكنها واسعة في تبعاتها: الغرب يتراجع فعلاً، لكن جرى عمداً تشويه أسباب تراجعه.
يرى جونز أن الخطاب السياسي اليميني نجح في تحويل المهاجرين والمسلمين واللاجئين والأقليات إلى متهمين دائمين، بينما بقيت النخب السياسية والاقتصادية بعيدة عن المساءلة، بالنسبة إليه، هذه ليست مجرد قراءة خاطئة للأزمة، بل أكبر خدعة سياسية في عصرنا، لأنها تنقل الغضب الشعبي من صانعي السياسات إلى ضحاياها.
المثير أن الكاتب لا يهاجم فكرة الانحدار نفسها، فهو يكرر أكثر من مرة أن التراجع الغربي حقيقي وملموس في الحياة اليومية، من ركود الأجور وتآكل الخدمات العامة إلى فقدان الثقة بالمؤسسات، لكن خلافه يدور حول تفسير هذا الواقع، لا حول وجوده.
بهذا المعنى، يقلب جونز معادلة شائعة: بدلاً من عدّ الشعبوية سبباً للأزمة، يراها عرضاً من أعراضها نتيجة سياسات صنعت شعوراً عميقاً بعدم الأمان، ثم وجدت في خطاب الكراهية وسيلة لتوجيه ذلك الشعور نحو "الآخر".
من بغداد إلى بيتسبرغ… خريطة واحدة للأزمة
أحد أكثر عناصر الكتاب حيوية أنه لا يبقى أسير التنظير، فقد أمضى جونز عامين في العمل عليه، متنقلاً بين بغداد وبيتسبرغ وأثينا ورام الله، وغيرها من المدن التي تمثل وجوهاً مختلفة للأزمة الغربية.
ليس هذا الامتداد الجغرافي استعراضاً صحافياً، بل جزء من بنية الحجة، فجونز يرفض الفصل التقليدي بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية. إغلاق المصانع في المدن الصناعية وتراجع الأجور وسياسات التقشف، لا تنتمي، في رأيه، إلى قصة مختلفة عن غزو العراق أو الحرب في أفغانستان، إنها حلقات في النظام ذاته: نظام ينقل الثروة إلى الأعلى داخلياً، ويفرض هيمنته خارجياً بالقوة العسكرية حين يلزم الأمر.
تمنح هذه الفكرة الكتاب تماسكه الحقيقي، فبدلاً من التعامل مع الأزمات بوصفها حوادث منفصلة، يرسم جونز خيطاً واحداً يمتد من انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 حتى الحرب على غزة، مروراً بالأزمة المالية العالمية عام 2008. ليست هذه الأحداث متجاورة زمنياً فقط، بل مترابطة سياسياً في سرديته، قد يختلف القارئ مع هذا الربط، لكن من الصعب أن ينكر مهارة الكاتب في بنائه.
لا يعتمد جونز على السرد التاريخي وحده، بل يمزج بين المقابلات الميدانية والبيانات الاقتصادية وشهادات أشخاص عاشوا آثار الخصخصة والحروب والتقشف. تمنح هذه المادة الصحافية الكتاب طابعاً توثيقياً يجعله أقرب إلى التحقيق الطويل منه إلى البيان السياسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سقوط يبدأ من لحظة الانتصار
أذكى مفارقات الكتاب أن السقوط لا يبدأ عند الهزيمة، بل عند الانتصار، إذ يجادل جونز بأن انهيار الاتحاد السوفياتي خلق لدى الغرب شعوراً بالحصانة. لم يعد النموذج الاقتصادي موضع مساءلة، ولا التفوق العسكري قابلاً للتحدي، ولا السلطة الأخلاقية بحاجة إلى إثبات. "نشوة النصر" هذه، كما يصفها، دفعت النخب إلى الاعتقاد بأن التاريخ انتهى فعلاً، وأن بإمكانها إعادة تشكيل العالم وفق شروطها.
من هنا تبدو حربا أفغانستان والعراق أكثر من مجرد أخطاء استراتيجية، إنهما تجسيد لفكرة أن القوة تستطيع إنتاج الشرعية، ثم جاءت أزمة عام 2008 لتكشف هشاشة النموذج الاقتصادي نفسه، قبل أن تتحول سياسات التقشف إلى علاج يزيد المرض تفاقماً.
لا يتعامل جونز مع هذه المحطات بوصفها وقائع تاريخية، بل كونها سلسلة قرارات اتخذتها النخب ثم تهربت من نتائجها، بينما تُركت المجتمعات لتتحمل الفاتورة.
أسلوب يشبه خوض مناظرة
ليس هذا كتاباً أكاديمياً، على رغم كثافة مادته، فلغة جونز مباشرة وسريعة ومشحونة بإيقاع صحافي واضح. الجمل قصيرة نسبياً، والأفكار تتقدم بثقة، وكأن الكاتب يخاطب قارئاً يعيش الأزمة نفسها لا باحثاً يراقبها من بعيد.
هذه القوة الأسلوبية تجعل قراءة كتاب سياسي من نحو 500 صفحة أقل إرهاقاً مما قد يتوقعه القارئ، فهو يعرف كيف ينتقل من الاقتصاد إلى الإعلام، ومن الحرب إلى الحياة اليومية، من دون أن يشعر القارئ بأنه انحرف عن الموضوع الأساس.
لكن لهذه الميزة وجه آخر، فالإيقاع الخطابي يمنح النص حرارة كبيرة، ويقلل أحياناً من مساحات التردد والتأمل. يبدو جونز مقتنعاً منذ الصفحة الأولى بالنتيجة التي يريد الوصول إليها، ثم يبني الأدلة في اتجاهها، ولذلك يشعر القارئ أحياناً أنه أمام محامٍ بارع أكثر منه مؤرخاً متشككاً.
وربما هذه هي طبيعة الكتاب أصلاً، فهو لا يدّعي الحياد البارد، بل يعلن منذ مقدمته أنه يريد فضح ما يعده سردية سياسية مضللة.
أين تكمن قوة الكتاب؟
أهم ما ينجح فيه "سقوط الغرب" أنه يعيد وصل ملفات اعتدنا قراءتها منفصلة، فبدلاً من الحديث عن اللامساواة بوصفها قضية اجتماعية، وعن الحروب بوصفها قضية خارجية، وعن الشعبوية بوصفها قضية انتخابية، يضعها جميعاً داخل إطار واحد هو علاقة السلطة بالثروة وبإنتاج الرواية العامة.
كذلك ينجح في طرح سؤال نادراً ما يحضر في النقاش السياسي: من المستفيد من تفسير الأزمة بهذه الطريقة؟ فحين يجري تحميل مسؤولية التراجع للمهاجر أو اللاجئ، تختفي من المشهد القرارات المتعلقة بالخصخصة والتقشف وتحرير الأسواق والحروب المكلفة، وهنا يصبح الخطاب نفسه جزءاً من بنية السلطة، لا مجرد وصف للواقع.
كذلك يتميز الكتاب بقدرته على مخاطبة جمهور واسع، فهو لا يغرق في المصطلحات النظرية، ولا يحول الاقتصاد إلى معادلات، بل يربط السياسات بأثرها المباشر في حياة الناس: الوظيفة والسكن والخدمات والشعور بالأمان.
هل يفسر الكتاب كل شيء؟
في المقابل، يترك الكتاب مساحة واضحة للنقاش، فحرص جونز على بناء سردية متماسكة يجعله يميل أحياناً إلى جمع أحداث معقدة تحت تفسير واحد. ليست كل التحولات السياسية أو الثقافية قابلة للاختزال في جشع النخب وحده، كذلك فإن المجتمعات الغربية نفسها أكثر تنوعاً من أن تتحرك دائماً بالمنطق ذاته، فصعود الشعبوية، على سبيل المثال، يرتبط عنده بدرجة كبيرة بتداعيات النيوليبرالية والتقشف، بينما تمنح عوامل أخرى مثل التحولات الثقافية أو الثورة الرقمية أو تغير البنية الإعلامية حضوراً أقل مما تمنحه دراسات أخرى لهذه الظواهر.
ثمة توتر آخر يلفت الانتباه: جونز ينتقد مفهوم "الغرب" بوصفه بناء تاريخياً مرتبطاً بالإمبراطورية والقوة، لكنه يواصل استخدامه إطاراً رئيساً لتحليل العالم. إنه يفكك المفهوم، ثم يعود إليه لأنه يحتاج إليه لبناء حجته، هذه ليست ثغرة قاتلة، لكنها مفارقة فكرية ترافق الكتاب حتى صفحاته الأخيرة.
كذلك فإن يقين الكاتب الأخلاقي، وهو أحد مصادر قوة النص، يصبح أحياناً سبباً في تضييق مساحة القراءات البديلة، فالقارئ الذي يبحث عن مناظرة بين تفسيرات عدة قد يجد نفسه أمام أطروحة حاسمة أكثر منها حواراً مفتوحاً.
أكثر من كتاب عن الغرب
يوحي العنوان بأن الكتاب يتناول حضارة بعينها، لكن أثره يتجاوز ذلك، فجونز لا يكتب رثاء للغرب، ولا يدعو إلى الحنين إليه، ما يشغله هو الكيفية التي تستطيع بها النخب المنتصرة أن تتحول، بفعل الغرور والإفلات من المحاسبة، إلى منتج للأزمات التي تدعي لاحقاً أنها تحاربها.
لهذا يكون السؤال الذي يبقى عالقاً في ذهن القارئ بعد الانتهاء من الكتاب أكثر أهمية من الإجابات التي يقدمها: ما الذي يسقط فعلاً عندما يتراجع الغرب؟ أهو نفوذه العالمي؟ أم ثقته بنفسه؟ أم قدرة الديمقراطيات على إقناع مواطنيها بأن النظام يعمل لصالحهم؟
قد لا يقدم أوين جونز تفسيراً نهائياً لأزمة الغرب، لكنه ينجح في زعزعة التفسير الأكثر تداولاً لها، وهذه ربما أهم فضائل الكتاب: أنه لا يطلب من القارئ أن يوافقه، بل أن يعيد النظر في الجهة التي يوجه إليها الأسئلة عن المسؤولية.
يصدر كتاب "سقوط الغرب: كيف خسروه حقاً" لأوين جونز في الأول من أكتوبر (تشرين الأول).
الكتاب: The Fall of the West: How They Really Lost it
المؤلف: OWEN JONES
الناشر: allen lane