ملخص
يركز الفيلم الوثائقي "نقطة تحول: جيل 11 سبتمبر" Turning point: Generation 9/11 الذي يعرض حالياً على منصة "نتفليكس" من إخراج بريان كنابنبيرغر، على حكايات الضحايا، خصوصاً من جيل الأبناء. الذين قرر بعضهم أن يفعل كل ما في وسعه، كي "يتأكد أن من فعلوا ذلك لن يُفلتوا بلا عقاب"، لكن بعد 20 عاماً من هذا الخاطر، وجد هؤلاء أنفسهم طرفاً في حرب "لا جدوى منها ولا يمكن الفوز بها في أفغانستان".
بعد مرور 25 عاماً على أحداث الـ11 سبتمبر (أيلول)، بتبعاتها المحلية والدولية، تنشط على وسائل التواصل الاجتماعي، أكثر من أي وقت مضى، نظريات المؤامرة. أصحابها بثقتهم الزائدة في أنفسهم، يعمدون إلى تفسير الأحداث الدامية بالعمليات الداخلية Inside job حسب التعبير الأميركي، أي إنها جرت بتدبير من صُناع القرار في البيت الأبيض، مُنتصرين لا شعورياً لفكرة أن واشنطن وحدها تستطيع إحداث كل هذا الدمار حتى في أراضيها. غير أن هؤلاء كعادتهم ينسون الأبرياء الذين دفعوا لاحقاً ثمناً فادحاً، فتعرضوا للانتقام الشرس، حتى وإن كانوا أميركيين.
البعض الآخر وجدوا أنفسهم في الكفّة الخاسرة، كفّة الأعداء بحُكم التعريف، وهم المواطنون المسلمون الذين عاشوا حتى هذه اللحظة في وئام نسبي داخل المجتمع الأميركي. حتى أبناء المغدورين المباشرين، ممن كانوا يعملون في مبنى البنتاغون، أو في برجي التجارة، خصوصاً الطوابق العُليا المنكوبة التي لم تنفجر في الحال، أصبحوا مع الزمن أعداء في نظر أصحاب نظريات المؤامرة. جرى الاستخفاف بصدمتهم وفقدهم، والحياة التي تغيّر وجهها فجأة، ولم يكن من المُفترض أن ينتهي إلى هذا القُبح. إنها الكراهية التي لم تتوقف عن حصد ثمارها، منذ وقوع تلك الأحداث وإلى اليوم.
حقائق مَخفية
يبدأ الفيلم بلقطة للقمر نصف ظاهر وسط السماء الحالكة، بينما يُحاكي أحد الجنود الأميركيين صوت طائر على سبيل المزاح، ثم تتالى الشهادات. وهذه الافتتاحية تومئ إلى الحقائق التي تتخفى حول السردية الكبرى التي اصطُنعت من هذه التسجيلات. مباشرة ينقلنا الفيلم في قفزة مونتاجية إلى لحظة إجلاء الجنود الأميركيين بعد 20 عاماً من قاعدة "آبي غيت" في أفغانستان. مشهد فوضوي أليم، يُعيد تجسيد رعب التفجير وذعر المدنيين بصورة مُصغرة.
بعد هذا الوصل بين نقطتين زمنيتين مُتباعدتين، يعود الفيلم إلى الوراء مجدداً ويجعلنا نُعايش أحداث الـ11 من سبتمبر، بدءاً من سلام الحياة اليومية في الشارع الأميركي، كما يوثقها أحد المواطنين بالصوت والصورة، وحتّى الصدفة التي تجعل الكاميرا تنتبه فجأة إلى الحركة الغريبة، بما يُصاحبها من صوت مُفزع في الخلفية لطائرة ركاب تتجه بسرعة رهيبة ناحية أحد برجي التجارة. ما بدا في الحال، أقرب إلى كارثة طبيعية، منه إلى حدث مُدبّر. يستعين الفيلم بجيني باشوكي، وهي مؤرخة للمواد الشخصية التي بقيت من ضحايا التفجير.
تُطلِعنا على زوج يُودّع زوجته للمرة الأخيرة مُستذكراً لحظاتهما السعيدة، بعدما عرف أنه عالق في الطوابق العليا المنكوبة ولن يتمكن من النجاة. ابن يُحاول طمأنة أمه، بأنه ما يزال حياً ينتظر وصول المُسعفين، الذين لن يصلوا أبداً، بعضهم سيُسلم الروح بدوره قبل الوصول إلى الأعلى، كي لا يتبقى للأم المكلومة من ابنها إلا ارتعاشة صوته الأخيرة.
"البراءة الأميركية"
لم تكن أميركا قد استفاقت مما يُسميه أحد العسكريين السابقين في الفيلم "البراءة الأميركية"، ويعني به على ما يبدو الشعور بأنها لا تُقهر، أو إحساس المواطنين العاديين بالأمان الناتج من خطابات القوة، إلا ووقع الهجوم الثاني وبالكيفية نفسها، بعد نصف ساعة تقريباً. طائرة ركاب ثانية، تُحلق على ارتفاع منخفض جداً، وتصطدم ببرج التجارة الآخر. الآن، لم يعد هناك مفر من إدراك أن "البلد تحت الهجوم"، وأن الحصانة المُطلقة لم تكن سوى وهم.
وفي أثناء محاولات إنقاذ أكثر من 1500 شخص عالقين، وقد بدت بلا نتيجة فعلية على الأرض، كان يتحضر هجوم ثالث على مبنى البنتاغون، وهجوم رابع لم ينجح في مكان آخر لأن قادة الطائرة المخطوفة رفضوا الخضوع للإرهابيين ودفعوا الثمن بتفجير الطائرة. ينتقل الفيلم إلى شهادات أبناء الضحايا ليقدم لنا منظوراً آخر للحدث. على سبيل المثال، كان أحد العاملين في البنتاغون ويُدعى "نغيون"، فيتنامياً، هرب من الاضطرابات السياسية في بلده، ودرس في الولايات المُتحدة، ثم حصل على فرصة عمل مرموقة في المبنى الذي استُهدف بدوره. الحُلم الأميركي السعيد لمُهاجِر طيّب، انتهى إلى أسرة مكلومة وابن يتيم ستتغيّر حياته إلى الأبد.
لم تنته المأساة عند هذا الحد. بعد نصف ساعة أخرى، أدت النار المُستعرة في البرج الشمالي، إلى انهيار المبنى على نفسه، آخذاً في طريقه أرواح أكثر من ألف شخص. واليوم، حسب ما تنقل صحيفة "ميديا بارت" الفرنسية، عن عُمدة نيويورك زهران ممداني فإن غبار الانفجار، ربما تسبب بإصابة نحو 54 ألف شخص في محيط الانفجار بأنواع مختلفة من السرطان. في الفيلم، يخلص المُحلل العسكري إلى أن أميركا "فقدت براءتها"، وبدأ التحضير للانتقام، والحديث عنه رسمياً، بينما لم تبرد الأجساد المُتفحمة بعد.
الحرب على الإرهاب
على رغم أن سؤال الفيلم الحقيقي، إذا ما صدقنا العنوان هو جيل الـ11 من سبتمبر، بمعنى مكابدات هذا الجيل على الصعيد الفكري والشخصي والاجتماعي، فإن صُناعه يحشدونه بشهادات لعسكريين وخبراء استراتيجيين، ليس بهدف تحليل دوافع الهجمات (وهو ما كانت العقلية الأميركية تحتاج إلى فهمه)، لكن للنقاش حول تخبط صناع القرار في الحرب التي أعلنوها على الإرهاب في الكوكب كله تقريباً. حرب مرّت بتدشين شرطة الهجرة (الآيس)، التي تُتهم كل يوم في الحاضر بعمليات قتل باردة لمُهاجرين أثناء القبض عليهم وترحيلهم، لكن كذلك بقرار غزو العراق بدعوى "وجود أسلحة دمار شاملة"، وهو ما تبين لاحقاً كذبه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صحيح أن الفيلم يربط، بصورة مُمنهجة وعبر الشهادات، الأحداث التي تلت، وما نزال نُعاني آثارها، بجرح أميركا النرجسي بعد الهجمات، وحاجة القادة إلى صناعة سردية دعائية، تساعدهم على التنصل من مسؤولياتهم المباشرة، وتجعل من "الآخر هو الجحيم" مُجسداً. إلا أن العمل الوثائقي يبدو إجمالاً ضائعاً لا سيما في ثلثه الثاني وسط التفاصيل السياسية، وفي استنباط مزيد من الحُجج المضادة لحجة الحرب الأبدية التي دخلتها أميركا، وحساباتها الخاطئة والمُتناقضة.
وإذا كان الفيلم في مقاصده النبيلة، سعى نسبياً إلى منح ضحايا الهجمات صوتاً وجسداً واسماً، فإنه انزلق على الجانب الآخر إلى اختزال الضحايا من غير الأميركيين، خارج الأراضي الأميركية، إلى مجرد أرقام، صورة مُروعة لأشلاء ودماء في الخلفية. أما مقدمة الصورة، فيحتلها أبطال العسكرية الأميركية، الذين رأوا الموت بأعينهم في أفغانستان. فقدوا إخوانهم وعادوا إلى الديار، مُستشعرين ربما أن هذه لم تكن "الحرب الصحيحة"!
الجيل الجديد
إننا لم نر شيئاً عن الضحايا العراقيين حين أتى السرد على ذكر غزو العراق، ولا حتى من الأفغان حين بدأ الحديث عن حرب أميركا الطويلة ضد الإرهاب هناك، اللهم إلا هذا الجندي المتعاون مع الأميركيين، الذي ترك زوجته خلفه في الأراضي التي استولى عليها أمراء "طالبان"، باتفاق مع الولايات المُتحدة. وهذا يعني أن الفيلم يظل في "براءته!" حبيساً داخل الصندوق الأميركي في التفكير. وخُلاصة هذا التفكير كما نراه في أفلام روائية كثيرة، وفي هذا الفيلم نفسه، هو أن العالم ليس سوى أميركا، إمبراطورية عظمى تستوعب العالم، حتى وهي تُقصيه.
تبقى نقطة الضوء في هذا الفيلم، هي نفسها وعده المهدور: أصوات الأجيال الجديدة، الذين يُدركون أن الساسة الحاليين لا يُعبرون سوى عن مصالحهم الشخصية الضيقة في الوصول إلى السلطة والبقاء فيها، عبر تذكية العداء ضد المُهاجرين، مع أنهم لم يكن لهم يد أساساً في الهجمات، والتطبيع مع خطابات الكراهية التي لا تكف عن اختلاق أعداء مجازيين. يعرفون أنهم باسم "الحرب اللانهائية" على الإرهاب قد فقدوا كثيراً من حريتهم واستُلبت آمالهم في المُستقبل. ولعلّ العبارة الأبلغ التي نطق بها أحد الشهود تُلخص المشهد الحالي: "الإرهابيون كانوا يعرفون أنهم لن يستطيعوا تدمير أميركا، بل راهنوا على أن أميركا ستدمر نفسها بنفسها".