Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجندي العراقي يتأمل العالم من نافذة غرفة اللجوء

رواية "باسرا المهاجر" ترسم تفاصيل المنفى من البصرة إلى بروكسل

مخيم للاجئين في بروكسل (أ ف ب)

ملخص

تمضي رواية "باسرا المهاجر"، الصادرة عن لندن تاور، للكاتب العراقي طاهر علوان، بين الزمن الواقعي المعيش، وزمن آخر من المفترض أنه مضى، ولكن يتضح أنه يعيش بالتوازي مع الحاضر.

 ينشغل بطل الرواية باسرا بمراقبة الحياة من حوله، عبر نافذة صغيرة تطل على مطعم فيتنامي يدعى "سايغون"، في مدينة بروكسل التي وصل إليها متسللا، حيث تم وضعه في غرفة صغيرة جداً، بسبب وضعه الصحي، بدلاً من اعتقاله أو ترحيله.

باسرا هو عبدالحميد سلامي، الجندي المغوار السابق في الجيش العراقي، صار اسمه باسرا اشتقاقاً من اسم مدينته البصرة. يشاهد ما يحدث في المطعم، ثم ينتقل من المشاهدة إلى الفعل، حين يتسلل ليلاً إلى المطعم بعدما سمع حركة غريبة، ليتورط في معركة مع مجرمين لا يعرفهم، انتهت بتمكنه من اللصين، وحراستهما حتى مطلع النهار، إلى أن يأتي صاحب المكان، ويستدعي الشرطة. ومن يومها يصبح باسرا عاملاً في المكان، وصديقاً لثاو الفيتنامي صاحب المطعم. يقول له زميله: "أنت لاجئ عراقي هنا، وبلدك تنهشها الحرب، وأنت تصارع الزبائن، معنى ذلك أن عندك دوافع عنيفة، ومعنى ذلك أن بإمكان أي أحد أن يشي بك".

انطلاقاً من الفصل الأول الذي ينفتح على مأساة باسرا التي تتكشف رويداً رويداً، تتجاوز الرواية المأساة الفردية لتضعها في سياق دلالي أوسع، بغية الكشف عن سلطة المؤسسات التي من المفترض أن تحمي الفرد الأعزل، لكنها تظهر مراراً على مدار السرد بوصفها مؤسسات للسيطرة والمطاردة والإذلال.

في البصرة، مثلاً، تتداخل السلطة الأمنية والعسكرية مع الحياة اليومية، ويظهر نفوذ أصحاب السلطة وعلاقاتهم، وتكشف أحداث شقيق زوجة المحافظ وما يترتب عليها من تدخلات أمنية كيف يمكن للسلطة أن تجعل القانون تابعاً للمصلحة والنفوذ بدلاً من أن يكون حماية للناس. وفي رحلة الهرب التي قام بها البطل من البصرة إلى تركيا ثم إحدى دول البلقان، يصبح حرس الحدود وجهاً آخر للسلطة: القوة التي ترى الإنسان بوصفه متسللاً يجب منعه وإعادته أو القبض عليه. والأكثر قسوة أن الرواية تكشف عن أن المهاجر يقع بين نظامين من العنف: نظام يدفعه إلى الرحيل، ونظام آخر يعاقبه لأنه رحل. لذا يمثل باسرا في أبعاد حكايته شخصية رمزية، تعبر عن المهاجر غير النظامي في العالم المعاصر: إنسان لم يختر بالضرورة شروط الرحيل، لكنه يتحمل وحده تبعاتها.

محطات جغرافية ونفسية

تقوم الرواية على معمار سردي واضح يبني الحكاية بصورة دائري، إذ تنقسم إلى ستة فصول تشكل، في مجموعها، مراحل الرحلة النفسية والجغرافية القاسية والمريرة لباسرا. عبر هذا البناء، يدفع علوان بطله خطوة وراء أخرى كي يكشف عن مسار الاقتلاع. يبدأ السرد من "ليلة التنين" في فضاء المطعم، حيث يبدو باسرا وقد استقر ظاهرياً في مكان جديد، لكن علامات القلق والذاكرة والاضطراب تكشف عن أن هذا الاستقرار هش وموقت، ثم يأتي فصل "البصرة في يوم ما"، ليعيد القارئ إلى الأرض التي خرجت منها الشخصية، إلى حكايات الأم الطيبة والأب الذي أهينت كرامته بسبب قول الحق، والسيدة التي تبحث عن ابنها المفقود مع ابنتها سيما.

هكذا تغدو العودة للماضي تفسيراً للرحيل اللاحق، ثم يأتي "الرحيل إلى سيلوبي" بوصفه انتقالاً في السرد من الوطن إلى المنفى، أي من المكان الذي كان مصدراً للأمان في وقت ما، إلى أتون الخوف والهلع عبر طريق الفرار الطويل. ومع "التيه في جزيرة بوبو"، يصل القارئ إلى اكتشاف الجغرافيا المظلمة، تلك المناطق التي تقع تحت سيطرة العصابات، والمهربين الذين يستغلون حاجة الهاربين للفرار من بلدانهم، وفي هذه الأماكن تختلط الوجوه والأسماء والغايات والنيات بحيث يصعب التمييز بينها، لكن يظل إحساس الرعب مسيطراً على حال باسرا وهو يتعرض لصدمة تلو أخرى تؤدي به إلى أذى جسدي ونفسي.

في فصل "فيونا التي تشبه نجمة" يدخل شعاع ضوء خافت مع تقاطعات اللقاء الإنساني بين باسرا وفيونا وجولاتهما الصباحية حول معسكر اللاجئين، وكأن الرواية تمنح الشخصية فسحة موقتة لاستعادة فرديتها بعدما تحول باسرا طوال الرحلة إلى مهاجر مطارد، يقول: "عندما ولدت فيونا كنت أعيش أجواء الحرب وعندما صار عمرها ثماني سنوات كانت تهرب من قريتها بيلاستينا من على ضفاف نهر لال في كوسوفا، وكنت أهرب وليس بعيداً مني إلى ضفاف شط العرب والقرنة. كلانا يحمل حقيبة عمره على كتفيه، يحاول أن يجد ملاذاً من القصف أو التهجير".

ومع فصل "ليلة الناي الأخيرة"، يعود السرد الدائري إلى الفصل الأول، في حوار ممتع وعميق مع ثاو صاحب المطعم، ثم يحضر صوت الناي ونداء الذاكرة، لأنها تشكل محوراً أساساً لمصير باسرا. وبهذا يمكن النظر إلى الفصول الستة باعتبارها دوائر متتابعة حول الشخصية المركزية، فالرواية لا تبني رحلتها على خط مستقيم بقدر ما تبنيها على حركة بين الحاضر والماضي، وبين المكان والذاكرة، وبين الوصول والاستحالة، ولذلك فإن شكل الرواية نفسه يحاكي تجربة المهاجر الذي يمضي إلى الأمام بينما يظل جزء منه عالقاً في المكان الذي غادره.

من أبرز خصائص الرواية أيضاً الجمع بين السرد الواقعي واللغة الشعرية، فهناك مشاهد شديدة الواقعية: المطعم، العمال، الحرس، الرحلة، الحدود، الجوع، إجراءات اللجوء، وفي المقابل هناك انتقال متكرر إلى الصور الشعرية والناي، والأغنية، والذاكرة والحلم. وفي بعض المشاهد السردية، يحضر أسلوب المخاطب، وهو من أكثر أساليب السرد صعوبة وحساسية عند الكتابة، كأن يصف إحدى ساحات البصرة قائلاً: "سوف تخرج هائماً على وجهك في آخر ساعات الليل، حيث لا تزال ساحة سعد عامرة بالجنود الواجمين الذين لا تحمل ذاكرتهم الكثير، وقد تيبست أحلامهم".

وشم التنين

يحتل التنين موقعاً رمزياً في الرواية، ويتكرر ظهوره بوصفه وشماً على ذراع باسرا، يرتبط في ذاكرته بزمن غابر، لكن ذاكرة هذا الرمز لا تبقى بعيدة من الواقع، إذ يستعيد باسرا من خلاله الحرب الطاحنة التي عرفتها البصرة.

تكتسب رمزية التنين في الرواية مفارقة خاصة، فباسرا ليس بطلاً خارقاً، وإنما إنسان أعزل أمام الحروب، والحدود، والحرس، والمنفى، لذلك يبدو التنين وكأنه القوة التي يتمنى الإنسان المهاجر أن يمتلكها، في حين أن جسده الحقيقي المصاب والمتألم يظل عرضة للهشاشة والخوف والمطاردة. وفي الوقت ذاته، يحمل التنين ذاكرة العنف ذاته: فكما أن التنين كائن أسطوري لا يروض بسهولة، فإن الحرب التي خرج منها باسرا لا يمكن ترويضها داخل ذاكرته. ولذا فإن الوشم يصبح أشبه بأرشيف جسدي للحرب. لنقرأ: "صرت أعلم سر تلك النظرة، إنها مرتبطة بذلك التنين الآخر الذي يعيش معي، التنين الصيني الموشوم على ذراعي، والذي يعود لزمن غائر من الحروب، وبالفعل فقد شارك معي ذلك التنين حرباً طاحنة في البصرة، وفي هلوسات الحرب ووسط الموت ودخان الخراب، كان يزحف أحياناً وأشعر به وكأنه ينتشلني من الكارثة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تكتب رواية "باسرا المهاجر" سردها بحس سينمائي واضح، وتتحول كثير من مقاطعها إلى ما يشبه المشاهد المصورة التي يمكن للقارئ أن يراها ويتابع حركتها. يعتمد علوان في ذلك على الحوار والحركة وتقطيع المشاهد وتأجيل المعلومات، بما يمنح السرد قدراً من التشويق، كما في ظهور اسم فيونا في الفصل الأول وتأجيل حكايتها حتى الفصول الأخيرة، وكذلك في المشاهد التي تجمع باسرا برفيق السفر الشاب البسيط راهي الأغم، ثم مغامرات هربهما معاً. وهذا التشويق يبدو محسوباً ومدروساً، إذ يقوم على الكشف التدريجي والانتقال بين المشاهد في اللحظة التي يتولد فيها التوتر.

ويتعزز هذا الحس السينمائي أيضاً من خلال تعدد الأمكنة وتبدلها المستمر: من البصرة، إلى سيلوبي والحدود، ثم إلى جزيرة بوبو، وصولاً إلى بروكسل والأمكنة التي تستعيدها الذاكرة أو تستحضرها الرحلة. وهذا التنقل ليس مجرد تنويع جغرافي، وإنما هو جزء من بنية الرواية نفسها، فكل مكان يفرض على باسرا حالاً مختلفة ويكشف جانباً جديداً من تجربته، حتى يصبح انتقال الشخصية من مكان إلى آخر أشبه بانتقال الكاميرا بين مشاهد متتابعة، فيما تظل الشخصية نفسها هي الخيط الذي يربط هذه الجغرافيات المتباعدة. لنقرأ: "على الطريق نفسه، وفي وسط تلك العتمة جلست في ذات المكان وعزفت المعزوفة الأخيرة بصرة، سايغون، فأضاءت ذات النوافذ ومن هناك صار الناس يلوحون لي مودعين. في البصرة كان هنالك راهي وأمي وأبي وسيما والتنين الذي على الجدار عندما دهمتنا عاصفة مفاجئة، تلاها بيان الحرب الجديدة. خرج الجندي باسرا وصاحبه الأغم يرددان: احنا ماشيين للحرب".

الرواية، وإن بدأت مع رجل اسمه باسرا، فإنها تنتهي مع بطل تتسع حكايته لكل أولئك الذين أجبروا على الفرار من أوطانهم. وفي النهاية، حين يعود صوت الناي يتردد في الأسماع، لا يكون مجرد صدى لموسيقى الرحيل، بل يصبح صوت الذين عبروا الحدود ولم يصلوا، أو أولئك الذين مضوا بعيداً حاملين غربتهم أينما حلوا، نجوا من الحرب بأجسادهم، فيما دمغت الحرب ذاكرة أرواحهم ببصمتها الأبدية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة