ملخص
المواقع القبصية، ولا سيما ما يعرف بالرماديات، مكّنت الباحثين من التعرف إلى جوانب من الحياة اليومية للقبصيين، من خلال الأدوات الحجرية وبقايا الحيوانات والنباتات، بما يعكس طبيعة البيئة التي عاشوا فيها والتي كانت أكثر رطوبة وخضرة من البيئة الحالية.
بعد أكثر من قرن على اكتشاف الحضارة القبصية، تعود مدينة قفصة التونسية اليوم لتكون مركزاً للنقاش العلمي حول واحدة من أبرز حضارات ما قبل التاريخ في شمال أفريقيا، من خلال المؤتمر الدولي حول الحضارة القبصية الذي نظمه المعهد الوطني للتراث بالشراكة مع جمعية صيانة مدينة قفصة، وتحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، بمشاركة باحثين من تونس والجزائر وليبيا وفرنسا وإيطاليا.
تناول المؤتمر مختلف جوانب الحضارة القبصية عبر مداخلات علمية متعددة الاختصاصات، ونوقش أيضاً ملف تسجيل موقع "المقطع" في قفصة جنوب غربي البلاد، ضمن قائمة التراث العالمي للـ"يونيسكو"... فإلى أي مدى نجحت تونس في حماية المواقع القبصية وتثمينها والتعريف بها؟ وهل يمكن أن يتحول السعي إلى إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي لليونيسكو إلى مشروع حقيقي لحماية هذا التراث وتنمية المنطقة؟
في هذا السياق، قال مدير دائرة المسح العام والبحوث في المعهد الوطني للتراث منير فنتر إن الحضارة القبصية تمثل إرثاً حضارياً ومعرفياً يمتد على مدى نحو 120 عاماً من البحث والإشعاع المعرفي، مؤكداً أن هذا الموروث يحمل قيمة استثنائية تؤهله لأن يحظى بإشعاع دولي وعالمي.
وأوضح خلال تصريح خاص أن العمل يتجه نحو إدراج الحضارة القبصية ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، مشيراً إلى أن الملف أصبح اليوم ضمن القائمة التنفيذية للمنظمة، مما يمثل خطوة مهمة في مسار تثمين هذا الموروث الحضاري.
وأضاف أن إعداد الملف يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، باعتباره يقوم على البحث العلمي والعمل الميداني، فضلاً عن إشراك المجتمع المدني وعدد من الأطراف والجهات المعنية، لافتاً إلى وجود فريق عمل مكلف متابعة مختلف مراحل إعداد الملف.
وأكد أن مسار تسجيل الحضارة القبصية ضمن قائمة التراث العالمي يمر بمراحل عدة، من بينها استكمال الملف العلمي وإحالته إلى الجهات المتخصصة، وصولاً إلى تقديمه في أفضل الظروف، معرباً عن الأمل في أن تتوج هذه الجهود بالنجاح، وأن تحظى الحضارة القبصية بالمكانة التي تستحقها على المستوى الدولي.
رؤية وطنية
من جهته قال الباحث ماجد البرهومي إن عقد المؤتمر العلمي الدولي بقفصة بمناسبة مرور 120 عاماً على اكتشاف الحضارة القبصية، يمثل محطة مهمة في تاريخ البحث الأركيولوجي.
وأوضح في تصريح خاص أن المؤتمر يهدف إلى تحيين المعارف العلمية وإعادة قراءة المواقع الأثرية باستخدام تقنيات التأريخ الحديثة، بما يعزز البحث حول أهمية المركز القفصي وتواتر الاستيطان به.
وأضاف البرهومي أن المؤتمر يفتح المجال لربط التراث بالتنمية عبر تثمين الحضارة القبصية في مجال السياحة الثقافية، مشيراً إلى أن الأوراق العلمية المقدمة ستشكل قاعدة لإعداد الملف المفاهيمي الموجه إلى الـ"يونيسكو".
وشدد على ضرورة اعتماد رؤية وطنية لتسجيل الحضارة القبصية ضمن قائمة التراث العالمي باسم الجمهورية التونسية، باعتبار تونس، وفق طرحه، مهد نشأتها.
أبرز الثقافات الأثرية في المنطقة
من جهته أفاد الدكتور لطفي بالهوشات بأن الثقافة القبصية تُعد من أبرز الثقافات الأثرية التي عرفتها تونس وشمال أفريقيا، وامتدت تقريباً بين عامَي 7500 و4000 قبل الميلاد، شارحاً أن تسميتها ارتبطت بالاسم القديم لمدينة قفصة، "كابسا".
وأوضح بالهوشات أن الإنسان القبصي لم يكُن أقدم إنسان عاش في تونس، إذ سبقته ثقافات أقدم، من بينها الثقافة الموستيرية التي تعود لعصور ما قبل التاريخ، ومن أبرز شواهدها "هرمايون القطار" بمحافظة قفصة، وهو معلم أثري يُعد من أقدم الشواهد على الممارسات الرمزية لدى الإنسان في شمال أفريقيا.
وبيّن بالهوشات أن المواقع القبصية، ولا سيما ما يعرف بالرماديات، مكّنت الباحثين من التعرف إلى جوانب من الحياة اليومية للقبصيين، من خلال الأدوات الحجرية وبقايا الحيوانات والنباتات، بما يعكس طبيعة البيئة التي عاشوا فيها والتي كانت أكثر رطوبة وخضرة من البيئة الحالية.
وأضاف أن من أبرز اللقى المرتبطة بالثقافة القبصية قشور بيض النعام التي استُخدمت في صناعة أدوات وأوعية مختلفة، وعثر كذلك على قطع مزخرفة بنقوش هندسية لافتة، يرى بعض الباحثين أن بينها أوجه تشابه مع بعض الزخارف التي استمرت في الفنون التقليدية بشمال أفريقيا.
ولفت إلى أن غياب عظام النعام في بعض المواقع، مقابل العثور على قطع وأدوات مصنوعة من قشور بيضه، أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الإنسان القبصي والنعامة، وفتح المجال أمام فرضيات تتعلق بمكانتها الرمزية، وربما الدينية، وهي فرضيات تحتاج إلى مزيد من البحث والأدلة الأثرية.
وأكد أن دراسة الثقافة القبصية تظل مهمة لفهم تاريخ الإنسان في تونس وشمال أفريقيا، ليس فقط من خلال أدواته، وإنما أيضاً من خلال أنماط عيشه وممارساته وبيئته ومعتقداته، بما يسهم في إعادة قراءة جانب مهم من تاريخ المنطقة خلال عصور ما قبل التاريخ.
إرث ما قبل التاريخ في تونس
تُعد الحضارة القبصية من أبرز الثقافات الأثرية التي تعود لعصور ما قبل التاريخ في تونس، وامتد مجالها الجغرافي أساساً في مناطق من الوسط والجنوب الغربي، ولا سيما القصرين وفريانة وقفصة التي ارتبط بها اسم هذه الحضارة.
وتعود الحضارة القبصية، وفق المعطيات الأثرية، لفترة تمتد تقريباً بين الألفية السابعة والخامسة قبل الميلاد، أي قبل ظهور الكتابة بآلاف الأعوام، مما يجعلها جزءاً من مرحلة ما قبل التاريخ.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكشفت الحفريات الأثرية عن مظاهر متعددة من حياة الإنسان القبصي، من بينها تطور أنماط السكن والغذاء واستخدام الأدوات الحجرية المصنوعة من الصوان، فضلاً عن ممارسة الصيد وتدجين بعض الحيوانات، وتشير أيضاً إلى اعتماد الإنسان القبصي على موارد غذائية متنوعة، من بينها الحلزونات.
وتكشف المعطيات الأثرية كذلك عن جوانب من المعتقدات والطقوس الجنائزية لدى القبصيين، من خلال العثور على مدافن وحوانيت، وهي قبور محفورة في الصخر، إضافة إلى منشآت ارتبطت بالممارسات الدينية والجنائزية.
وتوفر هذه المكتشفات اليوم مادة علمية مهمة للباحثين في علم الآثار والأنثروبولوجيا، لفهم أنماط حياة المجتمعات البشرية التي عاشت في تونس قبل ظهور الكتابة، وإبراز مكانة الحضارة القبصية ضمن تاريخ المنطقة المغاربية وحوض المتوسط.