ملخص
يصل آندي بيرنهام إلى رئاسة الحكومة البريطانية في لحظة توتر غير مألوفة مع واشنطن، بعدما انحاز البيت الأبيض إلى لاعبي الأرجنتين في قضية لافتة جزر فوكلاند التي رفعوها عقب فوزهم على إنجلترا في نصف نهائي كأس العالم، وسبق ذلك وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب رئيس الوزراء الجديد بأنه (ليبرالي متطرف). هذه المعطيات تفتح الباب أمام أسئلة جدية حول مستقبل (العلاقة الخاصة) بين لندن وواشنطن، بين ضغوط المصالح المشتركة واحتمالات الصدام الشخصي والسياسي بين الرجلين.
لم يكد آندي بيرنهام يحسم زعامة حزب العمال الحاكم في بريطانيا الجمعة الماضي، تمهيداً لتسلمه رئاسة الحكومة رسمياً الإثنين خلفاً لكير ستارمر، حتى وجد نفسه أمام أول اختبار دبلوماسي مع الولايات المتحدة، وهو اختبار لم يأت من ملفات التجارة أو الدفاع كما جرت العادة، بل من ملعب كرة قدم في مدينة أتلانتا الأميركية، ومن تصريحات سابقة للرئيس دونالد ترمب لم تخف برودة استقباله لرئيس الوزراء البريطاني السابع خلال عقد واحد من الاضطراب السياسي في المملكة المتحدة.
بدأت شرارة الأزمة الأخيرة مساء الأربعاء الماضي، عندما تغلب المنتخب الأرجنتيني على نظيره الإنجليزي بهدفين مقابل هدف في نصف نهائي كأس العالم المقامة في الولايات المتحدة، إذ رفع عدد من اللاعبين الأرجنتينيين لافتة كتب عليها بالإسبانية (لاس مالفيناس سون أرخنتيناس) أي (جزر مالفيناس أرجنتينية)، في إشارة إلى مطالبة بلادهم بالسيادة على جزر فوكلاند الخاضعة للإدارة البريطانية، قبل أن يتركوا اللافتة ممددة على أرضية الملعب.
وأرخبيل فوكلاند جنوب المحيط الأطلسي يبعد قرابة 300 ميل عن سواحل الأرجنتين ونحو 8 آلاف ميل عن بريطانيا التي تديره منذ عام 1833، وقد اندلعت حوله حرب عام 1982 أسفرت عن مقتل 649 جندياً أرجنتينياً و255 بريطانياً وثلاثة من سكان الجزر.
أثار المشهد غضباً واسعاً في بريطانيا، فأيد رئيس الوزراء المنتهية ولايته كير ستارمر الدعوة إلى فتح تحقيق من جانب الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في الواقعة، وفي رد الحكومة أيضاً جاء "إن كأس العالم قد لا تكون بريطانية لكن جزر فوكلاند كذلك بالتأكيد"، فيما ذهب حزب "الليبراليين الديمقراطيين" بقيادة إد ديفي أبعد من ذلك، إذ راسل الاتحاد مطالباً بإيقاف اللاعبين الذين رفعوا اللافتة، معتبراً أن ما جرى إهانة لقدامى المحاربين البريطانيين وانتهاك مباشر لقواعد الحياد في الملاعب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المفاجأة التي حولت الواقعة الرياضية إلى مشكلة دبلوماسية جاءت من البيت الأبيض نفسه، إذ أعلنت إدارة ترمب دعمها حق اللاعبين الأرجنتينيين في الاحتجاج في شأن الجزر خلال مباريات كأس العالم، ورفضت الدعوات التي تقودها الحكومة البريطانية لمعاقبتهم، وقال منسق شؤون كأس العالم لدى الرئيس الأميركي أندرو جولياني إن المسألة تتعلق بحرية التعبير التي يكفلها التعديل الأول من الدستور الأميركي، في موقف قرأته لندن انحيازاً صريحاً إلى بوينس آيرس في قضية تمس سيادة أراضٍ بريطانية.
ولا يمكن فصل هذا الموقف الأميركي عن التقارب الوثيق بين ترمب والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وهو تقارب أعاد ملف الجزر إلى واجهة النقاش السياسي في الأرجنتين، وقد عبرت عنه بوضوح نائبة الرئيس الأرجنتيني فيكتوريا فياروويل، ابنة أحد قدامى محاربي حرب 1982، التي احتفت باللافتة وكتبت أن الجزر أرجنتينية وأن اللاعبين يحملونها في دمائهم وقلوبهم على رغم منع إدخالها إلى الملعب.
لم تكن قضية اللافتة سوى الحلقة الأحدث في مسار متوتر أصلاً بين ترمب وبيرنهام، فعندما سئل الرئيس الأميركي أواخر يونيو (حزيران) الماضي عما يعرفه عن رئيس وزراء بريطانيا المرتقب، أجاب باستخفاف بأنه "كان على ما يبدو عمدة إحدى البلدات، وسمع أنه ليبرالي متطرف"، مستنتجاً أنه لن يفتح بحر الشمال أمام التنقيب الموسع عن النفط والغاز كما ينصح ترمب لندن منذ أعوام. وحين سئل عما إذا كان يأمل أن تكون واشنطن من أولى محطات بيرنهام الخارجية، أجاب بالنفي، مضيفاً أن الرجلين ينتميان على الأرجح إلى قناعتين مختلفتين.
في المقابل، يحمل بيرنهام سجلاً طويلاً من الانتقادات العلنية لترمب يعود إلى انتخابه الأول عام 2016، إذ وصف خطابه حينها بالمقلق للغاية، ثم صعد لهجته في الأعوام الأخيرة، فشبه في 2025 حال عدم الاستقرار التي جلبها ترمب للولايات المتحدة والعالم بتلك التي جلبتها ليز تراس لبريطانيا، ووصف عدداً من قراراته ومنها مقاربته لحرب روسيا وأوكرانيا بأنها خارجة عن المألوف، وحذر خلال حملته الانتخابية الأخيرة من أن بريطانيا تسير إن لم تحترس، نحو سياسة أميركية الطابع مستقطبة ومسمومة، تفقد المجتمعات قدرتها على العمل المشترك، وانتقد المراحل الأولى من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي المشترك على إيران الذي قتل فيه المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، معتبراً أن فكرة إسقاط زعيم لتتوحد شعوب خلف التغيير مقاربة ساذجة.
ورث بيرنهام علاقة متوترة أصلاً بين داونينغ ستريت والبيت الأبيض، فعلى رغم النجاح النسبي الذي حققه ستارمر في إدارة الملف الأميركي، بما في ذلك استضافة زيارة دولة لترمب، فإن الأشهر الأخيرة من عهده شهدت فتوراً متصاعداً على خلفية تداعيات حرب إيران وانتقادات أميركية متكررة لسياسات لندن في الطاقة والهجرة والجريمة والسياسة الخارجية. ومن هنا جاءت نصيحة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تيريزا ماي للزعيم الجديد بالتركيز على المصالح المشتركة بين البلدين بدل الانزلاق لصدامات شخصية أو سياسية مع ترمب، مذكرة بأن العلاقات المؤسسية العابرة للأطلسي قادرة على امتصاص الخلافات بين القادة.
من المرجح أن يسعى بيرنهام على رغم سجله النقدي لترميم العلاقة مع واشنطن بحكم الضرورة، إما بالتزام الصمت حيال ترمب أو التركيز على المصالح المتبادلة، فالاعتماد البريطاني على الشراكة الأميركية في الأمن والاستخبارات والردع النووي وضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو) لا يترك لرئيس الحكومة الجديد ترف القطيعة مع واشنطن، كذلك فإن أولوياته الداخلية المعلنة، وعلى رأسها أزمة غلاء المعيشة ومواجهة صعود حزب "ريفورم"، تجعله في غنى عن معركة خارجية مفتوحة مع البيت الأبيض.
تتأرجح آفاق العلاقة بين واشنطن ولندن في عهد بيرنهام بين ثلاثة مسارات محتملة، أولها البراغماتية الباردة التي تحافظ على التعاون المؤسسي في الدفاع والتجارة والاستخبارات مع تجميد الود الشخصي بين الزعيمين، وهو المسار الأرجح في المدى القريب، وثانيها التصعيد المتقطع الذي تغذيه ملفات خلافية جاهزة للاشتعال، من قضية فوكلاند التي أظهرت استعداد واشنطن للوقوف في الضفة المقابلة للندن، إلى ملفات الطاقة وبحر الشمال والموقف من إيران وأوكرانيا، مروراً بالتحالف الوثيق بين ترمب وفاراج الخصم الداخلي الأول لبيرنهام، وثالثها وهو الأبعد احتمالاً، تحول العلاقة الخاصة إلى علاقة عادية تتعامل فيها لندن مع واشنطن كشريك بين شركاء، مع تعميق التقارب مع أوروبا.
بين هذه المسارات، ستكون قضية جزر فوكلاند مؤشراً مبكراً بالغ الدلالة، فإذا مضت إدارة ترمب في التعامل مع سيادة بريطانيا على الجزر باعتبارها مسألة قابلة للنقاش أو مادة لحرية التعبير، فإن ذلك سيضع بيرنهام أمام اختبار وطني لا يحتمل المهادنة، إذ لا يستطيع أي رئيس وزراء بريطاني، مهما كانت حساباته الأطلسية، أن يظهر ليناً في ملف خاضت بلاده حرباً من أجله وما زال حاضراً في وجدان البريطانيين. أما إذا اكتفت واشنطن بما صدر عنها في سياق كأس العالم وطوت الصفحة، فسيجد الرجلان على الأرجح صيغة تعايش عنوانها المصالح لا المودة، تحفظ للعلاقة الخاصة شكلها وإن أفرغتها من كثير من دفئها.