Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيرنهام ربما أجّج النزعات الانفصالية... فهل تنجو المملكة؟

رئيس الوزراء البريطاني يواجه مأزقاً بين وعوده بتفويض السلطة للأقاليم واستغلال القوميين تلك الوعود للمطالبة بتغيير دستوري قد يهدد وحدة البلاد

رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (أ ب)

ملخص

المشهد يضع بيرنهام أمام أصعب الاختبارات السياسية، فالرجل الذي وصل إلى الحكم متعهداً بإعادة توزيع السلطة، ربما يجد أن الأقاليم التي أراد تمكينها تستخدم المنطق نفسه للمطالبة بحقوق تتجاوز اللامركزية إلى تقرير مستقبل المملكة المتحدة ذاتها. 

تواجه المملكة المتحدة واحدة من أخطر أزماتها السياسية والدستورية في تاريخها الحديث، تهدد بتفكك المملكة إلى أربع دول، بعدما وقع قادة الأحزاب القومية، في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، على مذكرة تفاهم مشتركة تؤكد حق تقرير المصير، وتعتبر أن "زمن وستمنستر يشارف على نهايته". فالاجتماع الذي استضافته العاصمة الويلزية كارديف أمس الإثنين، سعى إلى إحياء فكرة الانفصال "السلتي"، أي استقلال الأقاليم الثلاثة والوقوف صفاً واحداً ضد هيمنة إنجلترا. 

التصعيد المفاجئ هذا الشهر لم يأت من فراغ، إذ سبقته مؤشرات سياسية لافتة، فإلى جانب المصادفة التاريخية، حيث تولي الأحزاب القومية الحكم في الأقاليم الثلاثة في الوقت نفسه، برز دور مهم لرئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام، الذي وصل إلى "داونينغ ستريت" قبل شهرين حاملاً مشروعاً يقوم على اللامركزية وتمكين الأقاليم، انطلاقاً من قناعة بأن الأزمات التي لحقت بالمملكة المتحدة ترتبط بصورة كبيرة بالمركزية المفرطة لنظام وستمنستر، وما ترتب عليه من تهميش الأقاليم. 

بيرنهام يعد بتوزيع السلطة 

ففي يونيو (حزيران) الماضي، بينما كان لا يزال عمدة مدينة مانشستر الذي يجهز نفسه لخلافه رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، تعهد بيرنهام أو كما يلقب بـ"ملك الشمال" بالعمل على لا مركزية السلطة في اسكتلندا، في إطار استراتيجية تهدف إلى "تعزيز قدرات" جميع أنحاء المملكة المتحدة، قائلاً إنه سيحدث "أكبر تغيير في أسلوب إدارة البلاد نشهده في حياتنا". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وخلال خطاب استعرض فيه رؤيته أمام الجمهور آنذاك، أعرب بيرنهام عن رغبته في إعادة توزيع السلطات والموارد في جميع أنحاء المملكة المتحدة، متعهداً بأن تؤدي إقامة "دولة تتسم بالكفاءة وانسيابية الأداء" إلى "تعزيز قدرات أرجاء البلاد كافة". وقال إن هذه العملية ستوفر "فرصاً جديدة لتوسيع نطاق اللامركزية في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، من خلال تعميق السلطة". 

ولم يتوقف بيرنهام عند ذلك، بل هاجم نظام وستمنستر ووصفه بأنه "مختل" ودعا إلى تغيير "جذري"، متعهداً بـ"جعل السياسة في خدمة المواطنين والمكان الذي يعيشون فيه"، وقال إن أيام معارضة الحكومة المركزية لتفويض السلطة إلى الدول والمناطق قد "انتهت إلى الأبد". 

إقرار ثم تراجع 

وعاد رئيس الوزراء الأسبوع الماضي بتصريحات جديدة، إذ ساوى بين الوضع الدستوري لاسكتلندا ووضع أيرلندا الشمالية، حيث يوجد مسار متفق عليه لإجراء استفتاء حدودي في شأن إعادة توحيد أيرلندا بموجب بنود "اتفاق الجمعة العظيم". وفي معرض رده على سؤال طرحه كريس لو، النائب عن الحزب الوطني الاسكتلندي، خلال جلسة مساءلة رئيس الوزراء الشهر الماضي، قال بيرنهام "لست على علم بوجود غالبية شعبية تؤيد إجراء استفتاء آخر (لاسكتلندا)، وما دام لم يتغير هذا الوضع، فلن يجرى أي استفتاء". 

واضطر بيرنهام بعدها إلى التراجع عن تصريحه، الذي يعتقد أنه أثار قلق بعض نواب حزب العمال الأسكتلندي، إذ حمل تلميحاً واضحاً باحتمالية إجراء استفتاء ثان حول استقلال اسكتلندا في حال توفر "دعم شعبي بغالبية". وشدد المستشارون الإعلاميون لرئيس الوزراء، على عدم وجود أي تغيير في موقفه السابق القائل إن إجراء استفتاء جديد هو أمر "غير وارد". 

غير أن الحزب الوطني الاسكتلندي القومي التقط هذه التصريحات، إذ اعتبر زعيم الحزب والوزير الأول جون سويني أن كلمات رئيس الوزراء ترقى إلى مستوى "الإقرار بحقيقة أن شعب اسكتلندا هو من سيقرر مستقبله بنفسه". ويقول المراقبون في لندن إن رئيس الوزراء بخطوة واحدة مفاجئة، حرر اسكتلندا و"المقاطعات الست" (أيرلندا الشمالية) من قيود تاريخهما الفريد.

ويقول الكاتب البريطاني إيان ماكويرتر ومؤلف كتاب "المملكة المنقسمة"، إن المؤيدين للاستقلال يعتقدون بوضوح أن أمراً مهماً قد تغير، حتى وإن أصر المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء على عدم حدوث أي تغيير. ويضيف أن تصريحات بيرنهام مهدت الطريق بصورة مثالية لاجتماع القوى القومية (المؤيدة للاستقلال) الذي ضم جون سويني، وميشيل أونيل الوزيرة الأولى في أيرلندا الشمالية زعيمة حزب "شين فين"، ورون أب يورويرث الوزير الأول في ويلز وزعيم حزب "بلايد كيمرو". 

فتأكيد التكافؤ الدستوري بين دول ومناطق المملكة المتحدة من شأنه بالتأكيد أن يدفع عجلة الوحدة بين الشعوب السلتية (الاسكتلندية والويلزية والأيرلندية)، ولهذا السبب سارع سويني لاغتنام تصريحات بيرنهام والمطالبة بـ"محادثات عاجلة". فقد نص اتفاق "الجمعة العظيم" على أن المملكة المتحدة ليس لديها "مصلحة استراتيجية أو اقتصادية أنانية" في إبقاء أيرلندا الشمالية جزءاً منها، ويرى القوميون أن هذا الاتفاق يكرس حق تقرير المصير في القانون.

المشهد يضع بيرنهام أمام أصعب الاختبارات السياسية، فالرجل الذي وصل إلى الحكم متعهداً بإعادة توزيع السلطة، ربما يجد أن الأقاليم التي أراد تمكينها تستخدم المنطق نفسه للمطالبة بحقوق تتجاوز اللامركزية إلى تقرير مستقبل المملكة المتحدة ذاتها. 

وحذرت قراءة أوسع لمشروع بيرنهام من أن اللامركزية الجذرية لا تضمن نتائج متطابقة في مختلف أنحاء البلاد، بل قد تفضي إلى تحولات لم تتوقعها الحكومة المركزية. فوفق تحليل نشره موقع "جي أي أس ريبورتس" في وقت سابق من الشهر الجاري، فإن مشروع رئيس الوزراء البريطاني لإعادة تشكيل الدولة البريطانية يواجه مقاومة من المؤسسات القائمة، فيما قد تؤدي الضغوط على الإنفاق والضرائب إلى أزمة مالية وسياسية تدفع حكومته، في أحد السيناريوهات المحتملة، إلى الدعوة إلى انتخابات عامة قبل موعدها بعام. ومن ثم يتزايد التحدي بالنسبة إلى بيرنهام، إذ لن يقتصر على احتواء القوميين في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، بل ضرورة إيجاد سبيل لمنع أجندته الخاصة بإعادة توزيع السلطة من التحول إلى عامل إضافي في إضعاف الحكومة المركزية نفسها. 

العودة للاتحاد الأوروبي 

يبقى لدى بيرنهام ورقة يمكنه استخدامها لتقويض هذا الانفصال، فوفق صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية، فإن القادة القوميين في الأقاليم الثلاثة لا يطالبون فقط بالاستقلال، وإنما يريدون علاقات أوثق مع الاتحاد الأوروبي. لذا ربما يناور بيرنهام بالعمل على إعادة بريطانيا لعلاقة وثيقة بالاتحاد الأوروبي، وهى واحدة من الحجج الأساسية للحزب الوطني الاسكتلندي، الذي يروج لأن الاستقلال هو الطريق الوحيد لإعادة اسكتلندا لأوروبا. وكان الوزير الاسكتلندي ستيفن جيسن، طالب بيرنهام بإعادة الصلاحيات للبرلمان الاسكتلندي التي انتقلت إلى لندن بعد بريكست، معتبراً إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي أدى إلى إعادة تركز بعض الصلاحيات التي كانت تمارس على المستوى الأوروبي. 

ويبدى رئيس الوزراء بالفعل انفتاحاً على أوروبا، ففي أغسطس (آب) الماضي أبلغ بيرنهام رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا بضرورة أن تكون لندن أكثر جرأة في السعي نحو توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك "البناء على العلاقات الدفاعية والأمنية الوثيقة التي أقيمت بالفعل بين المملكة المتحدة والحلفاء الأوروبيين، وذلك لدفع عجلة التعاون في جميع مجالات العلاقة".  

وسعت بريطانيا إلى تحسين علاقاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي منذ انتخاب حكومة حزب العمال في عام 2024، إلا أن التقدم كان بطيئاً، وسط تزايد مشاعر الإحباط لدى الجانبين في شأن ما يمكن أن تتوقعه الدولة العضو السابقة، وهي خارج المؤسسات الرئيسية للتكتل. ومن شأن الدفع نحو تسريع التقارب مجدداً من الاتحاد الأوروبي أن يسمح لبيرنهام بعرقلة ضغوط القوميين، أو سحب ورقة من يديهم. 

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير