Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاستحقاق التشريعي بالمغرب... وعود انتخابية قد لا تتسع لها الموازنة

يرى مراقبون أن هامش تحقيق تلك الوعود موجود لكنه ليس مفتوحاً بلا حدود

مراقبون يتابعون سير العملية الانتخابية في أحد مراكز الاقتراع في الرباط، في 23 سبتمبر الحالي (أ ف ب)

ملخص

يطلق المرشحون للانتخابات والأحزاب التي تقف خلفهم عادةً وعوداً كبيرة للجمهور ويعدون بتحقيقها في حال منحهم الناخب ثقته، إلا أن لغة الأرقام قد تشي بعكس ذلك أو في الأقل بصعوبة تنفيذها كلها.

شهدت الحملة الانتخابية لتشريعيات عام 2026 في المغرب اتساعاً قياسياً في حجم الوعود التي قدمتها الأحزاب الـ27 المتنافسة على 395 مقعداً بالبرلمان، وبالنظر إلى بعض الإكراهات الداخلية والأزمات الدولية التي أسهمت مجتمعةً في ارتفاع نسبة البطالة، وتراجع القدرة الشرائية بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، تنافست الأحزاب في التركيز خلال حملاتها الانتخابية بالتعهد ببعض الحلول الاقتصادية والاجتماعية، حيث استخدم جانب مهم من تلك الأحزاب تقريباً الشعارات نفسها من قبيل زيادة الحد الأدنى للأجور، وإحداث مناصب شغل، وتحسين آلية الدعم الاجتماعي للأسر الفقيرة، وإصلاح القطاع الصحي... وفي واحدة من أغرب التعهدات، أكدت عمدة مدينة الدار البيضاء المرشحة في الانتخابات التشريعية المقبلة نبيلة الرميلي باسم حزب "التجمع الوطني للأحرار" أنها ستنشئ خدمة صحية تنتقل عند المريض بدل أن يذهب هو إلى المستشفى. وبصرف النظر عن جدية تلك المؤسسات السياسية في تعهداتها تلك، يُطرح التساؤل حول مدى تحمل المالية العمومية لتلك الوعود.

وكان المغرب شهد خلال الأعوام الأخيرة احتجاجات شعبية عدة، كان أبرزها تظاهرات "جيل زد" خلال عام 2025، التي طالبت بإصلاح مجالات الصحة والتعليم والتشغيل، وبضرورة اعتماد عدالة اجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ورفض الشباب الذين شاركوا في تلك التظاهرات توجيه الاستثمارات الكبيرة لمجال كرة القدم، مطالبين بصرفها في المجالات الأساسية، في حين بلغ معدل البطالة في صفوف الشباب بالمغرب (بين 15 و24 سنة) نحو 27.2 في المئة خلال الربع الثاني من عام 2026. وبلغ رصيد الدين العمومي المباشر 1145 مليار درهم (حوالى 126.5 مليار دولار أميركي) بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، فيما ارتفع مستوى العجز التجاري عام 2025 بنسبة 15.5 في المئة ليبلغ 352.3 مليار درهم (حوالى 36.8 مليار دولار أميركي)، ما يعادل 20.5 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي.

هل تسع الموازنة تلك الوعود؟

عرفت ولاية الحكومة الحالية (2021-2026) إكراهات اقتصادية عدة أسهمت في ارتفاع نسبة التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، حيث أدت موجة الجفاف إلى ارتفاع نسبة البطالة وبالخصوص في المجال القروي، حيث وصلت تلك النسبة إلى 13 في المئة. وأسهمت تداعيات جائحة كورونا في رفع حجم الأسعار إثر الخلل الذي شهدته سلاسل الإمداد. وزادت الحرب الروسية - الأوكرانية من تعقيد الأمور جراء تسببها في ارتفاع أسعار النفط، وعلى الأثر توجهت الحكومة إلى الاقتراض الخارجي لضمان استمرار معدل الإنفاق، من ناحيتها استغلت الأحزاب تلك الوضعية وأطلقت سيلاً من الوعود خلال الحملات الانتخابية، في حين يرى محللون أنها معقولة لكنها صعبة التطبيق بصورة إجمالية.

يوضح المتخصص في مجالي التخطيط والاقتصاد أمين سامي أن "الإحصاءات تظهر أن هامش تحقيق تلك الوعود الانتخابية موجود، لكنه ليس مفتوحاً بلا حدود، لذا تبلغ نفقات أجور الموظفين في موازنة العام الحالي 195 مليار درهم (حوالى 20 مليون دولار)، فيما يصل المبلغ المخصص للصحة والتعليم إلى نحو 140 مليار درهم (ما يفوق 14 مليون دولار). وبالتوازي مع مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي والورشات الكبرى، ارتفعت الإيرادات العادية بنحو 5.5 في المئة، لكن نفقات الموازنة العامة ارتفعت بـ10.4 في المئة. وبلغ العجز حوالى 56.9 مليار درهم (5.8 مليون دولار)، لذلك فإن إضافة التزامات دائمة جديدة، مثل زيادات أفقية في الأجور أو توسيع التحويلات والدعم، تحتاج بالضرورة إلى موارد دائمة تقابلها، وليس فقط إلى الاقتراض، لذلك، فمن الناحية الاقتصادية، ليست الوعود كلها متساوية، فالإنفاق الاستثماري الذي يرفع الإنتاجية يختلف عن النفقة الجارية الدائمة، وتوفير وظائف في القطاع الخاص يختلف جذرياً عن التوظيف المباشر من الموازنة، والدعم الموجه يختلف عن دعم الأسعار بصورة أفقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبه، أوضح رئيس "المركز المغربي للحكامة والتسيير" يوسف الكراوي الفلالي أن "التحدي أمام الأحزاب كبير باعتبار الطموح الواسع لتلك الوعود الانتخابية. وتلك الأحزاب لم تفسر مصادر الموارد التي من شأنها تغطية تلك البرامج المحتملة"، مشيراً إلى أن "تلك الوعود يمكن اعتبارها منطقية، إلا أنها غير قابلة للتنفيذ، نظراً إلى الوضعية الاقتصادية للبلاد، حيث المديونية المرتفعة، وورش الحماية الاجتماعية التي رُصدت لها موازنة كبيرة، إضافة إلى النفقات الهائلة الخاصة بتنظيم بطولة كأس العالم، لذا ستواجه الحكومة المقبلة إكراهات عدة مرتبطة بالتمويل، حيث أصبح اللجوء للمديونية خياراً محدوداً".

تحديات "حكومة المونديال"

يطلق على الحكومة المقبلة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية "حكومة المونديال" باعتبارها ستتولى الإشراف على مرحلة "السرعة النهائية" للمشاريع والبنى التحتية المرتبطة ببطولة كأس العالم التي ينظمها المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لذا ستكون أمام إكراهات مضاعفة، حيث تظل مطالبة بالإنفاق الاعتيادي إلى جانب الإنفاق المرتفع على تنظيم المونديال، إذ أكد المتخصص المغربي أمين سامي أن "التحدي أمام الحكومة المقبلة سيكون الانتقال من منطق الوعود إلى منطق البرمجة المالية، وتحديد كلفة كل إجراء، ومصدر تمويله، وعدد المستفيدين، وتاريخ دخوله حيز التنفيذ، وكلفته المتراكمة خلال خمسة أعوام، لذا يستطيع المغرب تمويل إصلاحات اجتماعية، وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام الحكومة المقبلة"، موضحاً أن الأعوام الممتدة من 2026 إلى 2030 ستكون أعوام ذروة في تنفيذ عدد كبير من المشاريع، وفي الوقت ذاته ستكون الدولة مطالبة بتمويل مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية، وربما تنفيذ جزء من الوعود المتعلقة بالأجور والتشغيل والدعم الاجتماعي".
وأوضح المتخصص أن "المشكلة لا تتمثل في عدم قدرة المغرب على تمويل وعود اجتماعية إضافية، وإنما في محدودية الهامش المالي لتنفيذ جميع الوعود في وقت واحد، لذا فالاستثمار في قطار أو مطار هو في جزء كبير منه نفقة رأسمالية لمرة واحدة تنتج أصلاً يُستعمل لعقود، بينما الزيادة في الأجور أو الدعم هي نفقة دائمة تتكرر كل عام، لذا السؤال الذي يجب طرحه ليس فقط كم سيكلف تنظيم كأس العالم في مطلع عام 2030؟ بل أيضاً ما العائد الاقتصادي لهذه الاستثمارات بعد ذلك العام؟"، مضيفاً أنه "إذا تحولت السكك والمطارات والطرق والنقل الحضري إلى إنتاجية أعلى وجذب سياحي أكبر واستثمارات خاصة ووظائف ومداخيل ضريبية إضافية، فإن جزءاً من الكلفة سيصبح استثماراً مولّداً للنمو. أما إذا لم تتحقق هذه المردودية، فقد تتحول فاتورة البناء اليوم إلى ضغط على المالية العمومية غداً".

ويخلص المتخصص المغربي إلى أنه "يجب عدم اختزال الاستثمارات المرتبطة بالبنيات التحتية في أفق كأس العالم 2030 باعتبارها إنفاقاً على تلك المناسبة فقط، فهناك برنامج سككي يناهز تمويله 10 ملايين دولار، وبرنامج للمطارات بنحو 4 ملايين دولار، وهي استثمارات موزعة على أعوام عدة وبمصادر تمويل عدة، ويمكن أن تستمر مردوديتها الاقتصادية بعد عام 2030 من خلال مجالات السياحة واللوجيستيات والتنقل وجاذبية الاستثمار"، موضحاً أنه "لكل ذلك، فإن معادلة الحكومة المقبلة ستكون دقيقة جداً، مرتبطة بكيفية المحافظة على زخم استثمارات عام 2030، وفي الوقت ذاته توفر مساحة مالية للوعود الاجتماعية، دون رفع العجز والمديونية بصورة تهدد الاستدامة المالية، وهذا يقتضي ترتيب الوعود زمنياً، وربط كل وعد بمصدر تمويل واضح، والأهم في ذلك، قياس العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل درهم من الإنفاق العمومي".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات