Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"باتمان - حلوان" تستعين بالكوميكس لترسم مدينة تنهار

طارق إمام يعتمد معارضة سردية افتراضية تتخطى العالم الواقعي

فن الكوميكس المصري بريشة حنان الكرارجي (صفحة الرسامة - فيسبوك)

ملخص

تعكس رواية "باتمان - حلوان" (تكوين - ديوان) فلسفة ما بعد الحداثة، واختار كاتبها طارق إمام، مع سبق الإصرار والترصد، معارضة نسق الرواية الكلاسيكية باستثناء الحجم الضخم لأنها تقع في 600 صفحة.

بحسب ليوتار، تبدو مهمة المثقفين هي "المقاومة" حتى في وجه "الإجماع"، ومن هذا المنطلق تتكئ رواية "باتمان - حلوان" للمصري طارق إمام، على واقعة حقيقية وعبثية تتعلق باعتقال مجموعة من الأشخاص في ضاحية حلوان جنوب القاهرة، دعوا للتنكر في زي باتمان، على وسائل التواصل الاجتماعي. وتفيد المعلومة: "اعتقلت السلطات المصرية أشخاصاً، قالت إنهم منظمو حدث افتراضي على الشبكات الاجتماعية يحمل اسم "معركة حلوان - باتمان الحقيقي" ص9.

هذه الدعوة الهزلية والغرائبية التي أثارت قلق السلطة هي بمثابة مقاومة مبتكرة ضدها، وفي الوقت نفسه تنتمي إلى العالم الافتراضي وهوس الترند، أكثر من انتمائها إلى الواقع الحي.

مقاومة مبتكرة

باتمان نفسه بقناعه وزيه الأسود، هو رمز لمقاومة الظلم وفساد "المدينة"، ومثل أعلى لكل الحالمين باليوتوبيا. فالرواية في نقطة انطلاقها وشخصيتها المحورية، هي سردية صريحة ومضمرة لفعل المقاومة.

لكنها ليست مثل المقاومة التقليدية في النصوص الكلاسيكية، بالمنطق الجاهز للخير والشر، بل تؤسس مساراً مركباً، بدءاً من حدث واقعي وغرائبي في آنٍ. ولا تعالج الواقع في حضوره المباشر وإنما كانعكاس عبر العالم الافتراضي والتخييلي.

فالرواية كسردية مقاومة تحفز الحبكة وتدفعها للأمام عبر ازدواجية صارمة، يعيد الكاتب تضفيرها إلى ما لا نهاية. فحكاية باتمان نفسها هي قناع موازٍ لشخص ثري يحمل اسماً مختلفاً، وفي الرواية يصبح باتمان ظلاً لشخص آخر يدعى "جو". وهكذا بقية الشخصيات تحضر مزدوجة، مثلما ترسخ العنونة والبنية واللغة في الفصول الازدواجية ذاتها، ومنها عنوان الحلقة الأولى "الزمن الخارجي والزمن الداخلي". والحلقة الثانية" اللغة الخارجية واللغة الداخلية": "كانت حدود جسد جو، منذ أن أوى باتمان في داخله، قد تحولت إلى حدود مدينة، حلوان موازية، ظل يقمع تمددها" ص25. فالعالم كله غارق في الازدواجية والمفارقة ولعبة الضوء والظل، والمعلن والمخفي، والحضور الخارجي والداخلي. حتى المواطن العادي يخفي بطلاً سرياً يحقق له كل ما يعجز عن تحقيقه في الواقع، وينتقم بالنيابة عنه من كل الأشرار.

تغريب الواقع

لا ينكر طارق إمام الواقع كلياً وإنما ينطلق منه، ويعاود الإشارة إليه كلما لزم الأمر، فيحكي عن مترو الأنفاق وشوارع ومصانع بعينها، وشواهد مما جرى في مصر بعد ثورة يناير.

لكن استعادة هذا الواقع القريب لا تنطلق من المحاكاة، كما في الرواية الكلاسيكية، وإنما من التغريب والتشويه والتلاعب. فنص الواقع مفتت ومشوه وتهكمي، وذائب في تخييل هائل: "عندما اقترب من الخفير، أمكنه أن يميز تحت طلاء القناع وجه الحارس القديم نفسه الذي أبعده يوماً ما، ويبعده الآن، بتهديد مريع: جوكر حلوان الحقيقي" ص 470.

فالكاتب لا يستعيد حكاية تنتمي إلى واقع مباشر، وإن انطلق منها، ولا ينظر إلى الرواية كفوتوغرافيا تسجن الواقع في صور أيقونية مطابقة له. ولا يعيد تأسيس العلاقات بين الأشخاص، وفق منطق السببية المتعارف عليه، لأن الرواية - في مفهومها ما بعد الحداثي - لا تجتر الواقع ولا تعيد تركيبه كما هو، ولا تحاكيه، وإنما توظفه في نص تخييلي لا يحاكي إلا ذاته. حتى الزمن ليس واقعياً، بل هو مستعار من المستقبل القريب (عام 2032).

