Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق يحاكم إرث "داعش" الإرهابي العابر للحدود

من أكثر الجوانب حساسية ما يتعلق بالجرائم التي ارتكبها التنظيم في حق المجتمع الإيزيدي

"داعش" لم يكن تنظيماً قائماً على المقاتلين فحسب، وفق نتائج التحقيق التي أعلنها القضاء، بل ضم أدواراً عسكرية وأمنية ومالية ولوجستية وإدارية وصحية وتقنية وإعلامية وشرعية (رويترز)

ملخص

يجد العراق نفسه أمام ملف قضائي يتجاوز في أبعاده الحدود الوطنية، ليس فقط بسبب جنسيات المتهمين، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الجرائم والأدوار المنسوبة إلى بعضهم، والروابط المحتملة بين وقائع ارتكبت في العراق وسوريا ودول أخرى، فضلاً عن الجرائم التي طاولت الإيزيديين وجرائم أخرى ذات بعد دولي.

من ساحات القتال في سوريا إلى قاعات المحاكم العراقية، انتقل أحد أكثر الملفات تعقيداً المرتبطة بالتنظيم الإرهابي المنهزم في العراق وسوريا "داعش" إلى مرحلة جديدة، بعدما أعلن مجلس القضاء الأعلى استكمال استجواب والتحقيق مع 5704 متهمين من عناصر التنظيم المنقولين من شمال شرقي سوريا إلى العراق، تمهيداً لإحالتهم إلى المحاكم والنظر في قضاياهم، كل على حدة، وفق الأدلة والوقائع المتحصلة في كل ملف.

ولا تكمن أهمية القضية في عدد المتهمين وحده، بل في طبيعتها الدولية. فالمتهمون ينتمون، بحسب بيانات مجلس القضاء الأعلى، إلى 67 جنسية، بينهم 3497 سورياً و474 عراقياً، إضافة إلى 16 جنسية عربية و19 جنسية من دول الاتحاد الأوروبي و32 جنسية أجنبية أخرى.

وبذلك يجد العراق نفسه أمام ملف قضائي يتجاوز في أبعاده الحدود الوطنية، ليس فقط بسبب جنسيات المتهمين، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الجرائم والأدوار المنسوبة إلى بعضهم، والروابط المحتملة بين وقائع ارتكبت في العراق وسوريا ودول أخرى، فضلاً عن الجرائم التي طاولت الإيزيديين وجرائم أخرى ذات بعد دولي.

 

من سوريا إلى العراق

بدأت التحقيقات، وفق مجلس القضاء الأعلى، في فبراير (شباط) الماضي، واستمرت عمليات الاستجواب وجمع الأدلة والتدقيق إلى حين استكمال التحقيق مع جميع المتهمين البالغ عددهم 5704.

ويقول القضاء العراقي إن هذا الملف أدير باعتباره ملفاً قضائياً متكاملاً يخضع للسلطة القضائية العراقية، بإشراف رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وأسند إلى محكمة تحقيق الكرخ الأولى المتخصصة بقضايا الإرهاب، بمشاركة قضاة ونواب ادعاء عام ومحققين قضائيين وقوات إنفاذ القانون.

وتكشف هذه البنية عن محاولة التعامل مع الملف باعتباره عملية تحقيق واسعة لا تقتصر على الاستماع إلى إفادات المحتجزين، وإنما تشمل جمع الأدلة وتدقيق البيانات وربط المعلومات وتحليلها، وصولاً إلى تحديد الدور الذي أداه كل متهم داخل التنظيم.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن "داعش" لم يكن تنظيماً قائماً على المقاتلين فحسب، وفق نتائج التحقيق التي أعلنها القضاء، بل ضم أدواراً عسكرية وأمنية ومالية ولوجستية وإدارية وصحية وتقنية وإعلامية وشرعية، مما يعني أن مجرد وجود شخص داخل مناطق سيطرة التنظيم أو ارتباطه به لا يحسم وحده طبيعة المسؤولية الجنائية، إذ إن المحاكم ستحتاج إلى تحديد الفعل المنسوب لكل متهم ومدى توافر الأدلة التي تثبته.

 

67 جنسية أمام القضاء العراقي

تكشف الأرقام التي أعلنها مجلس القضاء الأعلى عن طبيعة استثنائية للملف، فالعدد الإجمال يبلغ 5704 متهمين، بينهم 3497 سورياً و474 عراقياً، بينما تتوزع بقية الحالات على عشرات الجنسيات العربية والأوروبية والأجنبية. وهذه التركيبة تطرح سؤالاً أساسياً، إذ لماذا أصبح العراق هو المكان الذي ينتهي إليه جزء كبير من ملف مسلحي "داعش" الأجانب الذين كانوا محتجزين في شمال شرقي سوريا؟

الإجابة ترتبط بمجموعة عوامل متداخلة، أولها أن العراق كان من أكثر الدول تضرراً من تنظيم "داعش"، وخاضت قواته الأمنية والعسكرية معارك واسعة ضد التنظيم، بالتالي يمتلك القضاء العراقي اختصاصاً وطنياً مباشراً في الجرائم التي ارتكبت داخل الأراضي العراقية. وثانيها أن وجود متهمين يحملون جنسيات مختلفة لا يعني بالضرورة أن الجرائم المنسوبة إليهم ارتكبت في دولهم الأصلية، فالمعيار القضائي الأساس هو الفعل والاختصاص والأدلة، وليس جنسية المتهم وحدها.

وثالثها أن العراق يمتلك تشريعات وطنية لمكافحة الإرهاب تسمح بمحاكمة الأشخاص الذين تثبت مسؤوليتهم عن أفعال إرهابية، في إطار قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 وقانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، لكن الطبيعة العابرة للحدود للملف تجعل التعاون مع الدول الأجنبية أمراً لا غنى عنه، خصوصاً عندما تكون الأدلة أو الضحايا أو الوقائع موزعة بين أكثر من دولة.

العراق ليس مجرد مكان احتجاز

التطور الأهم في إعلان القضاء العراقي هو أن العراق لا يتعامل مع المحتجزين باعتبارهم مجرد أشخاص جرى نقلهم من سوريا إلى أراضيه، بل باعتبارهم متهمين يخضعون لإجراءات قضائية.

فقد أعلن مجلس القضاء الأعلى أن التحقيقات استكملت مع المتهمين، وأن المرحلة المقبلة تتمثل في إحالتهم إلى محاكم الموضوع على دفعات. وهنا تظهر نقطة قانونية شديدة الأهمية، الإحالة إلى المحكمة ليست حكماً بالإدانة. فالمتهم يبقى في حاجة إلى محاكمة مستقلة تنظر في الأدلة الخاصة بقضيته، مما أكده مجلس القضاء الأعلى نفسه عندما أشار إلى أن كل قضية ستنظر بصورة منفصلة، وأن نتيجة ملف لا تعمم على ملف آخر. وهذه النقطة تصبح أكثر أهمية في ملف يضم آلاف الأشخاص، لأن وجودهم ضمن مجموعة واحدة من حيث مكان الاحتجاز أو طريقة النقل لا يعني أن المسؤولية الجنائية واحدة.

فقد يكون أحد المتهمين، بحسب الأدلة، مقاتلاً شارك في عمليات عسكرية، وقد يكون آخر مرتبطاً بالجانب المالي أو اللوجستي، بينما قد لا تثبت الأدلة على شخص ثالث سوى صلة غير كافية لإدانته.

دلالة مهمة

ويقدم إعلان القضاء مثالاً على ذلك، فقد ذكر أن نتائج التحقيقات لم تثبت الأدلة في بعض الحالات، مما أدى إلى إطلاق سراح وتسليم محتجز فنلندي إلى السلطات الفنلندية، ومحتجز أميركي إلى السلطات الأميركية، إضافة إلى إطلاق سراح سبعة محتجزين عراقيين.

وأعلن استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح 457 محتجزاً سورياً ممن لم تثبت بحقهم أدلة تستوجب استمرار الإجراءات القضائية بحقهم، تمهيداً لتسليمهم إلى الجانب السوري بعد استكمال المتطلبات القضائية والقانونية لكل حالة.

هذه التطورات تحمل دلالة مهمة، لأنها تعكس أن مسار الملف لا يقوم على افتراض إدانة جماعية للمحتجزين، بل على فحص الأدلة حالة بحالة.

وفي الملفات المرتبطة بالإرهاب، تصبح هذه المسألة جوهرية، لأن الاتهام الجنائي يحتاج إلى أساس إثباتي يتعلق بالشخص والفعل المنسوب إليه، وليس فقط بالانتماء أو الجنسية أو مكان الاحتجاز.

كيف جرى بناء ملف الأدلة؟

لم يعتمد التحقيق، بحسب البيان، على مصدر واحد للأدلة، فمديرية تحقيق الأدلة الجنائية التابعة لوزارة الداخلية قامت بتوثيق البيانات البايومترية للمحتجزين، بما يشمل بصمات الأصابع وبصمة قزحية العين وعينات الحمض النووي وطبعات الكف.

وشارك المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي في توثيق وتنظيم المعلومات وربطها بقواعد البيانات وتحويل المعلومات المتفرقة إلى بيانات قابلة للتحليل والمقارنة.

ويضم مركز التحليل الاستخباراتي، بحسب القضاء، محققين قضائيين وكوادر من وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات الوطني وجهاز الأمن الوطني ومديرية الاستخبارات العسكرية.

هذه المنظومة تكشف عن أن القضية لم تعد مجرد تحقيق تقليدي، وإنما عملية مطابقة واسعة بين بيانات الأشخاص والأحداث والأماكن والأدوار.

فقد تساعد البصمة أو الحمض النووي في ربط شخص بمسرح جريمة، بينما قد تساعد البيانات الرقمية أو المعلومات الاستخباراتية في تحديد دوره داخل التنظيم، وقد تكشف الوثائق أو الإفادات المتقاطعة عن علاقته بعمليات محددة، ومن هنا تصبح قواعد البيانات إحدى أهم أدوات هذا الملف، خصوصاً أن المتهمين يحملون عشرات الجنسيات وقد تكون لهم حركة بين سوريا والعراق وبلدان أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ملف الإيزيديين... البعد الأكثر حساسية

من أكثر جوانب التحقيق حساسية ما يتعلق بالجرائم التي ارتكبها "داعش" في حق المجتمع الإيزيدي، فقد أعلن مجلس القضاء الأعلى أن التحقيقات كشفت عن معلومات مرتبطة بجرائم جسيمة ذات بعد دولي، وأن ستة متهمين حددت في ملفاتهم أدوار مرتبطة بصورة مباشرة بملف سبي الإيزيديات أو الاحتجاز أو النقل أو البيع أو الإشراف أو الاستفادة من نظام الاسترقاق الذي أقامه التنظيم، وهذا الجزء من الملف قد يفتح باباً أوسع من مجرد محاكمة أفراد على جرائم إرهابية.

فجرائم "داعش" في حق الإيزيديين أصبحت خلال السنوات الماضية موضوعاً لتحقيقات ومحاكمات في أكثر من دولة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم قتل واضطهاد واستعباد جنسي وجرائم أخرى ارتكبت بصورة منهجية.

وتكمن أهمية التحقيق العراقي هنا في أن الأدلة الموجودة داخل العراق قد تتقاطع مع ملفات موجودة في دول أخرى، مما يجعل التعاون القضائي الدولي عاملاً رئيساً في تحديد المسؤوليات.

هل يتحول الملف إلى قضية دولية؟

من الناحية القانونية، لا يعني وجود 67 جنسية تلقائياً أن المحاكمات ستتحول إلى محاكمة دولية، المسألة الأساسية هي الاختصاص.

فالمحاكم العراقية تنظر في القضايا وفق التشريعات العراقية، وقد أعلن مجلس القضاء الأعلى بوضوح أن الملف يخضع للاختصاص القضائي العراقي والقوانين الوطنية النافذة، لكن ذلك لا يمنع أن تكون القضايا ذات طبيعة دولية من حيث الأدلة والضحايا والجرائم ومواقع ارتكابها وجنسيات أطرافها، بمعنى آخر، يمكن أن تبقى المحاكمة عراقية من الناحية القضائية، بينما يصبح الملف دولياً من ناحية التعاون والأدلة والنتائج والآثار القانونية.

المحاكمة من بعد

من المؤشرات إلى حساسية الملف إعلان القضاء تجهيز قاعة للمحاكمة من بعد باستخدام دائرة تلفزيونية مغلقة واتصال مرئي مباشر، بما يسمح بمشاركة المتهمين ذوي الأهمية الأمنية العالية في جلسات محكمة الجنايات وتقليل أخطار نقلهم، وهذا الإجراء يعكس تحدياً أمنياً ولوجستياً كبيراً.

فنقل آلاف المحتجزين بين السجون والمحاكم بصورة متكررة يتطلب موارد أمنية ضخمة، خصوصاً إذا كان بعض المتهمين مصنفين على أنهم شديدو الخطورة أو كانت هناك مخاوف من عمليات تهريب أو استهداف أو اعتداء.

لكن في الوقت نفسه تبقى الإجراءات المرتبطة بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة جزءاً أساساً من أي مسار قضائي، وهو ما أشار إليه القضاء من خلال الإعلان عن انتداب محام لكل متهم بالتنسيق مع نقابة المحامين، وإجراء الفحوص الطبية وتوفير الرعاية الصحية والسماح بزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتواصل مع ذوي المحتجزين ضمن الضوابط القانونية والأمنية.

في السياق رأى المتخصص في الشأن القانوني علي حسين أن الإجراءات التي يتخذها القضاء العراقي في ملف المتهمين بارتكاب جرائم مرتبطة بتنظيم "داعش" الإرهابي تعكس مساراً قضائياً منظماً يقوم على التحقيق وتوثيق الأدلة وتحديد المسؤولية الفردية، مؤكداً أن التعامل مع هذا العدد الكبير من المتهمين من جنسيات مختلفة يمثل جهداً قضائياً مهماً في إطار التشريعات العراقية.

من جانبه شدد المحامي سجاد شهاب على أهمية الإجراءات التي يتخذها القضاء العراقي في توثيق الجرائم وجمع البيانات والأدلة المتعلقة بالمتهمين، مبيناً أن هذه الملفات يمكن أن تشكل أساساً مهماً للتعاون مع السلطات القضائية في الدول الأخرى، لا سيما في القضايا المرتبطة بالجرائم التي طاولت الإيزيديين، وأكد أن قوة هذا المسار تكمن في تحويل المعلومات المتوافرة إلى أدلة موثقة يمكن الاستناد إليها أمام القضاء.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي