ملخص
المرأة التي تبدأ العمل لأنها لا تجد ما تطعم به أطفالها لا تدخل سوق العمل بالضرورة بحثاً عن الاستقلال، وإنما بحثاً عن البقاء. لكن مع الوقت تتحول الضرورة إلى خبرة، حيث تتعلم إدارة المال والتفاوض والتنقل والتعامل مع المؤسسات واتخاذ قرارات كانت تُتخذ عنها في السابق.
دفعت الحرب في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 النساء إلى تولي مسؤوليات اقتصادية وأسرية كانت تُسند في كثير من البيوت إلى الرجل، لكن مع امتداد هذه الحرب وما خلفته من وفاة وفقد ونزوح وتعطل مصادر الدخل وانفصال أفراد الأسرة، لم تعد المسؤولية لدى بعض النساء مجرد استجابة موقتة، بل تحولت إلى خبرة في العمل وإدارة المال واتخاذ القرار، مما يطرح سؤالاً جديداً ماذا يحدث عندما تتغير الظروف ويعود الزوج أو يستعيد قدرته على الإعالة؟
مسؤولية مفاجئة
لم تدخل النساء السودانيات سوق العمل بالطريقة نفسها. فهناك أرملة فقدت زوجها، وأخرى لا تزال تبحث عن زوج مفقود، وثالثة نزح زوجها في اتجاه مختلف، ورابعة غادر الزوج السودان بحثاً عن عمل، بينما بقيت هي مع الأطفال، وخامسة فقد زوجها وظيفته أو أصبح عاجزاً عن العمل. وهناك أيضاً نساء لم يفقدن أزواجهن، لكنهن فقدن مصدر الدخل الذي كان يقوم عليه البيت. لهذا لا يمكن اختزال التجربة في عبارة "المرأة أصبحت المعيلة". أحياناً كان الزوج حاضراً لكنه بلا دخل، وأحياناً كان غائباً جسدياً، وأحياناً كانت الأسرة موزعة بين بلدين.
تقول ياسمين محمد، وهي سيدة في منتصف الثلاثينيات، "قبل الحرب، لم أكن أعرف حتى كم ندفع إيجار البيت، كان زوجي يعمل ويتولى المصاريف الأساسية، بينما كنت أهتم بالأطفال والمنزل. لكن مع بداية الحرب، توقف عمله، واضطررنا إلى النزوح، وأصبح المال ينفد بسرعة".
وأضافت "في البداية كنت خائفة أسأل زوجي عن كل شيء، ثم وجدت نفسي مضطرة إلى معرفة كل شيء بنفسي. كم معنا؟ ماذا سنشتري؟ أين سنسكن؟ وكيف سندفع إيجار الشهر المقبل؟ وفي ظل هذه الظروف بدأت أبحث عن أي مصدر دخل يمكن أن يساعد الأسرة، وقررت أن أعمل من المنزل في بيع بعض المنتجات، ثم توسعت تدرجاً في عملي، وأصبحت أدير المال بنفسي، وأدفع الإيجار، وأشتري حاجات الأطفال، وأتابع علاجهم، وأتفاوض مع أصحاب السكن. ففي السابق كنت أقول إن هذه مسؤوليات الرجل، لكن الحرب جعلتني أكتشف أنني أستطيع القيام بها".
واستطردت محمد "أصعب ما في التجربة لم يكن العمل أو نقص المال، بل الإحساس بأنني أصبحت مسؤولة عن حياة أشخاص آخرين. هذا التحول أحدث تبدلاً كبيراً في حياتي، فحتى لو انتهت الحرب وعاد زوجي إلى عمله، فلن أعود المرأة نفسها التي كنت عليها من قبل".
توزيع أدوار
في السياق، يقول الباحث الاجتماعي حمزة جمعة إن "الحرب لا تعيد توزيع الموارد داخل الأسرة فقط، وإنما قد تعيد توزيع السلطة والأدوار أيضاً".
وتابع جمعة "النساء لم يكنّ بعيدات عن النشاط الاقتصادي قبل الحرب، فقد شاركن في الزراعة والتجارة والعمل غير الرسمي ومجالات أخرى، لكن الحرب دفعت كثيراً من النساء إلى استخدام هذه القدرات بصورة أكثر مباشرة لتأمين بقاء الأسرة".
ولفت إلى أن "غياب المعيل أو فقدان مصدر الدخل، إلى جانب النزوح وتراجع الخدمات، جعل المرأة في بعض الأسر تتولى مسؤوليات كانت تُسند تقليدياً إلى الرجل، مثل إدارة المال، والبحث عن السكن، والتفاوض، والتنقل واتخاذ القرارات المتعلقة بالأطفال، فالمسؤولية عندما تستمر لا تبقى مجرد استجابة موقتة للأزمة، كذلك أن المرأة تكتسب مع الوقت خبرات جديدة، وتتعلم إدارة الموارد واتخاذ القرار والتعامل مع المجال العام، وهذا قد يغير تصورها عن نفسها وعن حدود قدرتها".
وواصل "استمرار الحرب لأعوام يجعل هذا التحول أكثر عمقاً، لأن المرأة لا تعود فقط تساعد الأسرة، بل تصبح طرفاً أساساً في إدارتها".
ويرى الباحث الاجتماعي أن "انتهاء الظروف التي فرضت هذا التغيير لا يعني بالضرورة العودة تلقائياً إلى الأدوار السابقة، حتى إذا عاد الزوج إلى العمل، فإن المرأة التي أصبحت تدير المال وتتخذ القرارات وتتحمل مسؤولية الأسرة تكون قد اكتسبت استقلالاً وخبرة يصعب التراجع عنهما ببساطة. لذلك قد تحتاج الأسرة بعد الحرب إلى تفاوض جديد حول الأدوار والمسؤوليات".
قوة مكتسبة
في الوجه الآخر لهذه التجربة، توجد نساء لا يتحدثن فقط عن الإرهاق والخوف، بل عن اكتشاف جانب جديد من أنفسهن، فقد تحصل امرأة على أول دخل لها بسبب حاجتها إلى شراء الطعام، لكنها قد تنتهي وهي تعرف كيف تدير مشروعاً صغيراً. وأخرى خرجت من منزلها للمرة الأولى بحثاً عن عمل، ثم أصبحت تعرف السوق والزبائن والأسعار. وثالثة اضطرت إلى السفر وحدها مع أطفالها، فاكتشفت أنها قادرة على اتخاذ قرارات كانت في السابق تنتظر أن يتخذها شخص آخر.
الباحثة الاجتماعية رجاء خالد قالت إن "الاستقلال الذي تكتسبه المرأة خلال الحرب يختلف في بدايته عن الاستقلال الذي يأتي نتيجة اختيار وتخطيط، لأنه غالباً يبدأ من الحاجة والخوف والرغبة في حماية الأسرة. لكن استمرار هذه التجربة يمكن أن يترك أثراً عميقاً في نظرة المرأة إلى نفسها وقدرتها على اتخاذ القرار".
وأردفت خالد أن "النزاع قد يضعف الأدوار الاقتصادية التقليدية للرجال، وفي المقابل يفتح أمام بعض النساء مساحات جديدة لإدارة الموارد واتخاذ القرارات داخل الأسرة. لكنه يوضح أن ذلك لا يعني تلقائياً تغير القواعد الاجتماعية الراسخة. فالمرأة التي تبدأ العمل لأنها لا تجد ما تطعم به أطفالها لا تدخل سوق العمل بالضرورة بحثاً عن الاستقلال، وإنما بحثاً عن البقاء. لكن مع الوقت تتحول الضرورة إلى خبرة، حيث تتعلم إدارة المال والتفاوض والتنقل والتعامل مع المؤسسات واتخاذ قرارات كانت تُتخذ عنها في السابق".
وبينت أن "امتلاك الدخل يرتبط تدرجاً بامتلاك مساحة أكبر في اتخاذ القرار. فإذا أصبحت المرأة هي التي تدفع الإيجار وتوفر حاجات الأطفال، فمن الطبيعي أن يصبح لها رأي أكبر في السكن والتعليم والإنفاق. وهذا ليس بالضرورة مواجهة مع الرجل، وإنما نتيجة مباشرة لتغير المسؤوليات".
ومضت الباحثة الاجتماعية في القول إن "التحدي الأكبر قد يظهر بعد الحرب عندما تنتهي الظروف التي فرضت هذا التغيير. فالمرأة التي تعلمت الاعتماد على نفسها لن تنسى بسهولة المهارات التي اكتسبتها. لذلك فإن انتهاء الحرب أو عودة الزوج إلى العمل لا يعني بالضرورة عودة الأسرة إلى شكلها السابق، فقد تحتاج الأدوار نفسها إلى إعادة تفاوض". وأكدت أن "الحرب قد لا تغير فقط ما تفعله المرأة، وإنما تغير أيضاً تصورها عن قدرتها على الفعل، فالتجربة التي عاشتها المرأة خلال أعوام الأزمة تصبح جزءاً من شخصيتها، ولذلك فإن السؤال بعد الحرب لن يكون فقط من يعول الأسرة؟ بل أيضاً كيف ستتوزع السلطة والمسؤولية داخلها؟".
عودة مربكة
تخيل بيتاً أمضت فيه المرأة أعواماً وهي تتولى المال، وتقرر أين يسكن الأطفال، وتتعامل مع المدارس والأطباء والجهات المختلفة، وربما تعمل لساعات طويلة. ثم يتحسن وضع الزوج أو يعود من الخارج أو يحصل على عمل. فما الذي سيحدث لكل ما تعلمته المرأة خلال الفترة الماضية؟
المتخصص في علم النفس حامد كمال قال إن "الحرب لا تغيّر فقط الظروف الاقتصادية للأسرة، وإنما يمكن أن تغيّر أيضاً شكل العلاقة بين أفرادها وتصور كل طرف لدوره ومكانته. فعندما تجد المرأة نفسها مضطرة إلى العمل وإدارة المال وتأمين حاجات الأطفال واتخاذ قرارات كانت في السابق تقع على عاتق الزوج، فإنها لا تكتسب دخلاً فقط، بل تكتسب خبرة وشعوراً أكبر بالقدرة على إدارة حياتها".
وأضاف كمال "لهذا فإن عودة الزوج إلى العمل بعد انتهاء الحرب لا تعني بالضرورة أن المرأة ستعود تلقائياً إلى الدور الذي كانت تؤديه قبل أبريل (نيسان) 2023. فالخبرة التي اكتسبتها خلال فترة الأزمة لا يمكن محوها بعودة الظروف الاقتصادية إلى ما كانت عليه. وإذا كانت المرأة قد أصبحت مسؤولة عن الإيجار والتعليم والعلاج والإنفاق اليومي، فمن الطبيعي أن تصبح أكثر حضوراً في القرارات المرتبطة بهذه المسائل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وزاد "لكن هذا لا يعني أن زيادة مسؤولية المرأة يجب أن تتحول إلى صراع مع الرجل أو إلى إلغاء لدوره داخل الأسرة. فالمشكلة تبدأ عندما ينظر أحد الطرفين إلى التغيير على أنه تهديد لمكانته، لكن الرجل الذي فقد عمله أو مصدر دخله خلال الحرب قد يعود وهو يحمل شعوراً بالخسارة أو العجز، وقد يرى في استعادة دوره الاقتصادي محاولة لاستعادة الاستقرار الذي فقده. وفي المقابل، قد ترى المرأة أن التخلي الكامل عن المسؤوليات التي حملتها طوال أعوام يعني التخلي عن جزء من استقلالها وخبرتها".
وبين أن "المرحلة التي تلي الحرب قد تكون حساسة جداً داخل بعض الأسر. فالمال يمكن أن يصبح مدخلاً للصراع على السلطة، خصوصاً إذا لم تكن هناك مساحة للحوار حول من يدير الموارد ومن يتخذ القرارات".
ويرى أن "الأفضل أن تنظر الأسرة إلى ما حدث على أنه تغير في توزيع المسؤوليات، وليس انقلاباً في الأدوار. فإذا عاد الزوج إلى العمل، يمكن أن تستمر المرأة في عملها أو نشاطها الاقتصادي، وأن يصبح دخل الطرفين مورداً مشتركاً للأسرة. كذلك يمكن أن تتوزع القرارات بحسب طبيعتها وخبرة كل طرف، بدل ربط حق اتخاذ القرار بمن يدفع المال".
وشدد المتخصص النفسي على "أهمية الاعتراف المتبادل، فقد يحتاج الرجل إلى الاعتراف بأن زوجته تغيرت واكتسبت قدرات جديدة، وتحتاج المرأة في المقابل إلى إدراك أن الرجل نفسه قد يكون خرج من الحرب بخسائر وتجارب أثرت في صورته عن نفسه، لذلك لا أعتقد أن السؤال الحقيقي بعد الحرب هو: هل ستعود المرأة إلى دورها القديم؟ بل السؤال الأهم هو: هل تستطيع الأسرة أن تبني صيغة جديدة للعلاقة تستوعب ما تغير لدى الطرفين؟ لأن الحرب قد تنتهي، لكن آثارها على العلاقات والأدوار الاجتماعية قد تستمر لأعوام طويلة".
دور جديد
قد يعود الرجل إلى العمل، بينما تستمر المرأة في عملها. وقد يصبح الزوجان معيلين بدل وجود معيل واحد. وقد تتغير مسؤوليات الأطفال أيضاً، فالأب الذي يطبخ أو يذهب إلى المدرسة مع أبنائه، والأم التي تعمل وتدير المال، لا يعدان أن أحدهما أخذ دور الآخر، بل إن الأسرة أصبحت أكثر مرونة. وهذه المرونة قد تكون واحدة من النتائج الاجتماعية الأقل وضوحاً للحرب.
الباحثة في شؤون الأسرة بدرية إبراهيم قالت "إذا كانت الحرب ستترك تحولاً طويل المدى في أدوار النساء السودانيات، فلن يحدث ذلك لمجرد أن النساء أصبحن يعملن أكثر. فالعمل وحده لا يضمن تحولاً اجتماعياً، لكن المهم هو أن يصبح إسهام المرأة معترفاً به داخل الأسرة والمجتمع، وألا يُنظر إلى الدخل الذي تحققه على أنه استثناء موقت أو علامة على فشل الرجل، وإنما كونه مورداً من موارد الأسرة".
وتابعت إبراهيم "في الوقت ذاته، يجب ألا يتحول الاعتراف بدور المرأة إلى تحميلها مسؤوليات إضافية. فالمرأة التي أصبحت معيلة خلال الحرب لم تتخلَّ بالضرورة عن أدوارها المنزلية، بل في كثير من الحالات أضيف العمل الاقتصادي إلى مسؤوليات الرعاية وتربية الأطفال وإدارة المنزل. لذلك فإن الحديث عن قوة المرأة خلال الحرب يجب ألا يخفي حجم العبء الذي دفعته مقابل هذه القوة، إذ تشير المعطيات الإنسانية إلى أن الأسر التي تعولها نساء تواجه أخطاراً كبيرة مرتبطة بالأمن الغذائي وسبل العيش، كذلك تتحمل النساء أعباء متزايدة في الرعاية والوصول إلى الخدمات. وهذا يجعل من الضروري ألا ننظر إلى مشاركة المرأة الاقتصادية على أنها مكسب مجرد، من دون النظر إلى تكلفتها الإنسانية والاجتماعية".
ونوهت إلى أنه "بعد الحرب، لا أعتقد أن الخيار الأكثر استقراراً هو عودة المرأة بالكامل إلى المنزل وعودة الرجل إلى موقع المعيل الوحيد، كذلك لا أعتقد أن الحل هو أن تتحول المرأة إلى المعيل الوحيد بصورة دائمة. ففي تقديري أن الأكثر قدرة على الصمود هو أن تتعلم الأسرة أن المسؤولية يمكن أن تكون مشتركة".
واستطردت "قد يعمل الرجل والمرأة معاً أو يعمل أحدهما بحسب الظروف. وقد يتولى أحدهما مسؤولية مالية أكبر في مرحلة معينة ثم تتغير الأدوار لاحقاً، فالأهم أن يصبح اتخاذ القرار قائماً على الشراكة وليس على قاعدة أن من يكسب المال هو وحده صاحب القرار".
وواصلت "كذلك علينا ألا نفترض أن جميع النساء سيواصلن العمل بعد انتهاء الحرب. فبعضهن قد يقررن العودة إلى المنزل، وبعضهن قد يتركن العمل عندما يتحسن دخل الأسرة، بينما قد تكتشف أخريات أن العمل الذي بدأته بعد الحرب أصبح جزءاً من هويتها واستقلالها الاقتصادي".
واختتمت الباحثة في شؤون الأسرة حديثها بالقول إن "التحدي الحقيقي ليس تحديد من سيكون رجل البيت بعد الحرب، وإنما بناء أسرة لا تحتاج إلى هذا التصنيف، فالمطلوب أسرة تتوزع فيها المسؤوليات والموارد والقرارات وفق القدرة والظروف، لا وفق الجنس وحده".