مثلما لا تتمسك الرواية بالزمن المنطقي والمُستعاد وتضع بدلاً منه زمناً افتراضياً مستقبلياً، فإنها لا تتكئ على ضاحية حلوان، كفضاء تقليدي، وإنما تتحول إلى استعارة محلية لمدينة غوثام الخيالية التي عاش فيها باتمان. ومن ثم يقطع النص علاقته بالواقع وزمكانيته التقليدية، على رغم استثماره في ملامحه العامة. وتكرس الرواية لنفسها منطقها التخييلي الخاص، وزمكانية تخصها وحدها، تستفيد نسبياً من واقع غائم ومثقل بالخيبات، وتمتد الاستعارة لتشمل بقية شخصيات القصة الشهيرة لفارس الظلام مثل المرأة القطة والجوكر. فالرواية كلها فضاءً وأحداثاً وشخصيات تعد بناءً استعارياً، يضع قدماً في الواقع المصري الآني وقدماً في خيال الكوميكس، ليحذر من فساد المدينة وتحلل قيمها وانهيار معناها.

مملكة الكوميكس

يُستعاد الواقع المصري الآني بعد تغريبه ونزع الألفة عنه، ليصبح مرجعية مضمرة محكومة بجماليات أو تقاليد الكوميكس الذي يحضر في فصول مستقلة خاصة، وهي آلية فريدة لا مثيل لها في الرواية العربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحكم الاستلهام المباشر لعالم باتمان ومدينته وشخصياته وقوانينه الخاصة، فإنها تنتمي إلى ثقافة الصورة لا الكلمة، وتستعرض واقعاً متشظياً في مرآة الكوميكس، ومصحوباً بسيناريو بصري يتناص مع جهد توثيقي يخص الواقع مثلما يستحضر أبجديات الكوميكس برسوم مازن محمد.

إن باتمان وسوبرمان وسبايدر مان، هم أشهر شخصيات القصص المصورة في القرن الـ20، وتحولوا كلهم إلى سلاسل سينمائية ناجحة، إذ يشتركون جميعاً في الدفاع عن قيم المدينة ضد فسادها وإفسادها. وهم - بطريقة ما - ورثة روبن هود البطل الغربي الشعبي والذي يقابل - مثلاً - علي الزيبق في الثقافة الشعبية المصرية. لكن حيل الأبطال الشعبيين في القرن الـ20 امتلكت قوى خارقة، وسحراً غامضاً، ووظفت العلم والتكنولوجيا كما في حالة باتمان.

أي إن الكوميكس في جوهره يعتمد على الموروث، بما في ذلك الحكاية الشعبية، وهو نفسه أصبح الثقافية الشعبية العالمية الآن، ومن خلاله بالإمكان السخرية من المدينة وفضح فسادها وتشريح ادعاءاتها الكبرى، وهذه المسألة تعد جوهر ما بعد الحداثة.

سمات ما بعد الحداثة

لا شك أن رواية "باتمان - حلوان" بحجمها الضخم قابلة للتأويل وتعدد القراءات. ولكن يفيد مسار التحليل الأساس بأنها نموذج مثالي لرواية ما بعد الحداثة، كسردية مقاومة مضمرة. ومن عناصرها: فضح السلطة والادعاءات والسرديات الكبرى، واستلهام الموروث الشعبي، واستعارة عالم الكوميكس، وتغريب الواقع ونزع الألفة عنه، إضافة إلى محاكاة النص لذاته وليس للواقع، واستعارة المستقبل كمرآة ساخرة من الحاضر، والتشظي والتجريب، وتعدد الأصوات على رغم هيمنة الراوي العليم. وكذلك الميتا سرد أي بناء حكاية على حكاية، والازدواج، والمحاكاة الساخرة، والكولاج أو التهجين الذي يستعير من أجناس أدبية وفنية متنوعة منها "ألف ليلة وليلة".

لكن كل سمات ما بعد الحداثة التي تميز "باتمان - حلوان" هي ذاتها قد تفتح أبواباً لأسئلة لا تنتهي. فاستعارة قصة غربية قد لا تكون جذابة بما يكفي لقارئ عربي، عدا عن تكرار الاتكاء عليها في الأفلام والسلاسل المصورة. تُرى ما الجديد الذي يضيفه طارق إمام؟ وإذا كان الكوميكس ضروة جمالية مبتكرة للنص، وهو بطبعه يعتمد على حوارت مكثفة جداً، فما الداعي إلى ضخامة الحجم وتلك العمارة اللغوية الهائلة في تركيب الجمل والتأملات والوصف والتخييل؟ ولعل مزايا الرواية وما تثيره من تساؤلات، ستقسم جمهور التلقي إلى فريقين متعارضين، ما بين معجب حد الانبهار، وآخر لا ينسجم معها ولا يجد نفسه فيها.

 وإذا كانت "باتمان - حلوان" انطلقت من مزحة سوداء وحقيقية، فإنها ذاتها أصبحت مزحة سردية ضخمة تسخر من واقع لا يكف عن إنتاج العبث.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة