ملخص
لجأت دول خليجية مثل السعودية والإمارات إلى بدائل للتصدير خارج مسار مضيق هرمز، من ميناء ينبع على البحر الأحمر وميناء الفجيرة خارج الخليج.
ارتفعت أسعار النفط مجدداً في بداية تعاملات الأسبوع اليوم الإثنين في الأسواق الآسيوية، ليتجاوز سعر برميل خام "برنت" القياسي 108 دولارات، بزيادة بنسبة 3.5 في المئة على إقفال الأسبوع الماضي، وفسر المحللون الارتفاع في أسعار الخام بتأجيل اجتماع مسقط لدول مجلس التعاون الخليجي وإيران في شأن مضيق هرمز، الذي كان مقرراً اليوم.
ذلك لأن القدر الأكبر من تحركات أسعار سوق النفط لا يعكس توازن معادلة العرض والطلب أكثر منه انعكاساً للعوامل النفسية للمستثمرين، التي تدفع المضاربين في السوق إلى شراء أو بيع العقود الآجلة استناداً إلى توقعات مستقبلية قد تكون مبالغاً فيها.
على رغم الحرب المستمرة منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي، والضرر الناجم عن تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، ما زالت صادرات النفط والمشتقات من منطقة الخليج مستمرة، وإن تضررت في فترات الحرب المختلفة، وبالتأكيد، هي الآن أقل مما كانت عليه قبل الحرب، حين كان يمر من الخليج ما يصل إلى ما بين 20 و23 مليون برميل يومياً من النفط الخام ومشتقاته المكررة.
مع بداية الحرب كان تعطل مرور الناقلات من الخليج عبر مضيق هرمز بسبب مخاوف التعرض للنيران، وتردد شركات التأمين في تأمين السفن والشحنات، ثم مع زيادة حدة الهجوم الأميركي على إيران تعمدت طهران إغلاق المضيق وتهديد المرور عبره، مما قلل معدلات تصدير النفط إلى مستويات منخفضة تصل إلى أقل من نصف ما كان يمر عبره قبل الحرب.
أرقام متباينة حول التصدير من الخليج
ثم بعد ذلك فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية، وبدأت قطع الأسطول الأميركي في مرافقة سفن وناقلات نفط للمرور الآمن عبر الخليج، مما زاد من كميات النفط المنسابة عبره.
ولجأت دول خليجية مثل السعودية والإمارات إلى بدائل للتصدير خارج مسار مضيق هرمز، من ميناء ينبع على البحر الأحمر وميناء الفجيرة خارج الخليج.
أسهم ذلك إلى حد كبير في تخفيف حدة أزمة أسواق الطاقة العالمية، ولم تتجاوز أسعار النفط كثيراً حاجز 100 دولار للبرميل، بل كانت في غالب أوقات الحرب أقل من ذلك، حتى إنها بعد توقيع مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران في يونيو (حزيران) الماضي هبطت إلى ما يقارب 60 دولاراً للبرميل.
مع ذلك تضررت صادرات كل الدول المطلة على الخليج، بخاصة من مشتقات البترول المكررة، إما نتيجة قصف إيران لمنشآت نفطية خليجية، أو نتيجة تراجع صادرات دول لا تملك بدائل تصدير، مثل العراق والكويت.
بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، فإن ما خسرته سوق النفط العالمية من صادرات الدول المطلة على الخليج منذ بداية الحرب حتى الآن بلغ نحو 2.8 مليار برميل، أي نحو 15 مليون برميل يومياً في المتوسط، لكن الوكالة، التي غالباً ما تغالي في البيانات والأخبار السلبية للسوق النفطية، حسبت تقديراتها على متوسط معدلات العبور من مضيق هرمز في أغسطس (آب) الماضي بنحو 7.6 مليون برميل يومياً، إضافة إلى متوسطات العبور في الأشهر السابقة بالحد الأدنى لمعدلات المرور.
إلى جانب أن أرقام وكالة الطاقة الدولية لا تأخذ في الاعتبار شحنات ما تسمى "سفن الظل"، أي تلك التي تطفئ أجهزة التعقب وتمر عبر الخليج ومضيق هرمز.
مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري، أشار المحللون في بنك "غولدمان ساكس"، في مذكرة لهم، إلى أن صادرات دول الخليج النفطية بلغت ما بين 15 و16 مليون برميل يومياً، أي وصلت إلى ثلثي ما كانت عليه الصادرات قبل الحرب، وذكرت شركة "فورتيكسا" لبيانات الطاقة، ومقرها لندن، أن معدلات عبور النفط من مضيق هرمز في أغسطس الماضي كانت عند نحو 8 ملايين برميل يومياً، وهي أعلى من التقديرات التي بنت وكالة الطاقة الدولية نتائجها عليها في حساب الفاقد نتيجة الحرب.
استمرار تدفق النفط من الخليج
باستثناء إيران، التي انخفضت صادراتها من النفط إلى حد يقارب التوقف، بنحو 200 ألف برميل يومياً، غالبها بواسطة "أسطول الظل"، استمرت دول الخليج في الإنتاج والتصدير، وإن بمعدلات أقل مما كان عليه الوضع قبل الحرب.
استفادت السعودية، مثلاً، من خط أنابيب شرق – غرب لنقل النفط من شرق البلاد إلى ميناء التصدير على البحر الأحمر، والتحميل على ناقلات تتجه شمالاً إلى أوروبا وجنوباً إلى آسيا. وتبلغ الطاقة الاستيعابية القصوى للخط 7 ملايين برميل يومياً، وإن كان تشغيله، بحسب مختلف المصادر، ظل عند مستوى ما بين 4 و5 ملايين برميل يومياً في المتوسط، مع إمكان الزيادة حتى الطاقة القصوى.
استخدمت الإمارات ميناء الفجيرة، وأيضاً خط أنابيب بطاقة استيعابية في حدود 1.8 مليون برميل يومياً من الإمارات إلى بحر عمان. حتى الدول الأخرى على الخليج مثل العراق بدأت استكشاف طرق أخرى، مثل خط الأنابيب من الشمال عبر تركيا، وواصلت تلك الدول التصدير أحياناً باستخدام ناقلات الظل عبر الخليج ومضيق هرمز.
في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" الأميركية الأسبوع الماضي، قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن النفط ينساب عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى أن معدل العبور يصل إلى 18 مليون برميل يومياً، قد يكون ذلك المستوى حدث بالفعل في بعض الأيام، إلا أنه بحسب أرقام شركات تتبع الشحن البحري وبيانات شركات استشارات الطاقة، فإن المعدل في المتوسط يقل عن ذلك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على رغم تباين الأرقام، فإن النفط ما زال ينساب عبر الخليج ومن طريق البدائل الأخرى، باستثناء إيران التي اضطرت إلى وقف الإنتاج لعدم قدرتها على التصدير أو تخزين النفط. وبحسب أرقام وكالة الطاقة الدولية فإن إجمال الصادرات من ينبع والفجيرة ارتفع من 4.1 مليون برميل يومياً في فبراير الماضي إلى 7.8 مليون برميل يومياً في يونيو الماضي.
إجمالاً، فإن التصدير من الخليج عبر طرق أخرى غير مضيق هرمز وفر نحو نصف مليار برميل (500 مليون برميل) للسوق العالمية، أي بمعدل 2.8 مليون برميل يومياً في المتوسط، تطرح من إجمال الفاقد الذي ذكرته الوكالة نتيجة تعطل المرور عبر مضيق هرمز.
الصادرات والمستوردون المتضررون
في بداية حرب إيران صدر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية تفصيل لصادرات الدول المطلة على الخليج من النفط والمشتقات، ووجهات التصدير، ومعظمها في دول آسيا، واستندت بيانات الإدارة إلى معلومات وأرقام مصادر عدة، من بينها "فورتيكسا" وغيرها من شركات مراقبة شحن النفط والغاز.
خلاصة بيانات الإدارة الأميركية أن ما ينساب عبر مضيق هرمز من النفط الخام والمشتقات المكررة بلغ في المتوسط 14.22 مليون برميل يومياً في الأسبوع الأول من مارس (آذار) الماضي. وتلك الصادرات مقسمة كالتالي: السعودية 5.29 مليون برميل يومياً من النفط الخام ومشتقات التكرير، بنسبة 37.2 في المئة من إجمال الصادرات عبر مضيق هرمز، والعراق 3.24 مليون برميل يومياً بنسبة 22.8 في المئة، والإمارات 1.83 مليون برميل يومياً بنسبة 12.9 في المئة، وإيران 1.51 مليون برميل يومياً بنسبة 10.6 في المئة، والكويت 1.43 مليون برميل يومياً بنسبة 10.1 في المئة، وقطر 0.63 مليون برميل يومياً بنسبة 4.4 في المئة.
أما عن الدول المستوردة لتلك الصادرات من الخام والمشتقات، فبيانها كالتالي: الصين 5.35 مليون برميل يومياً بنسبة 37.7 في المئة، والهند 2.09 مليون برميل يومياً بنسبة 14.7 في المئة، ودول آسيوية أخرى 1.98 مليون برميل يومياً بنسبة 13.9 في المئة، وكوريا الجنوبية 1.7 مليون برميل يومياً بنسبة 12 في المئة، واليابان 1.55 مليون برميل يومياً بنسبة 10.9 في المئة، وأوروبا 0.53 مليون برميل يومياً بنسبة 3.8 في المئة، والولايات المتحدة 0.36 مليون برميل يومياً بنسبة 2.5 في المئة.
على رغم الضرر الذي وقع على الدول المصدرة والمستوردة بصورة متفاوتة، فإن الضرر الأكبر كان على إيران التي انخفض إنتاجها من النفط والمشتقات، وهوت صادراتها بأكثر من 80 في المئة، من مليون ونصف المليون برميل يومياً إلى أقل من ربع مليون برميل يومياً.
توازن السوق النفطية
على رغم تضرر صادرات المشتقات نتيجة تعطل المرور عبر مضيق هرمز من ناحية، وتضرر بعض منشآت البنية التحتية بسبب الحرب من ناحية أخرى، فإن توازن العرض والطلب في السوق العالمية بالنسبة إلى خام النفط لم يتضرر كثيراً.
إلى جانب سرعة إيجاد دول الخليج، بخاصة السعودية والإمارات، البدائل المناسبة للتصدير بعيداً من مسار مضيق هرمز، كانت هناك عوامل أخرى أسهمت في استقرار السوق واستمرار تلبية المعروض للطلب العالمي، فإذا أخذنا الرقم الذي ذكرته وكالة الطاقة الدولية، على رغم ما يبدو فيه من مبالغة، للفاقد النفطي منذ بداية الحرب حتى الآن، أي 2.8 مليار برميل، نتيجة تعطل المرور عبر مضيق هرمز، فإنه جرى تعويضه إلى حد كبير، بداية من نصف مليار برميل من إنتاج السعودية والإمارات عبر مسارات أخرى غير الخليج. ذلك إضافة إلى زيادة الإنتاج من دول خارج الشرق الأوسط، مثل الولايات المتحدة والبرازيل وكازاخستان وفنزويلا ونيجيريا، التي بلغت في مجملها خلال فترة الحرب 420 مليون برميل، وأيضاً السحب من المخزونات لدى الدول المستهلكة، الذي بلغ حجمه 507 ملايين برميل، كذلك فإن الطلب العالمي انخفض في تلك الفترة بنحو مليار برميل، نتيجة تراجع الطلب على النفط في الصين والشرق الأوسط.
هكذا تقريباً جرى تعويض الفاقد نتيجة إغلاق مضيق هرمز، بما حافظ على توازن العرض والطلب في السوق النفطية إلى حد كبير، فحسب تقديرات الوكالة، فإن المعروض العالمي من النفط في المتوسط للعام الحالي سيكون عند 100.7 مليون برميل يومياً، بينما الإنتاج العالمي في المتوسط عند 102.5 مليون برميل يومياً، وإذا أخذنا في الاعتبار أن الأسواق كانت تشهد فائض معروض قبل الحرب يزيد على 2 مليون برميل يومياً، فإن السوق تظل متوازنة.
ربما تكون المشكلة في مشتقات تكرير البترول، ولأسباب تتجاوز حتى مشكلات المرور عبر مضيق هرمز، وتتعلق بالطاقة الإنتاجية للمصافي حتى في الولايات المتحدة. وبحسب أرقام وكالة الطاقة الدولية، فإن إنتاج مصافي التكرير حول العالم بلغ أقصى طاقة له هذا الصيف عند 81.4 مليون برميل يومياً من المشتقات في أغسطس الماضي، بزيادة شهرية تقارب المليون برميل يومياً، بارتفاع بمعدل 960 ألف برميل يومياً عن الشهر السابق، لكن إنتاج المشتقات يظل أقل من مستواه قبل عام بنحو 4.2 مليون برميل يومياً.