Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تحدث معي لا مع مرافقي"... هكذا يعيش الصم في لبنان

في اليوم العالمي للغة الإشارة تبحث هذه الفئة عن من يسمعها بلغتها

داخل لبنان، تتجاوز الحكاية لغة الإشارة نفسها إلى تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم والعمل إلى التنقل والعلاج وإنجاز المعاملات (اندبندنت عربية)

ملخص

في اليوم الدولي للغات الإشارة، يروي صم في لبنان تفاصيل حياتهم اليومية، من التعليم والعمل إلى التنقل والعلاج، والتحديات التي يواجهونها في التواصل والاستقلالية، وسط دعوات إلى تغيير نظرة المجتمع وتوفير فرص أكثر مساواة.

في الـ23 من سبتمبر (أيلول) من كل عام يحتفل العالم باليوم الدولي للغات الإشارة، في مناسبة تسلط الضوء على لغة تشكل بالنسبة إلى كثير من الصم وسيلتهم الأساس للتواصل والتعبير.

وداخل لبنان، تتجاوز الحكاية لغة الإشارة نفسها إلى تفاصيل الحياة اليومية، من التعليم والعمل إلى التنقل والعلاج وإنجاز المعاملات. تفاصيل تكشف عن أن التحدي لا يكمن دائماً في فقدان السمع، بل في مدى استعداد المجتمع للتواصل مع الصم ومنحهم الفرصة للعيش باستقلالية.

"تحدث معي... لا مع من يرافقني"

لا يحتاج بيار دائماً إلى من يتحدث نيابة عنه. عندما لا يفهمه شخص ما، يمكنه أن يكتب على هاتفه، أو أن يجد معه وسيلة أخرى للتواصل. لكن ما يزعجه هو أن يكون حاضراً في ما يدور الحديث عنه مع شخص آخر.

يقول بلغة الإشارة إن "المزعج أنني أكون موجوداً أمام الشخص، لكنه يتحدث مع من يرافقني ويسأله عما أريده بدلاً من أن يسألني أنا".

في يوميات بيار، قد تختصر لحظة كهذه جانباً من تجربة يعيشها كثير من الصم. فالعائق لا يكون دائماً في غياب وسيلة للتواصل، بل في افتراض أن التواصل غير ممكن من الأساس. ويضيف "المهم أن يحاول الشخص التواصل معي أولاً. نستطيع أن نكتب على الهاتف أو نجد طريقة أخرى".

فرصة قبل الحكم

تواجه رنا المسألة من باب آخر. بالنسبة إليها، يظهر التحدي عندما تبحث عن عمل، إذ قد يسبق فقدان السمع الحديث عن خبرتها وما تستطيع القيام به. وتوضح بلغة الإشارة أن "المشكلة تبدأ أحياناً قبل أن يعرف صاحب العمل ما أستطيع القيام به. عندما يعرف أنني صماء، يفكر أولاً في كيفية التواصل معي قبل أن يسأل عن خبرتي وقدراتي".

لا تطلب رنا معاملة مختلفة، بل فرصة متساوية. وتقول إن "ما أريده هو أن ينظر صاحب العمل إلى عملي وقدراتي، وأن أحصل على الفرصة نفسها التي يحصل عليها الآخرون".

هذه النظرة لا تظهر في سوق العمل وحدها. فالأب شارلي ناكوز، مرشد الصم في لبنان، يرى أن جزءاً أساساً من المشكلة يبدأ من الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى أصحاب الهمم. ويقول إن "المشكلة أننا لا نزال نرى أشخاصاً يعدون أن الشخص من أصحاب الهمم هو في مستوى أدنى أو أقل من غيره".

ويرى ناكوز أن المطلوب هو الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها الشخص من ذوي الحاجات الخاصة أن "يعيش حياة كريمة مثل غيره، مختصراً الفارق بين الشخص الأصم وغيره بالقول "هو يسمع... وهو لا يسمع".

لكن هذا الفارق لا يفترض، بالنسبة إليه، أن يتحول إلى فرص أقل في التعليم أو العمل أو الحياة الاجتماعية، أو أن يجعل الشخص أقل قدرة على اتخاذ قراراته والاعتماد على نفسه.

من السنوات الأولى تبدأ الحكاية

قبل الوصول إلى سوق العمل، تبدأ رحلة أخرى في الطفولة.

قد يجلس طفل أصم إلى جانب طفل سامع في الصف نفسه، ويحمل الاثنان الكتاب نفسه، لكن وجودهما في المكان نفسه لا يعني بالضرورة أن المعلومة تصل إليهما بالطريقة نفسها.

وتقول نادين إسماعيل، التي تقود حملات المناصرة في مركز التعلم للصم في لبنان، إن "من أهم الأمور الكشف المبكر والتدخل المبكر"، لأن بناء اللغة والقدرة على التواصل يبدأ منذ السنوات الأولى.

وتوضح أن "السنة الأولى مهمة جداً، والسنوات الثلاث الأولى أساس في بناء اللغة والتواصل".

لذلك، لا تبدأ قضية تعليم الطفل الأصم عند باب المدرسة، بل قبل ذلك. فالتأخر في الكشف وتشخيص الحالة أو في توفير وسائل التواصل المناسبة يمكن أن ينعكس لاحقاً على مساره التعليمي.

وتقول إسماعيل إن المستوى التعليمي لدى الصم في لبنان "يتحسن، لكن لا تزال هناك نواقص كثيرة".

وترى أن وجود الطفل الأصم داخل مدرسة دامجة لا يكفي وحده، موضحة أن "الدمج لا يعني فقط أن نضع الطفل الأصم داخل صف مع أطفال سامعين. يجب أن يستطيع فهم ما يجري، وأن تصل إليه المعلومة، وأن تتوافر له الوسائل التي تسمح له بالتواصل والمشاركة"، فالجلوس في الصف شيء، والقدرة على التعلم والمشاركة فيه شيء آخر.

لماذا يولد بعض الأطفال صماً؟

لا تبدأ قصة فقدان السمع دائماً بعد الولادة، إذ يمكن أن يولد الطفل أصم أو مصاباً بدرجات متفاوتة من ضعف السمع نتيجة عوامل متعددة، بعضها وراثي وبعضها الآخر يرتبط بفترة الحمل أو الولادة، فيما تبقى أسباب بعض الحالات غير معروفة.

وتعد العوامل الجينية من الأسباب المهمة لفقدان السمع الخلقي، وقد تظهر حتى لدى طفل ولد لأبوين سامعين، إذ يمكن أن يحمل الأب والأم تغيرات جينية من دون أن يعاني أي منهما ضعفاً في السمع. وفي حالات أخرى، قد يرتبط فقدان السمع بمتلازمات وراثية أو بتاريخ عائلي.

ويمكن لبعض الالتهابات التي تصيب الأم أثناء الحمل، وفق تقارير طبية، مثل الفيروس المضخم للخلايا والحصبة الألمانية، أن تؤثر في سمع الجنين. وقد يرتبط فقدان السمع أيضاً بمضاعفات تحدث حول الولادة، بينها الولادة المبكرة جداً، أو نقص الأوكسجين، أو اليرقان الشديد، إضافة إلى بعض الأدوية التي يمكن أن تؤثر في الأذن الداخلية في ظروف معينة.

ولا يولد جميع الأطفال الصم كذلك، إذ يمكن أن يحدث فقدان السمع لاحقاً نتيجة التهابات وأمراض معينة أو التعرض لأصوات شديدة أو إصابات وأسباب أخرى.

وأياً يكن السبب، تكمن أهمية السنوات الأولى في اكتشاف فقدان السمع في أقرب وقت ممكن، لأن المسألة لا تتعلق بالسمع وحده، بل بإتاحة وسيلة تواصل ولغة للطفل منذ وقت مبكر، سواء عبر لغة الإشارة أو وسائل وتقنيات سمعية مناسبة وفق حالته وحاجاته، بما يساعده على بناء قدراته اللغوية والتواصلية والتعليمية منذ طفولته الأولى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يوم عادي... باستقلالية

الشاب كريم، يبدأ قصته من تفاصيل يوم يريد أن يعيشه بنفسه.

ويشرح بلغة الإشارة أن "الاستقلالية تعني أن أذهب إلى عملي وحدي، وأن أقود سيارتي، وأذهب إلى الطبيب، وأنجز معاملاتي من دون أن أحتاج في كل مرة إلى شخص يرافقني فقط ليساعدني على التواصل".

بالنسبة إلى كثر، قد تكون قيادة السيارة أو زيارة الطبيب أو إنجاز معاملة أموراً عادية لا تحتاج إلى التفكير. أما بالنسبة إلى كريم، فترتبط هذه التفاصيل بسؤال أكبر، إلى أي مدى يستطيع أن يدير حياته من دون أن يفرض عليه غياب وسائل التواصل الاعتماد على شخص آخر؟

ويقول إن "هذه أمور يقوم بها الآخرون بأنفسهم، ونحن أيضاً نريد أن نقوم بها بأنفسنا".

وهنا تتوقف نادين إسماعيل عند قيادة السيارة باعتبارها أحد الأمثلة المرتبطة بالاستقلالية، وتقول إنه "لا يوجد ما يرتبط بفقدان السمع بحد ذاته ويفرض عدم قدرة الشخص على القيادة"، وترى أن المطلوب هو تسهيل الإجراءات ووسائل التواصل عند الحاجة، بدلاً من الانطلاق من افتراض أن الشخص الأصم غير قادر.

والأمر نفسه يظهر عند الطبيب أو في الإدارات والأماكن التي تعتمد بصورة أساس على الحديث والاستماع. ففي كل مرة تغيب فيها وسيلة أخرى للتواصل، قد يصبح الشخص الأصم مضطراً إلى الاستعانة بمرافق حتى في أمور يستطيع إنجازها بنفسه.

حين يتحدث الآخرون عنه

هنا تلتقي تجربة كريم مع ما يرويه بيار. تتوقف نادين إسماعيل عند موقف يتكرر عندما يكون الشخص الأصم برفقة شخص سامع، فيتجه الآخرون تلقائياً إلى المرافق ويتحدثون معه بدلاً من مخاطبة الشخص المعني، وتقول إن "المطلوب أن يكون التواصل بأكبر قدر ممكن مع الشخص الأصم نفسه".

فوجود شخص سامع أو مترجم إلى جانبه لا يعني أن يصبح هو المخاطب. الشخص الأصم هو من جاء إلى الطبيب، أو يريد إنجاز المعاملة، أو يتقدم إلى الوظيفة، بالتالي يجب أن يبقى هو طرف الحديث الأساس.

ولا تعني صعوبة التواصل في بعض المواقف أن جميع الصم يتواصلون بالطريقة نفسها، وتشرح إسماعيل أن "هناك أشخاصاً صماً يعتمدون لغة الإشارة لغة أساس، وهناك من يتحدثون، وهناك من يستخدمون الكلام ولغة الإشارة معاً"، فيما يعتمد بعض ضعاف السمع بصورة أكبر على الكلام والاستماع والوسائل السمعية المساعدة.

لذلك، قد يكون السؤال عن الطريقة التي يفضل الشخص التواصل بها أهم من افتراض أنه لا يستطيع التواصل.

أكثر من 70 مليون أصم حول العالم

وفقاً للاتحاد العالمي للصم، يعيش في العالم أكثر من 70 مليون شخص أصم، أكثر من 80 في المئة منهم في الدول النامية، ويستخدمون مجتمعين أكثر من 300 لغة إشارة مختلفة، بحسب بيانات الأمم المتحدة.

أما إذا توسعت الدائرة لتشمل مختلف درجات فقدان السمع، فتقدر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 1.5 مليار شخص حول العالم يعانون درجة ما من فقدان السمع، بينهم 430 مليوناً يحتاجون إلى خدمات تأهيل بسبب فقدان السمع المسبب للإعاقة. وتتوقع المنظمة أن يتجاوز العدد الأخير 700 مليون شخص بحلول عام 2050.

لغة الإشارة ليست عالمية

ثمة اعتقاد آخر تواجهه إسماعيل، وهو أن لغة الإشارة واحدة في جميع أنحاء العالم.

وتقول إن "الناس يعتقدون أن لغة الإشارة عالمية، لكنها ليست كذلك. هي لغة إشارة وطنية، وفي لبنان لدينا لغة إشارة لبنانية"، موضحة أن "اللغة تنشأ من المجتمعات، ولغة الإشارة تنشأ من مجتمعات الصم"، ولذلك يمكن أن توجد اختلافات في بعض الإشارات بين المناطق والمدارس.

ويعمل مركز التعلم للصم على تعليم لغة الإشارة للأهالي والمهتمين، وكذلك لأشخاص صم لم تُتح لهم فرصة تعلمها في سن مبكرة، إضافة إلى المساعدة في توفير مترجمين عند الحاجة. فيما ترى إسماعيل أن تقليص المسافة بين الصم وبقية المجتمع يمكن أن يبدأ أيضاً من المدرسة، من خلال تعريف الطلاب بلغة الإشارة وبوجود مجتمع للصم لديه لغته الخاصة.

وتختم "المطلوب ليس بالضرورة أن يتقن جميع الطلاب لغة الإشارة، بل أن يعرفوا أن هناك مجتمعاً للصم لديه لغته وطريقة تواصله".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات