Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجذور العربية في الحضارة السواحيلية بشرق أفريقيا

بدأ الأثر العربي قبل انتشار الإسلام من شرق القارة الأفريقية إلى قلبها

فولكلور سواحيلي في كينيا (صفحة سواحيلي - فيسبوك)

طبقاً للمعنى اللغوي، فإن كلمة سواحيلي أصلها عربي، وتعني رجل الساحل. واصطلاحاً: الشخص الذي ليس لأجداده أي لغة أخرى غير السواحيلية، وهو من أهل ساحل شرق أفريقيا والجزر المجاورة له، ويعتبر الدين الإسلامي من أهم مظاهر الحضارة السواحيلية.

على الرغم من الدور العماني الواضح في نشر الإسلام في شرق أفريقيا، لم ينتشر المذهب الإباضي – وهو مذهب آل بوسعيد – بشكل واسع، لأن الحكام البوسعيديين بحسب ما ورد في كتاب "الحضارة السواحيلية في شرق أفريقيا والأثر العربي فيها" (الهيئة المصرية العامة للكتاب) للباحثين وائل نبيل إبراهيم وصالح محروس محمد، كانوا يقدمون المصالح التجارية على الشؤون السياسية والدينية. ومن ثم فإن السائد بين السواحيليين هو المذهب الشافعي.

وكان من آثار ما حققه الإسلام من تقدم كبير قبل وصول القوى الاستعمارية أن حلَّ التقويم الإسلامي في أجزاء كبيرة من أفريقيا، وكتبت اللغة السواحيلية بحروف عربية، ودخلت كلمات عربية كثيرة في عدد من اللغات الأفريقية. ومن تلك الآثار تسميات المدن مثل دار السلام عاصمة تنزانيا. وقام العرب بدور حضاري في نشر عادة اللبس المحتشم وترْك العادات البدائية مثل عادة العري. والسواحيليون من أصل عربي لا تكتمل زينة ملابسهم إلا بالسيف والخنجر. وتأثر المسلمون الهنود من السواحيليين بالإسلام، عبر ما اكتسبوه من عادات اجتماعية في المأكل والمشرب وفي طقوس الزواج واعتبار الأسرة عمود الجماعة، ومظاهر الاحتفال بشهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى.

اللغة والهوية

ولاحظ الباحثان أن الحضارة السواحيلية نتجت عن التمازج بين السواحيليين والعرب، في 13 دولة في شرق ووسط أفريقيا، وبلغت أزهى عصورها في عهد سعيد بن سلطان (1806 –1856). ونشأت اللغة السواحيلية في القرنين السابع والثامن الميلاديين، وترجع نسبة 25 في المائة من مفرداتها إلى اللغة العربية، وما تبقى يرجع إلى لغة الباانتو، وحتى منتصف القرن التاسع عشر كانت تكتب بحروف عربية، ويتحدث بها أهل ساحل شرق أفريقيا من جنوب الصومال إلى شمال موزمبيق، وكذلك كثير من أهل تنزانيا وكينيا وأوغندا، ورواندا وبوروندي وملاوي وزامبيا والكونغو الديموقراطية.

ويبلغ إجمالي الناطقين بالسواحيلية خارج منطقة شرق ووسط أفريقيا نحو 50 مليون نسمة، ومنهم بعض سكان عمان ومدغشقر وجنوب أفريقيا وجيبوتي. واللغة السواحيلية معتمدة في الاتحاد الأفريقي، كإحدى اللغات الرسمية في أفريقيا. وكان لانتشار اللغة السواحيلية أثر كبير في نشر الإسلام بين القبائل التي تقيم على الساحل وتلك التي تقيم حول الطرق الرئيسية الممتدة من الساحل إلى بحيرة نياسا. والأدب السواحيلي، يشمل الشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح. وأول رواية سواحيلية هي "حرية العبيد" للكيني جيمس مبوتيلا وكتبت عام 1934.

ويعد الغناء من صميم الحضارة السواحيلية، ومن أنماطه Taarabu بمعنى طرب، وهي كلمة ذات أصل عربي، ودخل هذا النمط الغنائي إلى زنجبار منذ عام 1870 عندما دعا السلطان برغش فرقة موسيقية مصرية للعزف والغناء في قصره، ثم أرسل محمد بن إبراهيم إلى القاهرة ليتعلم الغناء والعزف على آلة القانون. وكان قوام أول فرقة لأغاني الطرب في زنجبار وهي "إخوان الصفا" من سواحيليين ذوي أصول عربية. وتصاحب الغناء السواحيلي عموما آلات موسيقية عربية مثل العود والقانون والمزمار والناي.      

الجذور المختلطة      

وكانت كلمة سواحيلي مرادفة لكلمة مسلم لسنوات طويلة. ثم انقسمت إلى أفريقي وعربي لأسباب سياسية. ومع ذلك فإن متحدثي السواحيلية معظمهم مسلمون، سواء أكانوا من أحفاد الأفارقة أم العرب أم الفرس. وللسواحيلي سمات زنجية محتلطة بدماء آسيوية وعربية موروثة. ومنهم "الباجون"، أو "الواتيكو"، ويعيشون على الساحل والجزر الممتدة جنوب الصومال، وحرفتهم الرئيسة الملاحة والصيد ويتكلمون لهجة سواحيلية خاصة بهم. 

وبحسب الباحثيْن، تمتد جذور العلاقة بين العرب العُمانيين والسواحيليين إلى قرون عديدة، بدليل أن الإغريق والرومان أطلقوا على ساحل شرق أفريقيا اسم "عزانيا" Azania نسبة إلى إحدى الممالك العربية القديمة وهي مملكة عزان، التي يقال إنها وًجِدت في منطقة ما جنوب الجزيرة العربية في فترة سابقة على ظهور الإسلام، وانتقل سكانها إلى شرق أفريقيا حيث نسب الإغريق والرومان هذا الساحل إليهم فيما بعد، بحسب ما ورد في كتاب جمال زكريا قاسم "الأصول التاريخية للعلاقات العربية الأفريقية".

ومنذ وصول هؤلاء العرب العُمانيين وانتشارهم على ساحل شرق أفريقيا قويت الصلات السواحيلية العمانية وامتزجت الحضارة العربية والإسلامية بالحضارة السواحيلية، ومن ثم ظهر الأثر العربي والإسلامي في الحضارة السواحيلية. وكلمة حضارة نقابلها في السواحيلية كلمة Ustaarabu وهي مقترضة من اللغة العربية حيث إنها مشتقة من الفعل Staarabika الذي يعني: تمدن وتحضر، وهذا الفعل ذو أصل عربي من الفعل استعرب، أي صار دخل في العرب وجعل نفسه منهم. واسم الفاعل منها Mstaarabu بمعنى متحضر ومتمدن، وقد استخدم السواحيليون هذه الكلمات ذات الأصل العربي للدلالة على أن العرب هم أصل الحضارة ومنشئوها.

دور البوسعيديين

جاء الكتاب في أربعة فصول وخاتمة. الفصل الأول بدأ بالحديث عن الوجود العُماني في شرق أفريقيا وأنهم كانوا سبباً في نهضة الحضارة السواحيلية، موضحاً أن بداية وجودهم في هذه البقاع كان نتيجة للهجرات التي توافدت على زنجبار، ثم أصبحت زنجبار عاصمة لسلطنة عمان ومركزاً للحضارة السواحيلية، وأسهم البوسعيديون في نهضة هذه الحضارة وازدهارها. ويعرض الفصل الثاني لمظاهر تلك الحضارة المتمثلة في الهوية السواحيلية، والدين الإسلامي والعادات والتقاليد التي تشمل: الولادة والزواج والوفاة واعزاء والملابس والمأكل والمشرب، وطقوسهم في الاحتفال بالأعياد والمناسبات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومنها أيضاً اللغة وآدابها، وفن البناء والعمارة، وآلات الموسيقى والطرب، وصناعة السفن. وتطرق الفصل الثالث للحديث عن بعض الشخصيات التي لها أصول عمانية، مثل الشيخ علي محسن البرواني، والشيخ عبد الله صالح الفارسي، ومبارك الهنائي، والشيخ علي بن عبد الله المزروعي، والبروفيسور الأمين محمد مزروعي، وإسهاماتهم الفكرية التي كانت سبباً في نشر الحضارة السواحيلية. ويلقي الفصل الرابع الضوء على الجهود العمانية التي خدمت أبناء اللغة السواحيلية، وتتمثل في ترجمة معاني القرآن الكريم بواسطة الشيخ عبد الله صالح الفارسي، وترجمة كتاب "المنتخب في تفسير القرآن الكريم" بواسطة الشيخ علي محسن البرواني، وترجمة صحيح البخاري للشيخ عد الله محسن البرواني، وكتيب "فلنتعلم اللغة العربية" لعلي محسن البرواني، والقاموس الوجيز عربي – سواحيلي لعبد الهادي حامد مرزوق.

