ملخص
بدا لقاء ترمب وآندي بيرنهام ودياً في ظاهره، وتخللته المجاملات والإشادات ومواقف متقاربة حيال عدد من القضايا، لكن ما بين الكلمات ولغة الجسد كشف عن لحظات من التوتر وعدم الارتياح، ولا سيما عندما انتقل الحديث إلى ملفات أكثر حساسية.
اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام على هامش "الجمعية العامة للأمم المتحدة"، بدأ متأخراً بأكثر من ساعة، لكن يبدو أن المحادثات التي أجريت خلف الكواليس سارت على ما يرام. فقد قال ترمب للصحافيين المحتشدين عن بيرنهام: "إنه رجل أعمال بالفطرة"، وهي، بطبيعة الحال، أقصى درجات الإطراء التي يمكن أن يمنحها الرئيس الأميركي.
على مقياس الكاريزما الممتد من زهران ممداني إلى تيد كروز، يأتي بيرنهام في منتصفه تماماً: فهو واثق من نفسه بهدوء، ويحظى بالتأكيد بشعبية في بلاده، لكنه يظل في نهاية المطاف، بريطانياً. هذا يعني أن جانباً كبيراً من تواصله يتم عبر الأسلوب البريطاني العتيق المتمثل في رفع الحاجبين، وحركات اليد الدقيقة، والنظرات المواربة المحرجة بعض الشيء. وقد كان هناك كثير من هذه الإشارات التي تستحق التوقف عندها، إذا كنت تعرف أين تدقق النظر ومتى.
واستهل بيرنهام حديثه إلى ترمب قائلاً: "تكرمت اليوم بإتاحة الفرصة لنا للحديث عن القضايا المتعلقة بالتجارة". كانت عبارة خاوية المعنى تقريباً، صيغت بوضوح لاستمالة ترمب، وفي الوقت نفسه لإيصال رسالة إلى الآخرين مفادها أن بيرنهام لم يكن يتوقع أساساً أن تتاح له فرصة كافية للكلام. أما الرئيس فاكتفى بهز رأسه في رضا.
وعندما سألهما أحد الصحافيين عن مسألة الهجرة في بلديهما، عاد ترمب إلى ملعبه المفضل، فتحدث عن الحدود الجنوبية التي اعتبر أنها كانت خارجة عن السيطرة في عهد سلفه الرئيس الأميركي جو بايدن، وعن التحسن الكبير الذي قال إنه حققه شخصياً خلال ولايته الثانية. بيرنهام بدا غير مرتاح بعض الشيء، فاكتفى بالقول إن بريطانيا تحتاج إلى "نهج منضبط" في التعامل مع الهجرة، ثم أشار إلى أن وسائل الإعلام لا تنصف إنجازاته دائماً. وأضاف أن أعداد المهاجرين، وبينهم لاجئون، الذين يعبرون "القنال الإنجليزي" بقوارب صغيرة آخذة في التراجع، لكن "هذه قصة لا تجد طريقها دائماً إلى التغطيات الإعلامية". وقد هز ترمب رأسه موافقاً: إذ لا شيء يروق له أكثر من إظهار الاستياء من الصحافيين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إلا أن الأجواء أصبحت أكثر حرجاً بكثير عندما طرحت صحافية أخرى سؤالاً عن المؤسسات الإخبارية التي حظرها الرئيس الأميركي أخيراً من دخول البيت الأبيض، بدعوى أنها تنتقد إدارته بشدة. فقد سألته الصحافية: هل سيسمح الرئيس مجدداً بدخول مراسلي شبكة "سي أن أن" وموقع "بوليتيكو" وقناة "أم أس ناو" إذا ما حكم القاضي الذي ينظر في القضية، بأنه ملزم بذلك؟
قاطعها ترمب قائلاً: "على الأرجح سيفعل"، في إشارة إلى أن القاضي ربما سيحكم لمصلحة الصحافيين، إذ إن القاضي نفسه كان قد أمر في قضية مماثلة عام 2018 بإعادة مراسل "سي أن أن" جيم أكوستا وذلك بعد سحب تصريحه الصحافي. وأضاف ترمب: "لكن لدينا الحق في التخلص من الأخبار الكاذبة".
عند هذه النقطة حاول ترمب استدراج بيرنهام إلى إظهار شيء من التضامن معه. فرئيس الوزراء البريطاني كان يحدق بهدوء في الأرض، ويلعب بأصابعه، ويحاول بوضوح الحفاظ على ملامح وجه محايدة. انحنى ترمب نحوه، ولمس ذراعه برفق، قائلاً: "هذا موضوع لا يتعين عليك أن تعرف عنه". أما بيرنهام، العالق بين مقتضيات الدبلوماسية واللياقة، فاكتفى برفع حاجبه قليلاً، في إشارة معبرة للغاية.
الاجتماع كان قصيراً وودياً في معظمه، ولم تتخلله سوى بعض اللحظات المحرجة بين الحين والآخر. ففي إحدى تلك اللحظات على سبيل المثال، أكد ترمب افتقاره إلى المعرفة الجغرافية عندما قاطع بيرنهام، بعدما كان يتحدث عن بريطانيا، قائلاً: "أنتم تسمون المملكة المتحدة بريطانيا، وهم يسمونها أحياناً إنجلترا، ولها أسماء كثيرة". ويبدو أن حقيقة أن المملكة المتحدة وبريطانيا وإنجلترا تسميات لها دلالات جغرافية وسياسية مختلفة تماماً قد غابت عن ذهنه، ولم يكن أمام بيرنهام، بالطبع، سوى أن يدع الأمر يمر.
وفي معرض الرد على سؤال عن حلفاء مثل المملكة المتحدة (بريطانيا؟ إنجلترا؟) الذين يشهدون ارتفاعاً في كلف المعيشة نتيجة ما تقوم به الولايات المتحدة في إيران، قال ترمب إنه عندما تنتهي الحرب "ستنخفض الأسعار كثيراً"، وهو رد ربما كان سيبعث على الطمأنينة لو أنه أوضح في أي وقت، وبصورة علنية، متى أو كيف يمكن أن تنتهي الحرب.
وأضاف الرئيس الأميركي: "كان علينا أن نوقفهم. وأعتقد أننا على اتفاق تام حيال ذلك"، لكن تعابير وجه بيرنهام كانت توحي بأنهما في الواقع، لم يكونا متفقين في هذا الشأن على الإطلاق.
ثم جاء السؤال الحتمي عن إسرائيل، وتحديداً عن العقوبات التي فرضتها المملكة المتحدة أخيراً على المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية، التي تم الإعلان عنها قبل أسابيع بالتنسيق مع فرنسا وكندا وتسع دول أخرى. وعندما سئل ترمب عنها، قال إنه لم يكن يعلم بها أصلاً. فأضاف بيرنهام بلطف: "لقد اتصلنا بك بالفعل لنوضح لك سبب اتخاذنا ذلك القرار"، قبل أن يسارع إلى إضافة بعض الكلام العام عن أهمية أن يفعل السياسيون ما يقولون إنهم سيفعلونه - "يجب أن تكون لكلماتك دلالة، وإلا تبخرت الثقة في السياسة" - متجنباً بمهارة الخوض في أي تفاصيل. وللحظة خاطفة، بدا المشهد شبيهاً بموقف الممثلة داكوتا جونسون وهي تحرج بهدوء لكن بوقع مدمر، إيلين ديجينيرس في عقر برنامجها.
وفي موضع آخر من اللقاء، عاد ترمب إلى نبرته الاستعراضية المعتادة، متحدثاً عن أنه يلتقي أحياناً قادة دول لا يعتقد في قرارة نفسه أن لديها "إمكانات كبيرة"، لكنه قال إن المملكة المتحدة مختلفة: "إنها فقط تنتظر النجاح، تنتظر قيادة جيدة، وتنتظر تحقيق النجاح".
في المقابل، وافق بيرنهام على عبارة من عبارات حملته الانتخابية تتحدث عن تحويل "تغيير صورة بريطانيا إلى صورة أكثر إيجابية". وتوالت الابتسامات الصغيرة وهز الرأس، إلى أن رد ترمب في نهاية المطاف على قول أحد الصحافيين إن العلاقات بين البلدين تتأرجح "صعوداً وهبوطاً"، مضيفاً "بالأحرى أعتقد أنها في صعود".
وهكذا خرج آندي بيرنهام سالماً من أول لقاء مباشر له مع ترمب (بعدما كان قد أوضح في وقت سابق أنهما تحادثا هاتفياً)، فقد رفع حاجبيه، وهز رأسه، وابتسم، واستخدم ذلك النوع من الغموض الدبلوماسي الذي أبقى السياسيين البريطانيين في مناصبهم على مدى قرون من الزمن.
إنه حقاً فن عريق، من ذلك النوع الذي نشأ على مدى آلاف الأعوام من ممارسة العدوانية السلبية المصقولة بعناية: أن تقول شيئاً يبدو وكأنه إجابة، بينما لا تلتزم بشيء على الإطلاق. ويبدو أن رئيس الوزراء البريطاني نجح في استمالة الرئيس الأميركي بما يكفي للخروج من اللقاء من دون أذى يذكر، وهو أمر نادر نسبياً.
أما ترمب، فبدا مسروراً للغاية بصديقه الجديد. ولا سيما وصفه العلاقة بأنها ليست في حال صعود وهبوط، لا بل إنها في صعود!
ويمكن القول أخيراً إن بيرنهام، بعدما أمضى اللقاء وهو يحاول بهدوء ألا يبدو مذهولاً، يمكنه على الأرجح أن يعتبر ذلك مكسباً.
© The Independent