ملخص
كثيراً ما جذب الأدب النيجيري اهتمام القراء من أقاصي العالم، إذ ينفرد بخصوصية ثقافته المحلية وغرابة عوالمه الأفريقية، وقد أسهمت أعمال كتاب مثل تشينوا آشيبي ووول سيونكا في التعريف بالأدب النيجيري عالمياً، وصولاً إلى التأثير العميق للأصوات النسوية على غرار تشيماماندا نغوزي أديتشي ولولا شونين. أعادت الكاتبات تشكيل السرد بما يفرض صوت المرأة بقوة، من خلال رؤيتهن الأدبية لوجودها الإنساني المرهون بالظروف اليومية والاجتماعية في نيجيريا.
"الحياة السرية لزوجات بابا ساغي" هي الرواية الأولى للشاعرة والكاتبة النيجيرية لولا شونين، وقد فازت بجائزة The Pen Oakland الأميركية، إلى جانب جائزة Ken Saro-Wiwa النيجيرية، وأدرجت في القائمة الطويلة لجائزة Women’s Prize for Fiction. ويمثل هذا العمل صورة حية من الأدب المعاصر، إذ تسرد حكاية واقعية عن رجل يعيش أزمة نفسية حين يقرر الارتباط بزوجة رابعة وإحضارها إلى البيت الكبير لتعيش مع زوجاته الثلاث. عبر هذه الحكاية، تقدم لولا شونين نقداً اجتماعياً ساخراً لظاهرة تعدد الزوجات في بلدها، وتكشف في الوقت نفسه عن تأثير الخرافات والمعتقدات الشعبية على الشخصيات إضافة إلى معاناة النساء في مجتمع ذكوري تحكمه أعراف راسخة، فتتحول حكايات الزوجات الأربع وأسرارهن إلى اعترافات تبرر على نحو ما أفعالهن، بالعودة إلى ما تعرضن له من ظلم واضطهاد.
تأتي رواية "الحياة السرية لزوجات بابا ساغي" الصادرة عن دار روايات في 283 صفحة، بترجمة هيفاء أبو النادي، ويظل الأدب الأفريقي بحاجة إلى مزيد من الاهتمام لنقله إلى اللغة العربية بما يتيح للقارئ الاقتراب من تجارب أدبية مهمة لم تكتشف بعد.
عائلة آلاو
من رحم الواقع، تختار الكاتبة لولا شونين موضوع روايتها، ولعلها لم تختر حكاية واقعية فحسب، لأنها في صفحة الشكر والعرفان شكرت المرأة التي قصت عليها حكاية هذه الرواية، في إشارة صريحة إلى أن قسماً كبيراً من الأحداث حدث بالفعل في حياة أحدهم. وفي الصفحة التالية تضع الكاتبة شجرة عائلة "إيشولا آلاو"، هذه الشخصية التي لن يتذكر أحد اسمها الأول، لأن الزوج سينادى فقط بـ"بابا ساغي"، وستكنى الزوجات أيضاً بأسماء أبنائهن أو بناتهن البكر، فتعرف الزوجات بـ"إيا ساغي، إيا توبه، إيا فمي"، باستثناء "بولنله" الزوجة الرابعة التي تنادى باسمها لأنها لم تتمكن من الإنجاب.
من الفصل الأول، تعلن لولا شونين عن "عقدة الرواية"، التي ستبني عليها كل الأحداث كركيزة سردية تتفرع منها المواقف والانفعالات، وذكريات الشخصيات وتفسر بها الأسباب والنتائج، ففي الصفحة الأولى، يروى بضمير الغائب أن "بابا ساغي" استيقظ على ألم مرير في بطنه لليوم السادس على التوالي، وأن الوقت قد حان ليحسم أمر زوجته الرابعة التي لم تنجب بعد وهو مدرك أن قلقه المتزايد شهوراً بعد أخرى، ليس الجوع ولا الغاز المحتبس هو ما سبب الألم في بطنه، أي إنه أدرك تأثير معاناته النفسية على جسده.
وكانت مسألة خصوبة الزوجة الرابعة، مشكلة سببت له الأرق والقلق والعصبية والنفور منها، على رغم أنه أنجب سابقاً سبعة أطفال من زوجاته الثلاث، إذ صرح لها: "عقمك يجلب العار لي، وفي كل مرة أقترح استشارة المداوين بالأعشاب، تقولين إنهم محتالون وتهزئين من قدراتهم".
وعدا شبابها وجمالها، ما كانت تختلف فيه "بولنله" عن بقية الزوجات هو كونها جامعية متعلمة، وهو أكثر ما جلب لها الحقد والضغينة من الزوجات الأميات اللاتي كن يفسرن أي تصرف منها على أنه استعراض أو تعالٍ، لا سيما مع تقدير الزوج ثقافتها واحترامه لها وحتى مع إحساسه بالدونية أمامها لأنه أقل منها تعليماً ومعرفة في الشؤون الطبية والتعاملات الاجتماعية، فعندما يحكي مشكلته لصديقه، يقول له: "يجب عليك أن تجرها من شعرها إلى الطبيب، ما هي إلا زوجة! إنها حتى رابع زوجاتك"، فيرد عليه بابا ساغي: "من ذا الذي يجرؤ على جر جامعية من شعرها؟ حال أن تفتح فمها ويتدفق حديثها باللغة الإنجليزية حتى يصير الشرطي أسير كلماتها"، بينما ينصحه المعلم: "تصغي المرأة المتعلمة إلى من يشبهها في هذا العالم، اصحبها إلى المستشفى، فهو المكان الأنسب".
تباين الأصوات السردية
تتباين الأصوات السردية في رواية "الحياة السرية لزوجات بابا ساغي"، إذ تبرع الكاتبة في فصل الأصوات وتمييزها وفقاً لسمات الشخصيات وظروفها، فنجد كل صوت منسجماً مع عمره ومستواه التعليمي والبيئة التي جاء منها. وحتى مواقف الزوجات تختلف من زوجة لأخرى، بما يتماشى مع وعيها وسلوكها، فنجد زوجة عصبية وحاقدة وأخرى هادئة ومتسامحة وثالثة قادرة على القتل بدم بارد والصلاة بعد أي فعل شائن. ويبقى صوت "بولنله" هو الأقوى والأكثر منطقية في سرد الأحداث، مع اعتماد شونين على ضمير الغائب لسرد بعض الفصول بنبرة محايدة عن توجه بقية الشخصيات.
تستلم "بولنله" السرد في الفصل الثاني، ومن خلال بوحها تفسر دوافعها للارتباط برجل لم توافق عليه والدتها التي كدحت كي تمنحها تعليماً جيداً ومكانة لائقة، لتخيب أملها في النهاية بزيجة مؤسفة من رجل كبير مزواج وأمي فوق ذلك. تشير "بولنله" إلى أنها كانت بحاجة إلى بيت وغرفة خاصة بها، وأنها قبلت بالرجل الذي تعيره عائلتها بالقرد المتخم قائلة: "جئت إلى هنا لأتخلص من شعور القذارة الذي يلاحقني"، وتضيف: "سأكون مع رجل يقبل بي كما أنا، رجل لا يطرح الأسئلة عليَّ ولا يجد هدوئي مقلقاً".
على هذا النحو، تمضي الكاتبة في بناء شخصياتها بهدوء، كاشفة عن ظروفها وتعقيداتها النفسية تدريجاً، وهو عامل يستمر في الجذب لمواصلة القراءة، إذ يبقي كثيراً من التساؤلات معلقة، حول الأسباب والدوافع والأسرار المجهولة، كذلك يحفز على تخمين التوقعات عما ينتظر هذه العائلة الغريبة، التي تتألف من زوج وسبعة أطفال وأربع نساء تحت سقف واحد! فضلاً عن علاقات شديدة التعقيد بين نساء يحاولن إرضاء الزوج واستمالته، فتتشكل العلاقات بينهن، وفقاً لميل الزوج وردود أفعاله ويحكم مزاجه العلاقات بين الزوجات الأربع.
أثر البيئة الأفريقية
تمنح البيئة الأفريقية هوية ثقافية واضحة للنص الروائي، إذ يتجلى أثرها في التشبيهات والاستعارات والأمثال الشعبية، فنلحظ أن لغة الرواية تتأثر بالبيئة المحلية وتفاصيلها لا سيما حين ترد مفردات مرتبطة بالزراعة والأدوات المستخدمة في الحياة اليومية، كأن تقول إحدى الشخصيات: "كانت معدتي صلبة مثل طبلة جديدة" أو تصف خيبتها: "قطعني كالبامية ورحل". تكشف هذه الصور عن خطاب لغوي يستحق تأمل لسانياته وارتباط التعبير بالمناخ المحلي لعوالم الشخصيات، فتعبر عن نفسها بما يشبهها وما يتقاطع مع الأشياء المحيطة بها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا يقتصر حضور البيئة في لغة الرواية، إنما يمتد إلى المعتقدات الشعبية والممارسات اليومية فيحضر التداوي بالأعشاب مثل المسحوق الأخضر الذي تضطر الزوجة الأولى إلى تناوله عند تأخر حملها، من دون الحديث عن السحر الأسود، الذي تخصص له الكاتبة فصلاً كاملاً بعنوان "رأس الجرذ"، وفي هذا الفصل لا تكتفي شونين باستعراض طقوس الشعوذة ولكنها تذهب إلى الاعتقاد الأعمى لبعض الشخصيات بمفعول السحر وقدرته على تغيير المصير وإلحاق الضرر بالآخرين.
أما ذكورية المجتمع النيجيري فتحضر من خلال حوارات صادمة ومستفزة على لسان شخصيات مذكرة ومؤنثة على حد السواء، برمجت على التعامل مع المرأة كأداة للجنس والخدمة والإنجاب، ولا تفلت من هذه الذهنية المتأخرة سوى الطبقة المثقفة والمتعلمة كاستثناء، عدا ذلك، يرد في عبارات عدة، تشييء للمرأة والحط من مكانتها ودورها الاجتماعي، حتى إنها تلام أيضاً على عقم زوجها أو تعرضها للاعتداء.
فعندما يتأخر حمل الزوجة الأولى مثلاً يهينها بابا ساغي بقوله: "إذا باعني والدك فاكهة فاسدة سأعيدها إليه". وفي مشهد آخر، تقول أم الزوجة الرابعة لابنتها: "لا يمكن أن تكوني قد تعرضت للاغتصاب، ليست ابنتي التي تغتصب، لم أربيك بهذه الطريقة". كما لو أن الاغتصاب هو جريمة ارتكبتها الضحية وليس المعتدي، فتجد نفسها تواجه الخزي وتتحمل مسؤولية ما تعرضت له من انتهاك، مطالبة بتفسير ما حدث لها وشرح عجزها عن الدفاع عن جسدها بدلاً من محاكمة من اعتدى عليها.
وربما قد يبدو هذا العمل الروائي خاضعاً للتصنيف الجندري، بالنظر إلى وعي الكاتبة النسوي في بناء شخصياتها وصياغة حواراتها، ولعلها بالغت في جعل شخصية "بابا ساغي" منبوذة ومكروهة، بصفاتها المزعجة وعاداتها الكريهة، غير أن العمل يتطرق إلى قضايا أكثر أهمية مما تبدو عليه، ويتجاوز الصراع المباشر بين الرجل والمرأة، ففي هذه الرواية كثيراً ما تشتعل العداوة بين المرأة ومثيلتها من جنسها، حين يبرز الاختلاف في طريقة التفكير. والرواية لا تنتقد الرجل على نحو خاص بقدر ما تنتقد منظومة أبوية كاملة وراسخة في أذهان أفراد المجتمع، حتى لدى أمهات يربين أبناءهن وبناتهن على ما نشأن عليه من خضوع واستسلام لأعراف المجتمع. يشرح العمل إذاً واقعاً مؤسفاً وحالات إنسانية قبل أن تكون نسوية، تعيشها الفتيات في مجتمعات مغلقة قمعت أصواتهن ولعل الأدب ينجح في جعل شهاداتهن مسموعة.