Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إسقاط الخصم المشترك"... خصوم الأمس يتحالفون ضد الحكومة الإثيوبية

يمثل الإعلان خطوة أولى نحو إعادة تشكيل خريطة الصراع الداخلي في أديس أبابا

البعض يرى أن انتقال هذا التحالف من الإعلان السياسي إلى التنسيق الميداني قد يقود إثيوبيا إلى فصل جديد من الاقتتال الأهلي (أ ف ب)

ملخص

الاصطفاف الذي أعلن عنه الأحد الماضي يعد عابراً للأقاليم والهويات الإثيوبية، مما قد يشكل تحدياً غير مسبوق للإدارة الحاكمة في أديس أبابا.

أعلنت سبع قوى إثيوبية، في بيان صادر الأحد الماضي، تأسيس ائتلاف سياسي معارض أطلقت عليه "تعاون القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء"، الذي ضم كلاً من "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" و"الحركة القومية للأمهرة" (فانو)، و"جيش تحرير أورومو"، و"جبهة تحرير شعب أوجادين"، و"الجبهة الثورية للوحدة الوطنية للعفر"، و"حركة تحرير شعوب بني شنقول"، و"الحركة الديمقراطية لشعوب جوموز".

وأثار الإعلان جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الإثيوبية، وبخاصة وأن الأطراف الموقعة تضم أحزاباً وحركات مسلحة تمثل أغلب مناطق إثيوبيا باستثناء منطقة الجنوب.

ويرى مراقبون أن أهمية الإعلان لا تكمن في اتساع رقعة الأطراف المتحالفة ضد الحزب الحاكم في إثيوبيا فحسب، بل لأن الاصطفاف الذي أعلن عنه الأحد الماضي، يعد عابراً للأقاليم والهويات الإثيوبية، مما قد يشكل تحدياً غير مسبوق للإدارة الحاكمة في أديس أبابا. إلا أن محللين آخرين يقللون من حجم التأثير الذي يمكن أن يحدثه هذا التحالف، مشيرين إلى أن بين القوى المتحالفة خلافات سياسية وتاريخية مؤجلة، وأن التحالف الحالي قائم على قاعدة إسقاط الخصم المشترك.

من جهة أخرى، يُلاحظ أن التحالف الأخير، وعلى خلاف معظم التحالفات السابقة، أعلن من داخل إثيوبيا وليس من عواصم لها أدوار في الشأن الإثيوبي، كما أن جزءاً من هذه القوى ظل متحالفاً مع النظام وبعضها كان جزءاً من الدولة طيلة ثلاثة عقود، مما يعزز من فرص تأثيره على النظام الحاكم، وبخاصة أن "جيش تحرير أورومو" يعد جزءاً منه، الذي له تأثير وانتشار في إقليم أوروميا الذي يمثل الحاضنة السياسية الأساسية للحزب الحاكم.

ويرى مراقبون أن أهمية الإعلان عن التحالف تكمن في محاولة الانتقال من اتصالات وتفاهمات متفرقة بين قوى متعارضة ومتحاربة في ما بينها تاريخياً إلى صيغة تعاون معلنة، بهدف التنسيق للوصول إلى مرحلة انتقالية جديدة بعد إسقاط الحكومة القائمة، وإطلاق حوار وطني شامل حول معظم القضايا الخلافية، بما في ذلك الدستور الفيدرالي ونظام الحكم وغيرها من القضايا، كما نص البيان الأول للتحالف المعارض.

ولم تصدر الحكومة الإثيوبية أي رد رسمي على حدث تشكيل تحالف معارض ضدها، حتى الآن، وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن أديس أبابا رفضت الإجابة على طلبها للتعليق على تشكل "تحالف القوى الشعبية من أجل البقاء"، إلا أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد كان قد صرح أمام البرلمان في السابع من يوليو (تموز) الماضي، رداً على سؤال لأحد النواب عن احتمال تشكيل تحالف يضم كلاً من إريتريا والسودان إلى جانب قوى إثيوبية معارضة، بالقول: "ليست لدينا ذرة خوف على سيادة إثيوبيا من إريتريا و’جبهة تحرير شعب تيغراي‘ والسودان، حتى لو انضم إليهم آخرون... نحن أقوياء بما يكفي".

إعادة تشكيل خريطة الصراع

من جهته، يرى المحلل السياسي التيغراوي محاري سلمون، أنه على رغم أن أديس أبابا ظلت تعلن وجود اتصالات وتفاهمات بين هذه القوى، وتتهم إريتريا بالتنسيق من أجل تشكيل مظلة تضم معظم قوى المعارضة الإثيوبية، فإن الإعلان الرسمي عن "تحالف القوى الشعبية من أجل البقاء" مثل مفاجأة في الأوساط السياسية الإثيوبية، خصوصاً أنه ضم قوى سياسية وعسكرية ظلت تحمل أجندات متعارضة، وأنها حاربت أيضاً في عديد من المحطات ضد بعضها البعض، كما هي الحال بالنسبة لـ"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" و"جبهة الفانو" (في حرب تيغراي الأخيرة 2020-2022).

وأضاف أن حركة "الفانو" التي تنتمي إلى قومية الأمهرة تعد خصماً تاريخياً لـ"جيش تحرير الأورومو"، ومن ثم فإن اصطفاف كل هذه القوى المتعارضة في مظلة سياسية واحدة، لا شك أنه يمثل تحدياً جديداً وغير مسبوق لإدارة رئيس الوزراء آبي أحمد.

ويقرأ أن الإعلان يمثل خطوة أولى نحو إعادة تشكيل خريطة الصراع الداخلي في إثيوبيا، سواء لجهة الأجندة السياسية التي أعلن عنها التحالف، أو على مستوى الاندماج الميداني، وبخاصة أن الانتشار الجغرافي لهذه القوى يغطي معظم أقاليم إثيوبيا، باستثناء منطقة الجنوب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحالف نوعي

ويوضح سلمون أن ما يجعل هذا التحالف تطوراً نوعياً في تاريخ الصراع بين الدولة الإثيوبية ومعارضيها، يكمن في أن أحد أطرافه (حزب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي) كان جزءاً من الدولة لنحو ثلاثة عقود، ويتمتع بعلاقات دولية واسعة وبتحالفات إقليمية اكتسبها خلال فترة بقائه على رأس السلطة المركزية في أديس أبابا.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يشير سلمون إلى عامل تاريخي يصفه بـ"المهم" والمتمثل في أن قوميتي الأمهرة والتيغراي ظلتا على رأس على السلطة خلال القرنين الماضيين على أقل تقدير، وتمثل خلفيتهما المركزية الثقافية والدينية للدولة الإثيوبية الحديثة التي تأسست على يد الإمبراطور منيليك الثاني في عام 1896، إذ يمثل المذهب الأرثوذكسي واللغة الأمهرية الركيزتين الأساسيتين لممارسة السلطة السياسية في البلاد لأكثر من قرنٍ ونيف، وهما ركيزتان مرتبطتان بالأساس بكل من التيغراي والأمهرة، الأولى لجهة استضافتها لكنيسة "مريم صهيون" في مدينة إكسوم بتيغراي، التي تعد المرجعية الدينية للحكم، والثانية كونها مرجعية ثقافية لدواوين الحكم من حيث اللغة والعرف والثقافة.

دعم إقليمي

ويرى المحلل السياسي المتخصص في الشأن التيغراوي، أن انتقال هذا التحالف من الإعلان السياسي إلى التنسيق الميداني قد يقود البلاد إلى فصل جديد من الاقتتال الأهلي، ما لم تنجح حكومة آبي أحمد في إبطال مفعوله من خلال إطلاق مبادرات سياسية لرأب الصدع، والتجاوب مع المطالب الأساسية لهذه القوى، مضيفاً أن ثمة فرصاً مواتية لحصول للتحالف الجديد على دعم إقليمي، وبخاصة من جهة إريتريا، التي سبق أن أعلنت عما يسمى "مسار تسيمدو" الذي يضم ناشطين من إريتريا وكل من إثيوبيا والسودان.

ويضيف أن نجاح تحالف هذه القوى في تنسيق عمليات عسكرية مشتركة من شأنه أن يعزز من فرص تدخل كل من السودان وإريتريا، في الأقل على مستوى ضمان سلاسل الإمداد والدعم، مما قد يشكل تحدياً يهدد بقاء حكومة أديس أبابا.

ويكشف أن "حكومة آبي أحمد وبدلاً من التقارب مع القوى المعارضة، ظلت تتبع مساراً تصعيدياً ضد أسمرة، من خلال استضافة ورعاية حركات إريترية مسلحة وأخرى سياسة أعلنت تبنيها العمل المسلح ضد حكومة أسياس أفورقي، انطلاقاً من أديس أبابا وإقليم العفر الإثيوبي"، مضيفاً "أن التطور الجديد الذي كشفت عنه القوى الإثيوبية المعارضة ينبغي أن يمثل جرس إنذار لأديس أبابا لتبني مسار مختلف، وبخاصة أن الحركات الإريترية المعارضة لا تمثل حتى الآن تهديداً حقيقياً لحكومة أسمرة، مما يتطلب إعادة تقييم جدوى المسار السابق وتحديد الأولويات".

تحالف تقاطع المصالح

بدوره، يصف المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون، التحالف الجديد بين القوى الإثيوبية المعارضة، بأنه "تحالف مرحلي بطابع تكتيكي، فرضته حالة تقاطع المصالح بين هذه القوى"، لافتاً إلى أن بين هذه القوى تناقضات سياسية جوهرية، وحروب مباشرة خاضتها ضد بعضها البعض خلال العقود الخمسة الماضية، ويرى غيداون أن البيان التأسيسي للتحالف الجديد "ضبابي وغير واضح"، مضيفاً أنه من الواضح أن ما يجمع هذه القوى هو معاداة النظام الحاكم في أديس أبابا، والسعي إلى إسقاطه، وليس ثمة شيء آخر، مشيراً إلى غياب برنامج سياسي حقيقي للتحالف الوليد.

ويرى المحلل الإثيوبي أن البيان التأسيسي لا يحدد خطوطاً واضحة للهيكل القيادي، كذلك لا يتضمن آليات توزيع السلطة بين مكوناته.

ويشير غيدوان إلى بيان منسوب لقيادة "جيش تحرير شعب الأورومو" وصف التحالف "بتوافق مرحلي"، وأكد أنه لم يمنح أياً من المشاركين في لقاءات التحالف باسمه "تفويضاً للتفاوض على القضايا السياسية الجوهرية للشعب الإثيوبي". ويقرأ هذا البيان على أنه مؤشر مهم إلى حجم الخلافات القائمة، لكون التحالف لم يتأسس وفقاً لبرنامج سياسي توافقي بل إنه آلية مرحلية لإدارة الصراع، مما ينذر بإمكانية تفككه عند الدخول بمرحلة التفاوض حول رؤية كل طرف لأسباب الخلاف مع النظام وسبل حلها، فضلاً عن رؤيته للمرحلة الانتقالية التي يبشر بها بيان التحالف.

ويُقدر المحلل الإثيوبي أن حجم التناقض السياسي بين مكونات التحالف الجديد، أكثر بكثير من تناقض بعضها مع حزب "الازدهار" الحاكم في أديس أبابا، مشيراً إلى أن "جيش تحرير شعب الأورومو" أجرى ثلاث جولات حوار مع حكومة آبي أحمد في تنزانيا، مما يعني أن ثمة أرضية سياسية للتحاور في حال تفعيل المفاوضات من جديد، في حين أن تناقضاته مع "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" عميقة وجوهرية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير