Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف استحوذت واشنطن على عرش الغاز العالمي؟

تتوقع "إكسون موبيل" هيمنة الولايات المتحدة على 30% من السوق بحلول 2030

تقديرات بتسجيل الإنتاج والطلب المحلي والصادرات مستويات قياسية خلال عامي 2026 و2027 (رويترز)

ملخص

يرى متخصصون أن صعود الغاز الأميركي يرتبط بالتكنولوجيا والتحرير التنظيمي والأزمات الجيوسياسية، لكن استمراره قد يتأثر بعودة الغاز الروسي أو استقرار الملاحة عبر مضيق هرمز.

تتجه الولايات المتحدة إلى تعزيز هيمنتها على سوق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، مدفوعة بارتفاع الإنتاج والصادرات وتوسع الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، لكن استمرار هذه الهيمنة قد لا يكون مضموناً، إذ يرتبط بدرجة كبيرة بالتطورات الجيوسياسية في سوق الطاقة.

ويعد مضيق هرمز أحد أبرز عوامل التأثير، نظراً إلى دوره في صادرات الغاز القطري وحركة إمدادات الطاقة العالمية، كما أن انتهاء الحرب الروسية - الأوكرانية وعودة الغاز الروسي للأسواق الأوروبية قد يعيدان رسم خريطة المنافسة ويحدان من التفوق الأميركي، وبذلك قد تبقى الهيمنة الأميركية قوية على المدى القريب، لكنها ستظل مرهونة باستقرار الملاحة في المنطقة ومسار الحرب والعقوبات على روسيا.

وتتوقع شركة "إكسون موبيل" أن تنمو إمدادات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال لتشكل نحو 30 في المئة من إجمال السوق العالمية بحلول عام 2030، في ظل تنامي دور البلاد كمورد رئيس للغاز إلى الأسواق العالمية.

وقال نائب الرئيس الأول للغاز الطبيعي المسال في قطاع المنبع لدى شركة "إكسون موبيل" بيتر كلارك، خلال منتدى للطاقة في بانكوك، لـ"رويترز" إن الولايات المتحدة برزت مورداً رئيساً للغاز الطبيعي المسال، مشيراً إلى أن أميركا الشمالية تعد واحدة من أكبر مناطق إنتاج الغاز في العالم.

وأضاف كلارك أن الولايات المتحدة تمتلك كميات كافية من الغاز لتلبية احتياجات السوق المحلية، إلى جانب توفير الإمدادات اللازمة للتصدير إلى الأسواق الخارجية.

وتعكس هذه التوقعات تنامي أهمية الولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، في وقت يتزايد فيه الاعتماد على صادرات الغاز لتلبية الطلب العالمي على الطاقة وتعزيز أمن الإمدادات.

مستويات قياسية خلال عامي 2026 و2027

ومن المتوقع أن يرتفع كل من إمدادات الغاز الطبيعي والطلب عليه في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية خلال عامي 2026 و2027، وفقاً لما أعلنته إدارة معلومات الطاقة الأميركية في تقريرها عن توقعات الطاقة قصيرة الأجل الصادر الأربعاء الماضي.

وتوقعت الإدارة ارتفاع إنتاج الغاز الجاف من مستوى قياسي بلغ 107.6 مليار قدم مكعبة يومياً في عام 2025 إلى 111.7 مليار قدم مكعبة يومياً في 2026، ثم إلى 115.9 مليار قدم مكعبة يومياً في 2027.

وتوقعت ارتفاع استهلاك الغاز المحلي من مستوى قياسي بلغ 91.9 مليار قدم مكعبة يومياً في 2025 إلى 92.2 مليار قدم مكعبة يومياً في 2026، ثم إلى 94.3 مليار قدم مكعبة يومياً في 2027.

وجاءت توقعات سبتمبر (أيلول) الجاري، لإنتاج الغاز خلال 2026 أعلى من تقديرات إدارة معلومات الطاقة الصادرة في أغسطس (آب) الماضي، التي توقعت إنتاجاً عند 111.2 مليار قدم مكعبة يومياً، في مقابل 92.0 مليار قدم مكعبة يومياً للطلب.

وتوقعت إدارة معلومات الطاقة الأميركية ارتفاع متوسط صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال من مستوى قياسي بلغ 15.1 مليار قدم مكعبة يومياً في 2025 إلى 17.4 مليار قدم مكعبة يومياً في 2026، ثم إلى 18.6 مليار قدم مكعبة يومياً في 2027.

وتؤكد هذه التقديرات تنامي الدور الأميركي في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، بما يتماشى مع توقعات "إكسون موبيل" بأن تمثل الولايات المتحدة نحو 30 في المئة من إجمال السوق العالمية بحلول 2030.

وقالت إدارة معلومات الطاقة إن مخزونات الغاز الطبيعي الأميركية تتجه إلى بدء فصل الشتاء عند مستوى يزيد بنحو خمسة في المئة على متوسط الأعوام الخمسة، وذلك في الـ31 من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع الإنتاج في منطقتي بيرميان وهاينزفيل للغاز الصخري. وتشير أحدث تقديرات الإدارة إلى أن المخزونات ستبلغ 3.969 تريليون قدم مكعبة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، أي أعلى بنسبة خمسة في المئة من متوسط السنوات الخمس.

ومع توقع محطات توليد الكهرباء حرق كميات أقل من الفحم خلال الأعوام المقبلة، رجحت إدارة معلومات الطاقة انخفاض إنتاج الفحم الأميركي من 528.4 مليون طن قصير في 2025، وهو أعلى مستوى في عامين، إلى 516.3 مليون طن في 2026، ثم إلى 496.7 مليون طن في 2027، وهو أدنى مستوى منذ عام 1963.

ويتزامن تراجع الاعتماد على الفحم مع ارتفاع الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة، إذ تتوقع إدارة معلومات الطاقة أن تصل مبيعات الكهرباء إلى مستوى قياسي يبلغ 4.135 تريليون كيلوواط / ساعة في 2026، ثم ترتفع إلى 4.211 تريليون كيلوواط / ساعة في 2027، مدفوعة بصورة رئيسة بالتوسع في مراكز البيانات وزيادة النشاط الصناعي والتصنيعي.

لكن هل ستستمر الهيمنة الأميركية على سوق الغاز العالمي أم أنها مرهونة بما ستؤول إليها المواجهة الأميركية الإيرانية في مضيق هرمز ومسار الحرب الروسية الأميركية؟ أسئلة توجهنا بها لعدد من الخبراء.

"هيمنة قد لا تستمر"

قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد تشارترد للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات وضاح الطه، لـ"اندبندنت عربية"، إن الولايات المتحدة تتصدر قائمة أكبر مصدري الغاز الطبيعي في العالم، بصادرات تقدر بنحو 254 مليار متر مكعب، بفارق كبير عن قطر، التي تحتل المركز الثاني بصادرات تقارب 173 مليار متر مكعب، فيما تراجعت روسيا إلى المرتبة الثالثة بسبب العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا، بصادرات تبلغ نحو 124 مليار متر مكعب.

وأضاف الطه أن هذا التقدم الأميركي لا يرتبط بالنمو الطبيعي للصادرات بقدر ما هو، على حد تعبيره، نتيجة "فعل فاعل" تمثل في العقوبات الغربية ووقف تصدير الغاز الروسي إلى أوروبا، التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الإمدادات الروسية، سواء من حيث الكميات أم الأسعار، عبر خطي "نورد ستريم 1" و"نورد ستريم 2"، اللذين تعرضا للتفجير في بداية الحرب الروسية - الأوكرانية.

وأوضح أن روسيا وقطر لا تزالان تمتلكان احتياطات ضخمة من الغاز، مشيراً خصوصاً إلى حقل الشمال، المشترك بين قطر وإيران، الذي تتجاوز مساحته 9700 كيلومتر مربع، فيما تزيد حصة قطر منه على 6 آلاف كيلومتر مربع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار الطه إلى أن الولايات المتحدة قد تستحوذ على حصة مهمة من سوق الغاز على المديين القصير والمتوسط، لكن استمرار هذه الهيمنة على المدى الطويل ليس مضموناً في حال انتهاء الحرب الروسية – الأوكرانية. وقال إن من مصلحة أوروبا العودة لاستيراد الغاز الروسي، الذي يعد أرخص بكثير من الغاز المستورد من الولايات المتحدة.

وأضاف أن الجزائر استفادت بدورها من توقف الإمدادات الروسية وزيادة الطلب الأوروبي على الغاز البديل، إذ ارتقت إلى المرتبة السابعة بين كبار مصدري الغاز، وعززت تعاونها مع إيطاليا وإسبانيا من خلال مشاريع الغاز وزيادة حصص البلدين من الإمدادات الجزائرية، لافتاً إلى أن صادرات الجزائر من الغاز تتجاوز حالياً 46 مليار متر مكعب.

ورأى الطه أن روسيا لا ترغب في الوقت الحالي في الدخول في صراع حول مصادر الطاقة، موضحاً أنها أكبر دول العالم من حيث المساحة، وتمتلك احتياطات ضخمة من النفط والغاز ومختلف الموارد الهيدروكربونية.

وقال إن الولايات المتحدة تستحوذ حالياً على الحصة الأكبر من سوق الغاز العالمي، مع الأخذ في الاعتبار أن الغاز الطبيعي المسال يحتاج إلى وسائل نقل وناقلات متخصصة.

وأضاف أن استمرار أزمة مضيق هرمز قد يؤخر عودة قطر لسوق الغاز بكامل طاقتها، نظراً إلى مرور معظم صادراتها عبر المضيق. ودعا دول الخليج إلى التفكير في إنشاء مسارات بديلة لنقل النفط الخام والغاز عبر أنابيب تمر بمنافذ أكثر أمناً واستقراراً، من خلال سوريا وتركيا، أم عبر البحر الأحمر والسعودية، لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز والحد من أخطار ما وصفه بـ"القرصنة الإيرانية" على حركة الملاحة فيه.

"أداة نفوذ جيوسياسي"

من جانبه، قال المحلل المالي حسن الريس إن صعود الولايات المتحدة إلى صدارة سوق الغاز العالمي لم يكن نتيجة وفرة الاحتياطيات الجيولوجية فحسب، بل جاء ثمرة تفاعل بين التطور التكنولوجي والسياسات الحكومية المرنة والأزمات الجيوسياسية.

وأوضح أن تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي أسهمت في تحويل أحواض الغاز الصخري الأميركية إلى مصادر إنتاج ضخمة، فيما عززت طفرة الذكاء الاصطناعي الطلب على الغاز الطبيعي لتوفير إمدادات كهرباء مستقرة لمراكز البيانات العملاقة.

وأضاف أن تحرير قطاع الطاقة، وتسريع تراخيص الحفر والتنقيب، وتخفيف القيود على محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال، منحت الشركات الأميركية قدرة أكبر على الاستجابة السريعة لتغيرات الطلب في الأسواق العالمية.

وأشار الريس إلى أن الموقع الجغرافي للولايات المتحدة وشبكة موانئها على السواحل الأطلسية والهادئة يمنحانها مرونة لوجستية واسعة، تتيح تصدير الغاز إلى أوروبا وآسيا وتقليل الاعتماد على ممرات بحرية محددة.

ورأى أن الاضطرابات الأمنية في الشرق الأوسط، وما نتج منها من تهديد لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، عززت أهمية الغاز الأميركي بوصفه بديلاً آمناً ومرناً للمشترين العالميين، خصوصاً في أوقات الأزمات.

ولفت إلى أن الاستراتيجية الأميركية لا تقتصر على زيادة الإنتاج المحلي، بل تمتد إلى بناء منظومة إقليمية للغاز في نصف الكرة الغربي، من خلال تطوير موارد فنزويلا والبحر الكاريبي وربطها بمنشآت التسييل والتصدير في ترينيداد وتوباغو.

وختم الريس بالقول إن السيطرة الأميركية المتوقعة على أكثر من 30 في المئة من سوق الغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030 تعكس تحول الطاقة إلى أداة نفوذ جيوسياسي، لا مجرد قطاع اقتصادي، وتعيد رسم خريطة القوى المؤثرة في أمن الإمدادات العالمية.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز