ملخص
تواجه الاقتصادات الكبرى تحديات متزايدة تتمثل في اتساع العجز وارتفاع مدفوعات الفائدة، وهي ظروف كانت ترتبط تقليدياً بالدول الناشئة المثقلة بالديون.
حذّر معهد التمويل الدولي من أن الارتفاع المستمر في كلف خدمة الديون يشكّل خطراً كبيراً على الحكومات حول العالم، في ظل تزايد أعباء الاقتراض وارتفاع أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات صادرة عن المعهد أن الدين العالمي ارتفع بنحو 10 تريليونات دولار خلال النصف الأول من العام، ليتجاوز مستوى 365 تريليون دولار.
ويأتي هذا الارتفاع بالتزامن مع صعود عوائد السندات الحكومية المتوسطة والطويلة الأجل في عدد من أكبر اقتصادات العالم، من بينها الولايات المتحدة واليابان وفرنسا والمملكة المتحدة، إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد، مما يعكس تزايد قلق المستثمرين في شأن استمرار ارتفاع الفائدة وضغوط كلف الطاقة وضعف النمو الاقتصادي.
وأشار المعهد إلى أن الاقتصادات الكبرى تواجه تحديات متزايدة تتمثل في اتساع العجز وارتفاع مدفوعات الفائدة، وهي ظروف كانت ترتبط تقليدياً بالدول الناشئة المثقلة بالديون التي تعاني كثيراً أزمة الديون منذ جائحة كورونا واتجاه الحكومات إلى التوسع في الإنفاق العام.
فوائد ضخمة للسندات الحكومية في 2025
بيانات معهد التمويل الدولي أشارت إلى أن الاقتصادات المتقدمة أنفقت أكثر من 3.3 تريليون دولار على فوائد السندات الحكومية المتداولة دولياً خلال العام الماضي، وهو ما يفوق الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي والدفاع والطاقة النظيفة.
وحذّر المعهد من أن الديون تحولت إلى قضية سياسية، مع وجود "حلقة مفرغة" بين الاستحقاقات الانتخابية والإجراءات القصيرة الأجل، مقابل تزايد الأخطار الطويلة الأجل مع تراجع جدوى التوسع في الاقتراض.
وأضاف في تقرير أن ارتفاع أسعار الفائدة المرجعية سيؤدي إلى زيادة كبيرة في كلفة خدمة الدين، في وقت لا تزال فيه الضغوط الهيكلية، مثل الإنفاق على الرعاية الصحية والمعاشات، دون معالجة كافية.
من جانبها، أكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ارتفاع عوائد السندات يعكس الحاجة إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين كفاءة القطاع العام، وتعزيز الإيرادات. وشددت على ضرورة تنفيذ إصلاحات تضمن استدامة الدين على المدى الطويل وتمكّن الحكومات من مواجهة الصدمات المستقبلية.
هل تجاوز اقتصاد العالم صدمة الطاقة؟
أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد العالمي تجاوز صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط بصورة أفضل مما كان يخشى. وأوضح، أنه لا يزال من المتوقع أن ينمو الناتج الاقتصادي العالمي بنحو ثلاثة في المئة في 2026، لكنه حذر من أن الأخطار لا تزال مرتفعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقالت المتحدثة باسم الصندوق جولي كوزاك إن أسعار النفط والغاز لا تزال مرتفعة، وصدمة الطاقة الناجمة عن الحرب لم تنته بعد. وأشارت إلى أن ضغوط الديون العالمية آخذة في التزايد، وأن عملية خفض التضخم في أعقاب أزمة كلف المعيشة التي شهدها عام 2022 توقفت.
وأشارت إلى أن توقعات التضخم العالمية ارتفعت، لكنها لا تزال مستقرة على المدى الطويل، وتابعت "حتى الآن، على رغم مرور ستة أشهر على الحرب في الشرق الأوسط، أظهر الاقتصاد العالمي صموداً"، مضيفة أن السحب من احتياطات النفط والغاز أتاح لبعض البلدان التعامل مع صدمات الطاقة الناجمة عن الحرب، فيما تحولت بلدان أخرى إلى مصادر طاقة جديدة.
صندوق النقد يخفض توقعاته للنمو في 2026
خلال يوليو (تموز) الماضي، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي في 2026 بصورة طفيفة مجدداً إلى نحو ثلاثة في المئة، وهو معدل ضعيف مقارنة بمتوسط 3.5 في المئة المسجل في عامي 2024 و2025.
وقالت كوزاك، إن الاقتصاد العالمي يتأثر بقوى متعارضة، إذ تؤدي صدمة العرض السلبية في قطاع الطاقة إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والأسمدة والغذاء والسلع الأولية الأخرى، في حين توفر دورة التكنولوجيا التي يقودها الذكاء الاصطناعي صدمة إيجابية للطلب.
وذكرت أن الأخطار مرتفعة، إذ تحتاج بلدان كثيرة إلى إعادة تكوين احتياطاتها من النفط والغاز، بينما من المتوقع أن يرتفع الطلب على الطاقة مع اقتراب فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي. وأشارت إلى أن الضغوط تتزايد أيضاً على الدين العام العالمي، الذي يبلغ بالفعل نحو 100 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر.
وأشارت إلى أن مشكلات السيولة تتفاقم أيضاً في البلدان النامية، بما في ذلك دول أفريقيا، ويرجع ذلك لأسباب منها تراجع المساعدات الثنائية. وأوضحت أن الصندوق يحث محافظي البنوك المركزية على الالتزام بتفويضاتهم في ما يتعلق باستقرار الأسعار.
تقييم استدامة ديون الدول المنخفضة الدخل
قبل أيام، أقر صندوق النقد والبنك الدولي إصلاحات لإطار تقييم استدامة ديون الدول المنخفضة الدخل، في أول مراجعة شاملة له منذ 2017، بهدف تحسين رصد أخطار المديونية في بيئة أصبحت أكثر تعقيداً ومخاطرة، مع ارتفاع مستويات الدين وتنوع مصادر التمويل.
جاءت الخطوة في وقت يعاني فيه نحو 14 في المئة من الدول المنخفضة الدخل ضائقة ديون، بينما تواجه 33 في المئة أخرى أخطاراً مرتفعة، وفق نائبة مدير إدارة أفريقيا في صندوق النقد والمسؤولة عن العمل على الإطار الجديد، أليسون هولاند.
وقالت هولاند، إن الصدمات الاقتصادية الأخيرة عكست التحسن الذي شهدته أوضاع الديون منذ 2021، وأعادت عدد الدول التي تواجه أخطاراً مرتفعة أو ضائقة ديون إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا. ويهدف الإطار المحدث إلى تحسين قدرة الصندوق والبنك الدولي على التمييز بين الدول التي تواجه بعض أخطار ضغوط الدين وتلك التي تُعدّ ديونها غير مستدامة، من خلال تطوير قياس القدرة على تحمّل الدين وإضافة أدوات جديدة لتقييم الأخطار.
وقالت هولاند إن الهدف عملي جداً، ويتمثل في مساعدة الدول على تحديد مواطن الضعف في وقت أبكر وبدرجة أكبر من الدقة، بما يسمح لها باتخاذ قرارات أفضل في شأن التمويل والسياسات.
وتوسّع المراجعة نطاق تحليل الديون ليشمل بصورة أكثر انتظاماً أخطار الدين المحلي، في ظل تزايد أهمية الاقتراض المحلي في عدد من الدول المنخفضة الدخل، ويأخذ الإطار الجديد في الحسبان التحديات الطويلة الأجل، بما فيها حاجات التنمية والتكيف مع تغير المناخ، لمساعدة الحكومات في تقدير المساحة المالية المتاحة للاستثمار، مع الحفاظ على استدامة الدين على المدى الطويل.
ويتضمن الإطار أيضاً وحدة جديدة لتحليل الآفاق الطويلة الأجل، وحدوداً محددة لتقييم أخطار الضغوط على إجمال الدين العام، إلى جانب تطوير اختبارات الضغط وأدوات التحقق من واقعية التوقعات، وتسعى الإصلاحات كذلك إلى رفع جودة البيانات المستخدمة في تقييمات استدامة الدين، بما في ذلك تحسين تغطية ديون المؤسسات المملوكة للدولة وزيادة الشفافية والموثوقية.