ملخص
مع انهيار منظومات الحماية وتراجع قدرة المؤسسات على الوصول إلى المناطق المتضررة، أصبح العنف القائم على النوع الاجتماعي واحداً من أكثر الأخطار التي تواجه النساء والفتيات في ظروف الحرب والنزوح.
لم تكتف الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منذ أكثر من 40 شهراً بانتزاع النساء من منازلهن، بل دفعت كثيرات منهن إلى مواجهة واقع جديد جراء انعدام مصادر الأمان والدخل والحماية، وأصبحن أكثر تعرضاً للعنف والاستغلال والزواج القسري، في وقت تراجعت قدرة المؤسسات على الاستجابة والإنصاف.
مع اتساع رقعة القتال والنزوح، فقدت نساء كثيرات منازل وأعمالاً وشبكات دعم كانت تشكل جزءاً أساساً من حياتهن اليومية. وفي أماكن النزوح، أصبحت المرأة في مواجهة أعباء إضافية تبدأ من تأمين الطعام والمياه وتنتهي بحماية أطفالها والبحث عن مصدر دخل، بينما تتضاءل الخيارات المتاحة أمامها كلما طال أمد الحرب.
ولم يعد العنف القائم على النوع الاجتماعي قضية منفصلة عن ظروف الحرب، بل أصبح مرتبطاً بصورة مباشرة بالنزوح والفقر وانهيار الخدمات وغياب الحماية، في وقت تواجه الناجيات صعوبات كبيرة في الوصول إلى الرعاية الصحية والدعم النفسي والعدالة.
وبينما تحاول بعض النساء إعالة أسرهن في ظروف اقتصادية شديدة القسوة، تجد أخريات أنفسهن أمام خيارات محدودة قد تتضمن الزواج تحت الضغط أو العمل في بيئات غير آمنة أو الاعتماد على مساعدات لا تكفي لتغطية الحاجات الأساس.
أخطار مختلفة
قبل الحرب، كانت حياة كثير من النساء السودانيات، على رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تقوم على شبكات واسعة من الأسرة والعمل والتعليم والمجتمع المحلي. ومع اندلاع القتال في أبريل (نيسان) 2023، بدأت هذه الشبكات تتفكك تدريجاً.
تقول حليمة طيفور نازحة وناشطة مجتمعية في مناطق النزوح إن "المرأة التي كانت تذهب إلى عملها أو جامعتها أو سوق الحي أصبحت في كثير من الحالات نازحة تبحث عن مكان آمن. والأم التي كانت تعتمد على راتبها أو دخل الأسرة أصبحت مسؤولة عن توفير حاجات أطفالها في منطقة جديدة، أحياناً من دون مصدر دخل ثابت أو دعم عائلي".
وترى طيفور أن "في مناطق النزوح، لا تتوقف المشكلة عند فقدان المنزل. فالانتقال إلى مكان آخر يعني في كثير من الحالات فقدان الخصوصية، وصعوبة الحصول على المياه والغذاء والرعاية الصحية، وغياب المساحات الآمنة، إلى جانب الخوف المستمر من العنف".
وأضافت "قبل الحرب كنت أعرف إلى أين أذهب إذا احتجت شيئاً، وكان لدي بيت وعمل وأسرة قريبة. لكن بعد النزوح أصبحت كل خطوة تحتاج إلى حساب. فعندما أخرج أبحث أولاً عن مكان آمن، وعندما أعود أفكر في الأطفال، وعندما ينفد المال أفكر في اليوم التالي، إذ لم يعد في حياتنا شيء مضمون".
وزادت طيفور "هذا التحول لا يعني فقط تغير مكان الإقامة، وإنما تغير الأدوار أيضاً. فالنساء اللاتي كن يتحملن جزءاً كبيراً من مسؤوليات الأسرة أصبحن في كثير من الحالات المعيلات الأساسات، خصوصاً بعد فقدان أحد أفراد الأسرة أو انفصال أفرادها بسبب النزوح".
ولفتت إلى أنه "في المقابل، فإن النساء اللاتي يعشن في مناطق القتال يواجهن أخطاراً مختلفة، من صعوبة الوصول إلى الخدمات إلى الخوف من الاعتداء، بينما تصبح القدرة على مغادرة المنطقة محدودة بسبب انعدام المال أو إغلاق الطرق أو استمرار العمليات العسكرية".
ومضت النازحة في القول "تزداد هشاشة الوضع عندما تكون المرأة مسؤولة عن أطفال أو أفراد مسنين أو مرضى، إذ تصبح قدرتها على اتخاذ قرار مستقل في شأن مكان الإقامة أو العمل أو التنقل مرتبطة بحاجات أشخاص آخرين. لذلك، فإن الحرب لم تغير حياة النساء من خلال العنف المباشر وحده، فهذا الأمر تم عبر سلسلة طويلة من الخسائر الصغيرة والمتراكمة التي تبدأ بفقدان المنزل والعمل، ولا تنتهي عند فقدان الشعور بالأمان".
صمت وخوف
مع انهيار منظومات الحماية وتراجع قدرة المؤسسات على الوصول إلى المناطق المتضررة، أصبح العنف القائم على النوع الاجتماعي واحداً من أكثر الأخطار التي تواجه النساء والفتيات في ظروف الحرب والنزوح.
وتتخذ هذه الأخطار صوراً متعددة، من العنف الجسدي والجنسي إلى التهديد والاستغلال والابتزاز، بينما تواجه الناجيات في كثير من الأحيان صعوبة في الوصول إلى الشرطة أو المؤسسات الصحية أو جهات الدعم المتخصصة.
العاملة في مجال حماية النساء خديجة صلاح ترى أنه "عندما تنهار الحماية، لا تصبح المرأة في مواجهة المعتدي فحسب، وإنما في مواجهة سلسلة كاملة من العوائق. قد لا تجد مكاناً آمناً تذهب إليه، وقد لا تستطيع دفع كلفة النقل إلى المستشفى، وقد تخاف من إبلاغ الأسرة أو المجتمع، وقد لا تعرف أصلاً أين توجد الجهة التي يمكن أن تساعدها".
وتابعت صلاح "تزداد صعوبة التعامل مع حالات العنف عندما تكون الخدمات الصحية نفسها متضررة، إذ تحتاج الناجية إلى أكثر من مجرد العلاج الجسدي. فهي قد تحتاج إلى دعم نفسي، ورعاية متخصصة، ومساعدة قانونية، ومكان آمن، وأحياناً إلى حماية مستمرة من الشخص الذي مارس العنف ضدها".
وأردفت "في ظروف النزوح، تصبح الخصوصية تحدياً إضافياً، فالأسر قد تعيش في مدارس أو مراكز إيواء أو أماكن مكتظة، مما يجعل الحديث عن الاعتداء أو طلب المساعدة أمراً بالغ الصعوبة. كما أن الخوف من الوصمة الاجتماعية قد يدفع بعض النساء إلى الصمت. وفي مجتمعات تنظر أحياناً إلى الناجية باعتبارها مسؤولة عن العنف الذي تعرضت له، يصبح الإبلاغ نفسه مصدراً للخوف".
وختمت العاملة في مجال حماية النساء إلى القول "هنا تكمن واحدة من أخطر نتائج الحرب، فقد يستمر العنف من دون أن يصل إلى المؤسسات، ليس لأنه غير موجود، وإنما لأن البيئة المحيطة بالناجية لا تسمح لها بالكلام أو الوصول إلى المساعدة".
سلسلة ضغوط
حين تتراجع الموارد الاقتصادية وتفقد الأسر مصادر دخلها، تصبح قرارات الزواج في بعض البيئات مرتبطة بصورة أكبر بالحاجة إلى الحماية أو تخفيف الأعباء الاقتصادية. وفي ظروف النزوح، قد تنظر بعض الأسر إلى الزواج باعتباره وسيلة لتوفير الأمان أو تقليل عدد الأشخاص الذين يتعين عليها إعالتهم، بينما تجد الفتيات أنفسهن أمام قرارات لا يملكن القدرة الكاملة على رفضها.
وتقول الاختصاصية الاجتماعية نجاة الهادي أنه "عندما تفقد الأسرة بيتها ومصدر دخلها وتصبح غير قادرة على تأمين حاجاتها الأساس، فإن بعض القرارات التي كانت مرفوضة في السابق قد تبدو أمامها كأنها حلول ممكنة. فالمشكلة أن الفتاة هي التي تدفع الثمن الأكبر لهذا القرار، لأنها قد تنتقل من بيئة نزوح غير مستقرة إلى زواج لم تختره".
واستطردت الهادي "لا يتوقف أثر الزواج المبكر أو القسري عند لحظة الزواج نفسها. فالفتاة قد تفقد فرصة التعليم، وتدخل مبكراً في مسؤوليات الأسرة والأمومة، وتصبح أكثر اعتماداً اقتصادياً على الزوج، مما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة في المستقبل".
وواصلت الاختصاصية الاجتماعية "كما أن الحرب قد تقطع الطريق أمام برامج حماية الفتيات التي كانت تعمل على الحد من الزواج المبكر أو إبقاء الفتيات في التعليم. وعندما تختفي المدرسة أو تصبح الأسرة في حال نزوح مستمر، يصبح من الصعب الحفاظ على المسار التعليمي. وبذلك يصبح الزواج نتيجة محتملة لسلسلة من الضغوط التي تبدأ بالحرب وتنتهي بإعادة تشكيل مستقبل الفتاة".
استغلال الحاجة
الاقتصاد هو الوجه الآخر لأزمة النساء خلال الحرب، ففقدان الوظائف وتوقف الأعمال وارتفاع الأسعار وانخفاض قيمة العملة دفعت نساء كثيرات إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، حتى في ظروف غير آمنة، إذ دخلت نساء لم يسبق لهن العمل خارج المنزل سوق العمل للمرة الأولى، وأخريات فقدن أعمالهن واضطررن إلى ممارسة أعمال أقل دخلاً أو أكثر خطورة. وبينما أصبحت الحاجة إلى المال أكثر إلحاحاً، تراجعت قدرة كثيرات على التفاوض في شأن الأجر أو ساعات العمل أو ظروفه.
جميلة أحمد عاملة تعيل أسرتها قالت "في السابق كنت أستطيع أن أرفض عملاً إذا كان راتبه قليلاً أو مكانه غير مناسب. لكن الآن عندما يقول لي شخص إن هذا هو المبلغ المتاح، فعلى الفور أفكر في الطعام والإيجار ومصاريف الأطفال، فقد أعرف أن المبلغ لا يكفي، لكنني أقبله لأن البديل هو ألا أعمل".
يرى الباحث الاقتصادي أحمد الرشيد أن "هذه المعادلة تخلق مساحة واسعة للاستغلال الاقتصادي، فالمرأة التي تحتاج إلى المال بصورة عاجلة قد تقبل أجراً أقل من قيمة العمل، أو ساعات أطول، أو بيئة لا توفر لها الحماية الكافية".
وأضاف الرشيد أن "بعض النساء النازحات يعملن في أنشطة صغيرة وغير منظمة، مثل بيع الطعام والملابس والمنتجات المنزلية أو تقديم خدمات مختلفة، لكن ارتفاع كلفة المواد وصعوبة الوصول إلى الأسواق يجعلان الأرباح محدودة".
وبيَّن أن "النساء يتحملن أعباء إضافية لا تظهر في الحسابات الاقتصادية، مثل رعاية الأطفال والبحث عن المياه والطعام والعناية بأفراد الأسرة المرضى، وهي أعمال غير مدفوعة الأجر لكنها تستهلك ساعات طويلة من يوم المرأة".
واختتم الباحث الاقتصادي حديثه قائلاً "الحديث عن تمكين النساء اقتصادياً خلال الحرب لا يمكن أن يقتصر على توفير وظيفة أو مشروع صغير، بل يجب أن يشمل بيئة آمنة ودخلاً عادلاً وحماية من الاستغلال، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساس".
حياة جديدة
بعد توقف الحرب، لن تكون حماية النساء مسألة اجتماعية منفصلة عن إعادة بناء الدولة، لأن ما حدث خلال أعوام الصراع ترك آثاراً عميقة على الأسرة والعمل والتعليم والصحة والعدالة.
تقول الباحثة في قضايا المرأة هويدا طارق إن "إعادة بناء حياة النساء لا تعني فقط إعادة فتح المؤسسات، المطلوب هو إعادة بناء الشعور بالأمان نفسه. فالمرأة التي نزحت وفقدت منزلها وعملها أو تعرضت للعنف تحتاج إلى أكثر من مساعدة مالية وإلى نظام يحميها عندما تتعرض للخطر، وخدمات صحية تستطيع الوصول إليها، وقانون يمكنها اللجوء إليه".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابعت طارق "يبدأ ذلك باستعادة الخدمات الأساس، خصوصاً الصحة والتعليم، وإعادة بناء آليات الإبلاغ والحماية، وتوفير الرعاية النفسية والاجتماعية للناجيات، إلى جانب دعم النساء اقتصادياً حتى لا يتحول الفقر إلى باب للاستغلال".
وزادت "حماية النساء تحتاج إلى معالجة الأسباب التي تجعل بعضهن أكثر هشاشة من غيرهن. فالمرأة المعيلة، والنازحة، والأرملة، والفتاة خارج المدرسة، والمرأة التي فقدت وثائقها أو مصدر دخلها، تحتاج كل واحدة منهن إلى استجابة مختلفة تراعي ظروفها".
وترى طارق أنه "لا يمكن فصل حماية النساء عن حماية المجتمع كله. فحين تصبح الأسرة بلا دخل، والمدرسة مغلقة، والمستشفى خارج الخدمة، والقانون بعيداً، تتسع المساحة التي يمكن أن ينمو فيها العنف والاستغلال".
وأشارت إلى أن "السؤال بعد الحرب لن يكون فقط كيف نعيد النساء إلى حياتهن السابقة؟ فالحرب تكون قد غيرت تلك الحياة بالفعل. والسؤال الأصعب يكون كيف يمكن بناء حياة جديدة تجعل المرأة أكثر أمناً، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأقل اعتماداً على شبكات الحماية غير الرسمية؟".
وأردفت "في السودان، دفعت النساء ثمناً كبيراً من الحرب، ليس فقط بما فقدنه من منازل وأعمال وأشخاص، وإنما بما خسرنه من شعور بالأمان. ومع استمرار النزوح وتراجع الخدمات واتساع الفقر، تصبح حماية النساء واحدة من الاختبارات الأساس لأي مسار لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة".
ولفتت الباحثة في قضايا المرأة إلى أن "السلام بالنسبة إلى المرأة لا يبدأ عندما يصبح بإمكانها أن تعيش وتعمل وتتنقل وتطلب العلاج والعدالة، من دون أن تكون حاجتها أو نزوحها أو فقرها سبباً إضافياً لتعريضها للخطر".