Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ذاكرة الرمال" ينبش معتقلات "الفاشية" في ليبيا

فيلم وثائقي اعتمد على شهادات باحثين وناجين واستعرض "جرائم الاستعمار الإيطالي"

جانب من متابعة الجمهور لعرض الفيلم في الجامعة الليبية الدولية (اندبندنت عربية)

ملخص

يقول منتج الفيلم إن التحدي الأكبر كان يتمثل في جعل التاريخ مرئياً من دون الحاجة إلى اختلاقه، ويشير إلى أن فريق الفيلم اعتمد على شهادات ناجين ومؤرخين، ووثائق وصور أرشيفية، ومواد حصلوا عليها من الجهات المتخصصة، منوهاً بأنه استخدم تقنية CGI وتعني الصور المنشأة بالحاسوب، إضافة إلى إعادة البناء البصري لتقريب الأماكن والأحداث التي لم تعد موجودة أمام الكاميرا.

تلك المرة توجهت السينما إلى الصحراء الليبية، وتحديداً في برقة، حيث المعتقلات الإيطالية الفاشية، موثقة شهادات الناجين من تلك الحقبة في الفيلم الوثائقي "ذاكرة الرمال" الذي يعيد التذكير بواحدة من أكثر تفاصيل التاريخ الليبي ألماً.

الفيلم من إخراج التونسي صامد حجي، في حين تولي الليبي محمد الغماري مهمة المنتج المنفذ، ويعتمد العمل على شهادات عدد من الباحثين والمهتمين بالتاريخ والناجين، من بينهم سليمان العبيدي آخر الناجين من المعتقلات الفاشية في برقة.

يقول منتج الفيلم محمد البرغثي إن فكرته ولدت من شعور عميق بالمسؤولية تجاه جزء أصيل من الذاكرة الوطنية، ويرى أن "الاستعمار الإيطالي الفاشي ارتكب جرائم، لم تصل تفاصيلها كما ينبغي إلى الجيل الحالي والأجيال التي سبقته".

يوضح البرغثي أن "الشواهد المادية، قبل سنوات، كانت أكثر وضوحاً، باعتبار أن أصحاب الشهادات الحية من الناجين كانوا بيننا، لكن مع مرور الوقت بات توثيق هذه الجريمة مهدداً بالاندثار ليتحول في النهاية إلى مجرد سطور في بعض الكتب والمراجع والأبحاث التي لا يتاح للجميع الاطلاع عليها".

يضيف منتج الفيلم أن "التوثيق المرئي هو الوسيلة الأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور، وإماطة اللثام عن فترة مظلمة ومخفية من التاريخ الليبي".

ذاكرة بصرية 

وعن اختيار معتقلات الإبادة الفاشية في ليبيا، وتحديداً في برقة، موضوعاً للفيلم، يوضح البرغثي أن تلك المعتقلات تمثل الجريمة الأبرز التي طاولها التناسي، ولم تحظ بالتوثيق الذي تستحقه، سواء من أجهزة الدولة سابقاً، أم من خلال صناع السينما والتوثيق الفني بصفة عامة. 

ويضيف أنه على مدى عقود، ظل التوثيق الأبرز لهذه المأساة متمثلاً في القصيدة الشهيرة لشاعر معتقل العقيلة رجب بوحويش، "ما بي مرض"، إلى أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما قاد مؤرخ الجهاد الليبي يوسف سالم البرغثي جهوداً أكاديمية استثنائية، وأعد أول رسالة ماجستير حول معتقلات الإبادة الجماعية، فتحت الباب أمام البحث والتوثيق المكتوب.

يقول البرغثي إن هذه المحطات الاستكشافية كانت منطلقاً للرغبة في نقل القضية إلى الشاشة الوثائقية، مضيفاً "نحن وكثير من المهتمين بهذه القضية نؤمن بأن جرائم الإبادة لا تسقط بالتقادم، ومن حق كل مواطن ليبي أن يعلم حقيقة ما كابده أجداده. بل إن واجبنا الإنساني والتاريخي يقتضي أن يصل صدى هذه المأساة إلى العالم أجمع، لتسجل رسمياً ضمن أبشع جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث".

يوضح البرغثي في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إن التحدي الأكبر كان يتمثل في جعل التاريخ مرئياً من دون الحاجة إلى اختلاقه، ويشير إلى أن فريق الفيلم اعتمد على شهادات ناجين ومؤرخين، ووثائق وصور أرشيفية، ومواد حصلوا عليها من الجهات المتخصصة، منوهاً بأنه استخدم تقنية CGI (Computer-Generated Imagery) وتعني الصور المنشأة بالحاسوب، إضافة إلى إعادة البناء البصري لتقريب الأماكن والأحداث التي لم تعد موجودة أمام الكاميرا.

ويقول إن فريق العمل كان حريصاً على أن تبقى هناك مسافة واضحة بين الوثيقة الأصلية وإعادة البناء، مؤكداً أن الهدف لم يكن صناعة مشاهد درامية، وإنما مساعدة المشاهد على تخيل ما حدث، مع الحفاظ في الوقت نفسه على احترام الحقيقة التاريخية.

ويلفت إلى أن إعادة البناء استندت إلى وثائق وأرشيف مؤرخ المقاومة الليبية يوسف سالم البرغثي، إذ وجد الفريق لديه خريطة رسمت بخط اليد من أحد المجاهدين الذين تم اعتقالهم في معتقل العقيلة.

بوابة المعتقلات 

يقول منتج الأفلام الوثائقية محمد البرغثي إن فيلم "ذاكرة الرمال" سيفتح شهية المنتجين على الغوص في ذاكرة ليبيا التاريخية والإنسانية الغنية بقصص وشخصيات وأحداث ما زالت تنتظر أن توثق وتروى سينمائياً، محذراً من أن هناك وثائق وشهادات قد تضيع إذا لم تتم المسارعة إلى توثيقها. ولفت إلى أن ملف المعتقلات الفاشية نفسه ما زال يستحق مزيداً من الدراسات، والأفلام التي تغطي جوانب أخرى لم يكف الوقت لتغطيتها في "ذاكرة الرمال".

وعن إمكان أن يكون الفيلم بداية لإعادة فتح ملف المعتقلات الفاشية على المستوى البحثي والمجتمعي، يوضح أن ما حدث بعد عرض الفيلم يوم 17 من الشهر الجاري كان مهماً بالنسبة إلى فريق العمل، لأن النقاش لم يتوقف عند الفيلم نفسه، وإنما امتد إلى الحديث عن الضحايا، وعن المواقع التاريخية للمعتقلات، وضرورة الحفاظ عليها، وعن الحاجة إلى مزيد من الدراسات والأعمال التي تتناول هذه المرحلة.

 

ويقول البرغثي إن هذه هي القيمة الحقيقية التي يمكن أن يتركها الفيلم وهي "أن يفتح باباً ولا يغلقه، وأن يجعل الذاكرة موضوعاً حياً قابلاً للبحث والنقاش، لا مجرد صفحة من الماضي".

ويختتم بالقول إن "ذاكرة الرمال"، "ليس نهاية الحكاية، وإنما محاولة لاستعادة صوت من لم يعد بإمكانهم أن يتحدثوا، وترك الباب مفتوحاً لمن سيأتي بعدنا ليكمل البحث والتوثيق".

المأساة في صورة 

في قراءته الفنية للفيلم يقول المخرج الليبي خالد نجيم إن "ذاكرة الرمال" يعد تجربة مهمة، لأنه حاول أن ينقل التاريخ من كونه وثيقة محفوظة في الأرشيف إلى حالة إنسانية يمكن للمشاهد أن يراها ويشعر بها.

ويوضح أن قوة العمل الوثائقي، في رأيه، لا تكمن في كمية المعلومات التي يقدمها، وإنما في قدرته على جعل الإنسان يشعر بأن ما حدث بالأمس ما زال حاضراً أمامه، وهذا ما حاول الفيلم أن يفعله، من خلال الجمع بين شهادة الإنسان والوثيقة والصورة الأرشيفية وإعادة بناء بعض المشاهد.

ويضيف نجيم "أنا كمخرج أعتقد أن التعامل مع الذاكرة يحتاج إلى حساسية شديدة، لأننا لا نحتك مع أحداث عادية، وإنما مع ألم إنساني ومع ذاكرة أناس عاشوا تلك الأحداث، لذلك فإن التحدي الحقيقي هو كيف نحول المأساة إلى صورة سينمائية من غير أن نفقد صدقها أو نحولها إلى مجرد استعراض بصري".

ويرى أن أجمل ما في هذا النوع من الأفلام هو أن الوثيقة تصبح لها روح عندما يضعها المخرج بجوار وجه إنسان عاش الحدث، موضحاً أن الورقة تتحول عندها إلى ذاكرة، والصورة القديمة إلى حياة، والمكان إلى شاهد.

ويؤكد نجيم أن أهمية "ذاكرة الرمال" تتجاوز الفيلم نفسه، لأنه يلفت الانتباه إلى مسؤولية أكبر، تتمثل في وجود ذاكرة ليبية كاملة ما زالت تنتظر من يجمعها ويوثقها قبل أن ترحل مع أصحابها.

في وجه النسيان

عن قدرة السينما في أن تجعل هذه الذاكرة أقرب إلى الأجيال الجديدة لتحافظ عليها من النسيان، يقول نجيم إن السينما ربما تكون من أقرب الوسائل إلى الأجيال الجديدة، لافتاً إلى أن شاب اليوم قد لا يقرأ كتاباً تاريخياً من مئات الصفحات، لكنه قد يجلس أمام فيلم لمدة ساعة أو ساعتين، وإذا استطاع الفيلم أن يمسك بمشاعره وأسئلته، فإنه يستطيع أن يفتح أمامه باباً كاملاً على التاريخ.

لكنه يوضح أن مهمة الفيلم لا تتمثل فقط في أن يقول للأجيال الجديدة: "انظروا ماذا حدث"، بل الأهم أن يجعلها تسأل: لماذا حدث؟ ماذا ترك فينا؟ وكيف أثر في تكوين المجتمع الليبي؟ مضيفاً أن الذاكرة، عندها تصبح أكثر من مجرد حكاية عن الماضي، وتتحول إلى جزء من وعي الشاب بنفسه وبوطنه.

ويخشى نجيم من أن "تتحول الذاكرة إلى مجرد مناسبات نحتفل بها ثم ننساها"، مؤكداً أن "الذاكرة الحقيقية يجب أن تدخل إلى المدرسة والجامعة والسينما والمسرح والتلفزيون والمنصات الرقمية، وفيلم ذاكرة الرمال يمكن أن يكون جزءاً من مشروع أكبر، لأن فيلماً واحداً، مهما كانت قيمته، لا يستطيع وحده أن يحمل ذاكرة وطن كاملة".

يرى نجيم أن السينما تستطيع أن تكون "ذاكرة ليبيا المصورة"، قائلاً إن البلاد تملك تاريخاً طويلاً، ومدناً وقرى وشخصيات وأحداثاً وحكايات وتجارب إنسانية كثيرة، لكن جزءاً كبيراً منها ما زال يعيش في ذاكرة الناس أكثر مما يعيش في أرشيف منظم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أن البداية يجب أن تكون من الإنسان، من خلال الذهاب إلى كبار السن، وإلى الأحياء القديمة والقرى والمدن التي شهدت أحداثاً مهمة، لتسجيل شهاداتهم قبل أن تضيع، ثم يأتي دور السينما، بحسب نجيم، في تحويل هذه المادة إلى أفلام تحفظ الصورة والصوت والمكان والشخصية.

لكنه يستدرك قائلاً إنه لا يقصد أن تكون السينما مجرد تسجيل تاريخي جاف، موضحاً أنها "تستطيع أن تمنح التاريخ حياة جديدة، وأن تجعلنا نرى الإنسان داخل الحدث، ونفهم مشاعره وخوفه وأحلامه وانتصاراته وانكساراته".

ويقول إنه يتصور مشروعاً ليبياً واسعاً للسينما الوثائقية، يكون أشبه بأرشيف بصري وطني، يجمع الوثيقة والشهادة والصورة والمكان، ويترك للأجيال القادمة مادة تستطيع أن تبحث فيها وتتعرف من خلالها على تاريخ بلادها.

ويشير إلى أن خير دليل على ذلك هو الفيلم العالمي عن شيخ الشهداء عمر المختار، الذي أسهم بصورة كبيرة في صياغة صورة ذهنية واسعة عن حركة المقاومة والنضال.

معالجة منقوصة

يوضح نجيم أنه عندما كان ضمن الجمهور الذي شاهد العرض التجريبي الأول للفيلم في قاعة عرض الجامعة الدولية في بنغازي تكونت لديه بعض الانطباعات النقدية غير المبنية على دراسة متمعنة وتفصيلية، لكنه يدرجها في إطار مبدئي مستواه الأول البناء الدرامي، باعتباره كان يتمنى أن يكون هناك تصاعد درامي أكثر وضوحاً.

ويشير إلى أن الفيلم يحمل مادة تاريخية وإنسانية ثقيلة جداً، وهذه المادة بطبيعتها تمنح المخرج إمكان بناء رحلة درامية تبدأ بالسؤال، ثم الاكتشاف، ثم الصدمة، وصولاً إلى التأمل، ويضيف "شعرت أن قوة المادة التاريخية نفسها كانت أكبر من المعالجة الدرامية التي قدمت لها".

من بين ما انتقده نجيم في الفيلم استخدام إعادة البناء البصري والتقنيات الحديثة، موضحاً أن تلك التقنيات تفتح إمكانات كبيرة لكنها في الفيلم الوثائقي تحتاج دائماً إلى ضبط شديد، حتى لا تطغى الصورة المصنوعة على الحقيقة التاريخية، ويقول "أنا كمخرج أميل إلى أن تكون التقنية خادمة للذاكرة وليست هي الذاكرة نفسها".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما