ملخص
تظهر البيانات الرسمية أيضاً أن الاستهلاك النهائي للأسر انخفض بنسبة أربعة في المئة خلال ربيع 2026، في مؤشر واضح إلى أن ملايين الأسر لم تعد قادرة على شراء سلع وخدمات كانت، حتى قبل أعوام قليلة، جزءاً اعتيادياً من حياتها اليومية.
أدى الارتفاع في سعر الدولار مجدداً، في اليوم الأخير من الصيف، إلى 236 ألفاً و100 تومان، إلى فرض ضغوط جديدة على حياة ملايين الإيرانيين من أصحاب الرواتب، في تطور يشير إلى استمرار انعدام الثقة بالريال وبداية موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات خلال الخريف.
وتزامنت هذه القفزة مع صدور بيانات تشير إلى تعمق الركود في الاقتصاد الإيراني. فبحسب تقرير مركز الإحصاء، انكمش الاقتصاد الإيراني في ربيع 2026 بنسبة 10.1 في المئة مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق. وسجل الاقتصاد غير النفطي نمواً سلبياً بنسبة 4.6 في المئة، وانكمش قطاع الصناعات والمناجم بنسبة 14.7 في المئة، وقطاع الخدمات 4.8 في المئة، في ما سجل قطاع النفط أكبر تراجع بنمو سلبي بلغ 26.4 في المئة.
وتظهر البيانات الرسمية أيضاً أن الاستهلاك النهائي للأسر انخفض بنسبة أربعة في المئة خلال ربيع 2026، في مؤشر واضح إلى أن ملايين الأسر لم تعد قادرة على شراء سلع وخدمات كانت، حتى قبل أعوام قليلة، جزءاً اعتيادياً من حياتها اليومية.
أبسط نفقات الحياة
ومن أكثر نماذج هذه الأزمة إثارة للقلق أوضاع المتقاعدين الذين يتقاضون معاشاً شهرياً قدره 100 دولار، بينما يتعين عليهم دفع مبالغ تتجاوز هذا الرقم مقابل إيجار المسكن وحده. وفي إحدى الحالات، قال الناشط العمالي عبدالله بلواسي، في حديث إلى وكالة "إيلنا"، إن متقاعدين من هذه الفئة دفعوا، إلى جانب الإيجار الشهري، ودائع سكنية تبلغ قيمتها عشرات الدولارات، ويضطرون إلى تأمين نفقات الغذاء والأدوية والفواتير والتنقل من خلال العمل في وظيفة أخرى.
وبحسب بلواسي، عاد كثير من المتقاعدين، بعد 30 عاماً من العمل، إلى العمل بالمياومة. ويتقاضى بعضهم خلال الموسم الزراعي ما بين نحو 1.4 و2.3 دولار يومياً مقابل إزالة الأعشاب الضارة من الحقول أو حصاد المحاصيل. وفي سن يحتاجون فيها إلى مزيد من الراحة والأدوية والخدمات العلاجية، يعود هؤلاء إلى الشوارع والحقول بحثاً عن عمل لتأمين أبسط نفقات الحياة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووضعت أعباء كلف العلاج الأسر أمام خيارات مؤلمة. ويقول الناشط العمالي إنه يعرف أسرة تمنت الموت لأحد أقاربها بعدما أصيب بالمرض، بسبب عجزها عن تحمل نفقات علاجه. وتكشف هذه الرواية أن أزمة المعيشة تجاوزت مرحلة الاستغناء عن الترفيه والملابس أو المواد الغذائية ذات الجودة العالية، ووصلت الآن إلى الحرمان من العلاجات الحيوية.
وتشير الأخبار المحلية إلى أن متقاعدي صناعات الصلب في أصفهان تجمعوا أمس الثلاثاء، على غرار كثير من المتقاعدين والعمال الآخرين أمام مبنى المحافظة، مطالبين بمعالجة أزمة التأمين الصحي والتنفيذ الكامل لمعادلة الرواتب. ويقولون إنهم دفعوا جميع نفقات العلاج من أموالهم الخاصة خلال يوليو (تموز) الماضي، ومنذ ذلك الحين لا يزالون يتنقلون بين الجهات المعنية سعياً إلى استرداد قيمة الفواتير الطبية.
ويؤكد المتقاعدون أيضاً أن الحكومة وصندوق التقاعد لم يتحملا مسؤولية تأمين علاجهم، خلافاً لما ورد في محضر اجتماع الـ18 من ديسمبر (كانون الأول) 2025. ويطالبون برفع معاشاتهم التقاعدية إلى مستوى 90 في المئة من رواتب العاملين المماثلين لهم، لكنهم يقولون إن الاجتماعات التي وعدت المحافظة بعقدها لمتابعة هذا المطلب لم تعقد أيضاً.
في الوقت نفسه، أقر رئيس الاتحاد الأعلى لمتقاعدي الضمان الاجتماعي في إيران محمد أسدي، بأنه خلافاً لبعض الأنباء المنشورة، لم يتخذ أي قرار جديد في شأن زيادة معاشات المتقاعدين. وبذلك يدخل المتقاعدون فصل الخريف وهم مضطرون إلى مواصلة العيش بمعاشات لا تكفي حتى لتغطية إيجار وحدة سكنية عادية.
وفرض بدء العام الدراسي ضغوطاً إضافية على أسر العمال. وتظهر مراجعة أوضاع سوق القرطاسية في شيراز أن إقبال المواطنين على مشتريات بداية العام الدراسي ومبيعات المتاجر تراجعاً إلى نحو 40 في المئة من مستوياتهما المعتادة في هذا الموسم، في ما تستبعد الأسر السلع غير الضرورية عند التسوق، وتؤجل شراء جزء من المستلزمات التي يحتاج إليها أبناؤها إلى وقت لاحق.
في أجواء الحرب
ويأتي ذلك في وقت ارتفعت أسعار بعض السلع بأكثر من 100 في المئة مقارنة بالعام الماضي. فعلى سبيل المثال ارتفع سعر قلم الحبر الذي كان يباع العام الماضي بنحو 0.03 دولار إلى نحو 0.07 دولار حالياً، في ما ارتفعت أسعار الدفاتر التي كانت تراوح بين نحو 0.13 و0.15 دولار إلى ما بين نحو 0.42 و0.64 دولار. كذا تجاوز سعر الدفتر ذي العدد الكبير من الصفحات 0.85 دولار، ووصل سعر المقلمة المتوسطة إلى نحو 2.54 دولار، فيما بلغ سعر قلم الرصاص العادي نحو 0.17 دولار.
وفي مثال آخر، طالب عمال المقاولات في قسم المنشآت الفنية للسكك الحديد أمس، عشية إعادة فتح المدارس، المسؤولين بصرف رواتب شهر سبتمبر (أيلول) الجاري في موعدها، حتى يتمكنوا من شراء الزي المدرسي والقرطاسية لأبنائهم. ويقول العمال إن صرف الرواتب يتأخر عادة، وإن هذا التأخير يزيد صعوبة تأمين نفقات بدء العام الدراسي على أسرهم.
وخلفت أزمة المعيشة أيضاً تداعيات خطرة في سوق المواد الغذائية. فقد أعلنت شرطة المباحث في طهران أمس، ضبط 254 كيلوغراماً من لحوم حيوانات أحادية الحافر مثل الحمير والبغال والخيول في حي خاني آباد. وأوقف خمسة أشخاص على صلة بهذه الشبكة، بينهم شخص يعمل في قطاع المطاعم. وأدى الارتفاع الحاد في أسعار لحوم الأغنام والأبقار إلى تهيئة الظروف لبيع لحوم أرخص وغير صحية بصورة سرية إلى مستهلكين قد لا يكونون على علم حتى بالطبيعة الحقيقية لما يشترونه.
ولم تنجح زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 60 في المئة هذا العام في الحفاظ على القدرة الشرائية للعمال، إذ ارتفعت كلف السكن والغذاء والعلاج والتعليم بوتيرة أسرع. وحتى نواب في البرلمان باتوا يقرون بأن رواتب الموظفين والعمال ومعاشات المتقاعدين لا تكفي لتغطية نفقات المعيشة، وأن زيادة الدخول يجب أن تتناسب مع التضخم.
ويظهر اجتماع سعر صرف يبلغ 236 ألفاً و100 تومان للدولار، والتضخم الذي بلغ مستويات نادرة، والنمو الاقتصادي السلبي، وتراجع استهلاك الأسر، تزامناً مع استمرار أجواء الحرب، أن أزمة المعيشة لم تعد مقتصرة على الفئات الأكثر فقراً في المجتمع. فالعمال والموظفون والمتقاعدون وشريحة واسعة من الطبقة الوسطى باتوا يواجهون نفقات لا تكفي دخولهم الشهرية لتغطيتها. وفي ظل هذه الظروف، يبدأ الخريف بالنسبة إلى كثير من الأسر، لا بشراء المستلزمات المدرسية والتخطيط للأشهر المقبلة، بل بخيار صعب بين دفع إيجار المسكن وتأمين الغذاء والعلاج وتعليم أبنائهم.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"