ركوب البحر

هناك عامل بشري مهم في توثيق العلاقة بين العرب وشرق أفريقيا، يتمثل في تفوق العرب (وبالأخص عرب عمان) في ركوب البحر، حيث إنهم عرفوا الانتقال عبر المحيط الهندي بحدوده المترامية عند الهند من ناحية، وعند جزر وساحل شرق أفريقيا من ناحية أخرى. وكانت هذه بالتحديد مساحة الاحتكاك الحضاري بين الشعب العماني على مر الزمان والشعوب القاطنة في هذه الحدود الشرقية والجنوبية والغربية للمحيط الهندي بحسب ما ورد في كتاب "الإباضية في الخليج العربي في القرنين الثالث والرابع الهجريين" لعيد جابر السهيل.

وزادت الهجرة العربية إلى شرق أفريقيا عقب انهيار سد مأرب، بحثاً عن مأوى ومصدر رزق خارج شبه الجزيرة العربية. وتكونت إمارات عربية في شرق أفريقيا في العصور الوسطى مثل مقديشو وبراوه وباتي ولامو ومالندي وممباسا وكيلوا، وغيرها، وكان حكامها مستقلين وكانت تقوم بينهم حروب أحياناً ومثَّل العرب فيها الطبقة الأرستقراطية.

وازدادت هذه العلاقات قوة بعد ظهور الإسلام، فأنشأ التجار العمانيون الكتاتيب لتعليم القرآن الكريم، وبنوا المساجد لأداء الشعائر ولتعليم الأفارقة قواعد الإسلام. ومع انتشار الإسلام اتسع نطاق الملاحة البحرية العربية الإسلامية في المحيط الهندي، وتزامن ذلك مع ازدياد معدلات الهجرة العربية إلى شرق أفريقيا، ومن أهمها تلك التي قادها الأخوان سليمان وسعيد ابني عبَّاد الجلندي من قبيلة الأزد، وهما من شيوخ العرب الذين حكموا عُمان أيام الدولة الأموية، ولما فشل تمردهما على الخليفة عبد الملك بن مروان فرَّا مع أنصارهما إلى الساحل الأفريقي، وتلتها هجرة الزيدية بعد اضطهاد الأمويين لهم. وعندما قامت الدولة العباسية انتشر الأمويون وأتباعهم في شمال أفريقيا والأندلس، وشرق أفريقيا.

ومن الهحرات العمانية الأخرى هجرة أهل صحار والباطنية فراراً من اضهاد العباسيين للإمامة الإباضية في عُمان. ولعل من أهم الهجرات العربية في القرن العاشر الميلادي، هجرة الإخوة السبعة من قبيلة الحارث، فقد هبطوا إلى الساحل الشرقي لأفريقيا وامتد نفوذهم حتى جنوب ممباسا، وهم الذين أسسوا مدينة مقديشو. وكذلك هجرة النباعنة في القرن الثالث عشر الميلادي. وتدفقت الوفود العربية العمانية إلى شرق أفريقيا بعد أن نقل السلطان سعيد بن سلطان العاصمة إلى زنجبار عام 1832. ومن ثم كان للعمانيين وجود وأثر واضح في تكوين الحضارة السواحيلية ونهضتها. وظهر هذا الأثر في الهوية السواحيلية والدين الإسلامي والعادات والتقاليد واللغة وآدابها.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب