Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"المستنفرات"... عسكرة المرأة السودانية بين الدعاية والتغيير

رأى عدد من الباحثين والناشطين في قضايا "الجندر" أن ظاهرة تجنيد النساء في الحرب ليست معطى جديداً وإنما امتداد لمسار بدأته الحركة الإسلامية منذ تسعينيات القرن الماضي

رأت الباحثة الاجتماعية فوزية حسن أن مشاركة النساء السودانيات في القتال ليست ظاهرة عابرة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الحضور النسائي في ميادين المواجهة (وكالة السودان للأنباء - سونا)

ملخص

تجنيد النساء في اللحظة الراهنة قد يعرضهن لأخطار مزدوجة، خطر الانتهاكات من الخصم، وخطر التهميش أو الاستغلال من القوى التي جندتهن. وبينما تتاح للسودانيات فرصة لتحدي الأدوار التقليدية، يظل تمكينهن موقتاً ومقيداً ومرتبطاً بطبيعة النزاع وتوسع رقعة الحرب.

وضعت الحرب السودانية المرأة في صميم خطاب الاستنفار الشعبي وأداة للتعبئة العسكرية، ويختصر بروز ظاهرة "المستنفرات" هذا التحول، إذ أعلنت ولايات، مثل نهر النيل وكسلا والبحر الأحمر والنيل الأزرق، تخريج دفعات من النساء والفتيات بعد تلقيهن تدريبات قتالية في معسكرات خصصت لهن، في مشهد يتأرجح بين الدفاع عن النفس إزاء العنف الجنسي، وبين استدعاء وتسويغ خطاب الواجب والشرف. وهكذا، ترى المرأة السودانية تارة ضحية لعنف مفرط، وتارة فاعلة تسعى إلى امتلاك أدوات القوة ذاتها. غير أن هذا الانعطاف لا يمكن فصله عن بنية أعمق، إذ درج السودان، عبر تاريخه، على إنتاج أنماط من العسكرة لا تقتصر على الجيش وحده، بل تمتد إلى الوعي والقيم وأنماط التفكير، فالعسكرة هنا ليست مجرد مؤسسة، بل منظومة ثقافية وأيديولوجية تجعل من الحلول القسرية أولوية، وتضفي شرعية على العنف المنظم الذي مارسته الدولة في حق المجتمع السوداني، ولعل الحروب الأهلية المتعاقبة منذ الحرب الأهلية في جنوب السودان، ثم الحرب في دارفور، وحتى الحرب الراهنة، تكشف عن منظومة قائمة على العنف، وعن أمن ظل يدار بعقلية القوة لا التوافق.

وعلى هذا الأساس، لا تبدو ظاهرة "المستنفرات" سوى حلقة متجددة في سلسلة أطول، من استنفار النساء في ظل الثورة المهدية أواخر القرن الـ19، إلى "كتيبة البنات" في صفوف الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وصولاً إلى "أخوات نسيبة" في تسعينيات القرن الماضي ضمن خطاب تيار الحركة الإسلامية الحاكم، فضلاً عن حضور نسائي لافت في معسكرات المعارضة المسلحة بإريتريا مطلع التسعينيات. واليوم، يتكرر المشهد مع نساء يظهرن في خطاب الجيش، أو في صفوف "الدعم السريع" والحركات المسلحة في دارفور، بما يجعل سؤال عسكرة النساء مفتوحاً، هل هو استجابة ظرفية أملتها قسوة الحرب؟ أم انعكاس لتحول اجتماعي أعمق يذيب الفواصل بين المدني والعسكري؟

 

عسكرة متسلسلة

في أبريل (نيسان) 2024، أعلن الجيش تخريج دفعات جديدة من "المستنفرين والمستنفرات" ضمن "المقاومة الشعبية" بمدينة أم درمان، في خطوة اعتبرت بداية لتوسيع دائرة المشاركة النسائية في التدريب العسكري، وفق بيانات من منصة القوات المسلحة، وأكدها رئيس المقاومة الشعبية بمنطقة الحارة 101 آدم دينق أروب كوال الذي شدد على استمرار تدريب جميع سكان المنطقة استعداداً لما وصفه بتحرير البلاد من المرتزقة.

وفي أغسطس (آب) العام الماضي، شهدت ولاية كسلا تخريج "مستنفرات" في معسكر الشهيد قاسم صديق محمد الأمين، الكرامة 2 بحي الحلنقة، بحضور والي كسلا المكلف اللواء ركن معاش الصادق محمد الأزرق، الذي أكد دور النساء في الاستعداد النفسي والبدني للدفاع عن الأرض إلى جانب القوات المسلحة. وقد امتدت التجربة إلى مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، إذ التحقت عشرات النساء بمعسكرات التدريب، في إطار إعداد مقاومة شعبية نوعية تتضمن التسليح بأنواع مختلفة من الأسلحة، وصولاً إلى القناصات والمسيرات، كما صرح اللواء معاش بحري موسى أحمد موسى، رئيس المقاومة الشعبية.

في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، اطلع والي جنوب كردفان محمد إبراهيم عبدالكريم على الخطة التشغيلية للجان الاستنفار والمقاومة الشعبية، وجرت المصادقة عليها بعد إدخال التعديلات اللازمة، في وقت أشارت مسؤولة المرأة بالمقاومة الشعبية سمية كافي طيار إلى أهمية استعداد المرأة لدعم المقاومة والمشاركة في برامج متعددة، تشمل الخدمات الأساسية وكتائب استراتيجية لسد الثغرات.

في فبراير (شباط) الماضي، احتفلت لجنة الاستنفار والمقاومة الشعبية بمحلية دنقلا بتخريج دفعة جديدة من "المستنفرات"، بحضور ممثل والي الولاية الشمالية وعدد من القيادات العسكرية، وتم تأكيد أن هذه العملية جزء من تنفيذ إعلان عمليات الاستنفار والتعبئة العامة.

أما في يونيو (حزيران) الماضي، فشهدت قرية أبو فروع بولاية الجزيرة تخريج الدفعة الثانية من "المستنفرات"، في وقت أشار والي كسلا المكلف إلى دور "المستنفرات" في التدريب وحمل السلاح، مؤكداً أن النساء يلعبن دوراً مزدوجاً عسكرياً ومدنياً، يشمل الدفاع عن الوطن والمشاركة في أعمال النظافة ودعم النازحين، في وقت بلغ عدد معسكرات التدريب الخاصة بالنساء ثمانية معسكرات موزعة على مناطق مختلفة.

معركة شاملة

وكشفت اللواء عائشة النور، القيادية في قوات حركة تحرير السودان عضو القوات المشتركة، خلال تفقدها جرحى "معركة الكرامة"، امتداد مشاركة النساء في القتال داخل الحركات المسلحة منذ تأسيسها، ولا سيما في إقليم دارفور منذ عام 2003. ونفت أن تكون مشاركة المرأة حدثاً استثنائياً أو وليد اللحظة، مؤكدة أن للحركة "مئات المقاتلات" اللاتي انخرطن في الصفوف الأمامية، وأن "ما برز من صور مقاتلات أخيراً، ليس سوى تجل لما ظل مستمراً منذ سنوات".

من زاوية أخرى، كشفت تصريحات النور عن تحول في صورة المرأة المقاتلة من استثناء فردي إلى مكون جماعي في الحركات المسلحة، فهي لم تعد مجرد عنصر داعم خلف خطوط القتال، بل أصبحت فاعلاً مباشراً في العمليات العسكرية، وواجهة خطابية تستنهض العزائم، كما فعلت في مناشدتها الأسر والأمهات بولاية البحر الأحمر للوقوف خلف أبنائهن ودعم المصابين، وفي ذلك تتضح جدلية مزدوجة، من جهة تمكين للمرأة في أدوار غير تقليدية، ومن جهة أخرى توظيفها في خدمة منطق الحرب الذي يستهلك المجتمع.

إلى جانب ذلك، تبرز مريم عبدالله، القيادية في جيش تحرير السودان، التي اشتهرت بلقب "أم الجيش"، كرمز آخر لتمثل النساء في ساحات القتال. فقد انخرطت في القتال بعد مقتل زوجها، وشاركت في ما لا يقل عن 17 معها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قلب الصراع

في السياق، رأت الباحثة الاجتماعية فوزية حسن أن مشاركة النساء السودانيات في القتال ليست ظاهرة عابرة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الحضور النسائي في ميادين المواجهة، وأكدت أن أي نقاش جاد حول دور المرأة في المجال العام لا يمكن أن يستثني حقها في الانخراط في القتال متى رأت أن ذلك يمثل تعبيراً عن مشاريعها الفكرية والسياسية، أو وسيلة للدفاع عن الذات والكرامة في سياقات يغلب عليها العنف والانتهاكات.

أضافت حسن أن الجذور التاريخية لهذه المشاركة واضحة، "فقد برزت نماذج نسائية منذ الثورة المهدية، مثل رابحة الكنانية التي أدت أدواراً استخبارية مؤثرة، مروراً بانتساب النساء إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقوات التجمع الوطني الديمقراطي، وصولاً إلى الحرب الراهنة، إذ ظهرت المستنفرات في معسكرات الجيش، ومقاتلات في صفوف الحركات المسلحة و"الدعم السريع". هذه الوقائع، تؤكد أن المرأة السودانية ليست على هامش الصراع، بل في قلبه منذ عقود، وتابعت الباحثة الاجتماعية "قدم الإسلاميون في ظل نظام الرئيس السابق عمر البشير تنظيراً متماسكاً حول مشاركة النساء في القتال، مستندين إلى تجارب تاريخية في التراث الإسلامي، مثل نسيبة بنت كعب وخولة بنت الأزور". في المقابل، رأت حسن أن الاعتراض على مشاركة النساء في القتال غالباً ما يستند إلى تقسيم تقليدي للأدوار بين الجنسين، وهو تقسيم لم يعد مقنعاً في ظل الدعوات المتزايدة إلى مساواة المرأة بالرجل في مختلف ميادين العمل العام.

وفي ما يخص ظروف الحرب الحالية، أشارت إلى أن النساء تعرضن لانتهاكات جسيمة، خصوصاً العنف الجنسي، وأن امتلاكهن السلاح يتيح لهن فرصة أكبر للدفاع عن أنفسهن، ويشكل رادعاً محتملاً لمرتكبي تلك الجرائم، "من هنا، فإن انخراطهن في القتال لا يختزل في بعد أيديولوجي أو تنظيمي فقط، بل يتصل أيضاً بمطلب الحماية الشخصية والجماعية"، وقالت أيضاً "الاستغراب من مشاركة النساء في الحرب السودانية غير مبرر، فهن محاربات منذ القدم، والظاهرة تتسق مع تجارب عالمية واسعة. وبذلك، فإن حضور المرأة في ساحة الحرب ليس خرقاً للقواعد، بل استمرار لمسار تاريخي عالمي وإقليمي، يعكس إرادة النساء في التعبير عن أنفسهن بأدوات قد تكون عسكرية بقدر ما هي سياسية واجتماعية".

أخطار مزدوجة

ورأى عدد من الباحثين والناشطين في قضايا "الجندر" أن ظاهرة تجنيد النساء في الحرب السودانية الراهنة ليست معطى جديداً، وإنما امتداد مباشر لمسار بدأته الحركة الإسلامية منذ تسعينيات القرن الماضي، فالجيش السوداني حين أعلن معسكرات "الكرامة" لتدريب "المستنفرات" أعاد إنتاج أنماط قديمة من عسكرة النساء ظهرت في ما كان يعرف بـ"أخوات نسيبة"، اللاتي جرى تأهيلهن وفق خطاب تعبوي ديني وسياسي يجعل من القتال جزءاً من واجب المشاركة العامة.

وأكدت عضو مبادرة "لا لقهر النساء" أماني نور الدين أن استدعاء النساء للقتال لا يمكن فصله عن تلك الخلفية، إذ إن استدعاء الذاكرة القديمة، والرمزية المرتبطة بنماذج تاريخية، استخدما لتبرير عسكرة المرأة السودانية عبر خطاب أيديولوجي، غايته تعبئة المجتمع في لحظات الأزمات، واعتبرت أن ما يجري اليوم يعكس استمرار هذا النهج، إذ يستحضر خطاب "حماية النساء" في حين أن الواقع يشير إلى استخدامهن كأداة في الصراع على السلطة.

أما الناشطة النسوية تيسير عبدالله فأشارت إلى أن مشاركة النساء في الحركات المسلحة السابقة، مثل الجيش الشعبي لتحرير السودان وقوات التجمع الوطني، كانت في سياق مقاومة نظام سياسي بعينه، بينما الوضع الحالي مختلف، إذ يتصل بغياب معايير واضحة، وانخراط طرفين مسلحين لا يلتزمان بالضرورة بقوانين الحرب أو قواعدها. من هنا، فإن تجنيد النساء، في ظل الصراع الحالي، قد يعرضهن لأخطار مزدوجة، خطر الانتهاكات من الخصم، وخطر التهميش أو الاستغلال من القوى التي جندتهن. وأوضحت عبدالله أن استقطاب النساء لمعسكرات التجنيد يجري غالباً بدافع حماية الذات، بخاصة بعد انتشار جرائم العنف الجنسي، غير أن التدريب السريع، وفي مراكز متواضعة، لا يضمن لهن قدرة حقيقية على حماية أنفسهن في مواجهة قوات نظامية مدربة، بل إن هذه الظاهرة، في رأيها، قد تفتح الباب لانتهاكات أخرى داخل تلك المعسكرات ذاتها، مما يجعل الأمر مؤشراً مقلقاً على الصعيدين النفسي والاجتماعي. وأضافت "ظاهرة تجنيد النساء في الحرب الحالية ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من عسكرة المجتمع السوداني، إذ يجري تحويل الفئات الأكثر هشاشة إلى أدوات في صراع مسلح لم يترك مجالاً آمناً للحياد. وبينما يبررها بعضهم باعتبارها شكلاً من أشكال الحماية أو المشاركة العامة، فإن قراءتها في سياقها التاريخي والسياسي تكشف عن استمرارية نهج الحركة الإسلامية في توظيف النساء ضمن مشروع عسكري وأيديولوجي، لا يخلو من كلفة إنسانية باهظة".

اختبار حاسم      

تبرز ظاهرة "المستنفرات" وعسكرة المرأة في السودان كانعكاس عميق للأزمة البنيوية التي تواجه الدولة والمجتمع على حد سواء، فالانهيار المؤسسي للدولة، إلى جانب استمرار الحرب، خلقا فضاءات تجبر فيها النساء على الانخراط في النزاع، سواء لحماية أنفسهن أم دفاعاً عن مجتمعاتهن، في حين تستغل هذه المشاركة أحياناً لتعزيز مصالح سياسية وشخصية لأطراف الحرب. وفي الوقت نفسه، توضح هذه الظاهرة تداخلاً مزدوجاً بين تمكين قسري وإضعاف ممنهج، إذ تصبح المشاركة العسكرية فرصة لاكتساب مهارات وخبرات جديدة، لكنها تأتي على حساب سلامتهن الجسدية والنفسية.

لم تكتف "المستنفرات" بأدوار الحماية الذاتية، بل تحولن إلى رموز تعبوية توظف سياسياً وإعلامياً لتسويق صورة عن الشجاعة والتضحية، في حين يغفل عنهن في محادثات السلام وفي توزيع الموارد الأساسية بعد انتهاء المعارك. هذه الممارسة تؤكد أن الحرب لم تعد مجرد صراع مسلح، بل سوقاً سياسية، إذ يصبح العنف أداة وقيمة، والنساء، على رغم مشاركتهن، غالباً ما يصنفن كأدوات رمزية قبل أن يحتفى بإنجازاتهن الفعلية. والمفارقة التي أثبتتها الحرب السودانية هي أنه بينما تتاح للنساء فرصة لتحدي الأدوار التقليدية، يظل تمكينهن موقتاً ومقيداً، مرتبطاً بطبيعة النزاع وتوسع رقعة الحرب، ويشكل المستقبل، بعد انتهاء الحرب، اختباراً حاسماً لمدى استيعابهن في مشاريع إعادة بناء الدولة وفقاً لقدرة السياسات الوطنية والدولية على إرساء أطر حماية شاملة، وإنصاف جنساني، واستيعاب الخبرات المكتسبة في المجالات المدنية والسياسية، بدلاً من إغفالهن بمجرد انتهاء النزاع.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير