ملخص
في كتابه "العمران: فلسفة الحياة في الحضارة الإسلامية"، يستكشف الباحث المصري خالد عزب أسس علم سبق أن كتب ابن خلدون عنه في "المقدمة"، من منظور محدود هو الاجتماع الإنساني، فيتجاوز الدراسات التقليدية ليستفيض في الإحاطة بتتبع جذوره، التي ترجع إلى القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي.
في مقدمة كتاب "العمران: فلسفة الحياة في الحضارة الإسلامية" (الدار المصرية اللبنانية)، يؤكد خالد عزب أنه عكف على عدد كبير من الكتب التراثية بحثاً وتحليلاً ليضع يده على أسس بناء علم العمران، "فأساسات هذا العلم راسخة لكنها كانت مغطاة، فكشفت عنها الغطاء ثم قمت برفع الجدران على هذه الأساسات".
وينطلق خالد عزب في هذا المضمار الذي خصص له أعواماً طويلة من الجهد البحثي، من قناعة مفادها أن علم العمران بدا له في حاجة إلى تأسيس ينطلق منه إلى فهم أعمق لمعطيات الحضارة الإسلامية يحيى قيمتها ويثمن منجزاتها، وننطلق منه نحو المستقبل. ويرى عزب أن العمران هو علم الحياة الذي أسست له الحضارة الإسلامية، "علم يؤدي بنا إلى أن نعرف كيف نحيا على هذه الأرض، ونتمتع بكل ما أعطاه الله لنا من نعم ونتحدث بهذه النعم"، كما ذكر جلال الدين السيوطي ضمن مذكراته "التحدث بنعمة الله".
تفاعلات حضرية
أما مجالات العمران فهي، كما يحدده عزب، الأنشطة الإنسانية على الأرض وما يترتب عليها من تفاعلات حضرية، سواء في مجال المستقر الحضري (مدن/ قرى/ بدو)، أو في مجالات الإنتاج (زراعة/ صناعة)، أو في مجالات الخدمات المختلفة، أو التجارة، وما يتصل بذلك من تطورات معرفية وفكرية تعكس نمو وارتقاء الإنسان عبر العصور، بما فيها ممارسة السلطة في مستوياتها المتعددة.
وهنا، كما يقول خالد عزب، لدينا إطاران للطرح، إطار نظري يؤطر لعلم العمران، وآخر عملي واقعي، سبق أن تناول جانباً منه في كتابه "فقه العمران". ومن ثم فإن هذا الطرح الآن يجمع الاثنين معاً، منطلقاً من النظر في علم العمران إلى البحث عنه في عالم الواقع.
وفي هذا الصدد يعود المؤلف إلى الجاحظ الذي رأى أن الإنسان الفرد لن يقوم بعمران الأرض كفرد، بل لا بد له من الاجتماع، فحاجة بعض الناس إلى بعض، صفة لازمة في طبائعهم، وخلقة قائمة في جواهرهم، وثابتة لا تزايلهم، ومحيطة بجماعتهم، ومشتملة على أدناهم وأقصاهم". ويعلق عزب بالقول إن الجاحظ أدرك الأبعاد اجتماعية، للعمران، كابن خلدون الذي أتى بعده بقرون ودخل إلى التاريخ كحاجة إنسانية لمعرفة أخبار السابقين. ويضيف أن كليهما أدرك أن المجتمعات في حاجة إلى خبرات الأجيال السابقة لإدارة منظومة الحياة، سواء خبرات سلبية أو إيجابية، "مما يعكس فهماً معمقاً للمجتمعات وحاجاتها".
ووفقاً لتصور خالد عزب، فإن هناك إطارين حاكمين للعمران في الحضارة الإسلامية، الإطار الأول: هو السياسة وما يتبعها من ممارسة للسلطة وكيفية ممارسة هذه السلطة، "وهنا نجد أطروحات عبر الزمن من القرن الأول الهجري تتطور وتنضج، ورؤى عبر التجربة تستوعب المستجدات وتتعامل معها، وإن كانت هناك عثرات، الإطار الثاني هو فقه العمارة: الذي يقدم لنا على أرض الواقع قواعد العمران التي تطورت وأعطت كثيراً لنسق العمران، "فقرأنا مجالات العمران وفضاء العمران عبر هذا الفقه ومدوناته، سواء في كتابات الفقهاء أو سجلات المحاكم الشرعية التي تقدم لنا يوميات المجتمعات الإسلامية في شتى مناهجها، والوقفيات التي ترصد عدداً من مظاهر الحياة (آليات التفاعل معها كذلك، وما تبقى لنا من تراث مادي شفهي".
التجربة التطبيقية
ولاحظ عزب أن كل هذا يجعلنا نرى القواعد والتجربة التطبيقية لها وصولاً إلى منظومة قيم حاكمة، يلتزم الناس بها طوعاً، لأنها تعكس رغبة صادقة في تقوى الله في النفس والمجتمع"، وهنا الناس "تبني المحتوى والمحتوى يشكل الناس". وهكذا ألفت تلك المنظومة شخصية الناس في أوج ازدهار الحضارة الإسلامية، من الأيدي البارعة إلى العقول المفكرة إلى الخلطة الاجتماعية، فتميزت تلك الحضارة بحضور الفرد والمجتمع وسيطرتهم على الحياة اليومية بمفرادتها، بالتالي أصبح لديهم تدفق يومي من المعلومات التي تشكل وعيهم وإرادتهم، وعبر مئات الرؤى وتعاقب الأجيال رأينا تراكماً ثقافياً، يقوم على اتساع رقعة اللغة العربية وعمقها، فأصبحنا نرث "تعلماً جمعياً"، في المهن والحرف، و"تعلماً منهجياً" عبر الكتاتيب والمدارس، هذه الثروة من المعارف هي بنت "علم العمران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
علم الحياة". ولاحظ أن الإطار الأول للعمران وهو السياسة تبلور مبكراً وواجه مناقشات جدلية، في ظل تراكم الثروات بالإنتاج في فضاءات الزراعة والتجارة والصناعة وغيرها، "لذا ذهب الموسرون لأداء دورهم عبر مؤسسة الوقف، إذ أوقفوا بنايات ذات ريع اقتصادي أو أراضي زراعية أو أموالاً، ريعها يذهب لأداء وظائف المجتمع: الرعاية الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية والوظائف الدينية لمساجد الأحياء. وهنا – يقول عزب - توجد فلسفة وراء الاستثمار في الوقف تقوم على تحويل الأموال عن الاستهلاك واستثمارها في أصول تنتج المنافع، والإيرادات التي تستهلك في المستقبل، جماعياً أو فردياً، فهي عملية ادخارية واستثمارية تبث الطمأنينة لدى المجتمع الذي يتضامن أفراده طواعية، وهي استثمار مزدوج في المال والناس، أدى إلى توفير استدامة المنشآت الاقتصادية والأراضي الموقوفة في عملها، في ظل رقابة صارمة عليها.
الإبداع في الطب
هؤلاء في حضارة العمران سعوا، كما يقول خالد عزب، إلى الإنسان فقيراً أو غنياً لحفظ صحته، إذ عملوا باجتهاد حتى انقسم على يدهم الطب لتخصصات، فرأينا طب العيون وطب الأسنان والجراحين وأطباء الأطفال وأطباء العظام... إلخ، "عرفوا الخياطة الجراحية، فابتكروا فيها، فمثلاً أوصى الرازي والزهراوي باستخدام الخيوط الرفيعة من الجزء الداخلي لأمعاء القطط، وسبب اختيارهم لها هو أن تلك الخيوط تتلاشى في جسم الإنسان، واستخدموا الحرير في إنتاج خيوط خاصة لخياطة الجراحات، وعثر في حفائر مدينة الفسطاط في مصر على كثير من الأدوات الجراحية عند المسلمين ومعها (الدست) حقيبة حفظ أدوات الطبيب".
وفي حقل الأدوية، ذكر ابن سينا في كتابه "القانون في الطب" 800 دواء مركب من مواد كيماوية، بدقة الموازين المستخدمة في ضبط تركيب الدواء، بالتقطير والتصعيد والترشيح والتكليس "ونتيجة لذلك استطاع الرازي إنتاج أول مضاد حيوي في التاريخ". ويرى عزب أن أبدع ما أنتجته الحضارة الإسلامية هو إدراك أطبائها أن الاضطراب النفسي هو مرض طبيعي يصيب البشر، على عكس التعامل الأوروبي معه، "حتى رأينا العلاج بالموسيقى في البيمارستان القلاووني بالقاهرة، وبيمارستان سيدي فرج في فاس، وغيرهما".
كان الناس يدركون منذ فترة مبكرة في تاريخ الحضارة الإسلامية، أهمية أن تكون أماكن إقامة ذوي العاهات والأمراض المعدية، بعيدة من مهب الريح، ففي "روض القرطاس" لابن أبي زرع جاء أن باني فاس، الإمام إدريس، حين بنى سور المدينة جعل له باباً شرقياً يعرف بباب الكيسة، ومنه يخرج إلى حارة المرضى ليكون سكناهم تحت مجرى الريح الغربية فتحمل الرياح أنجرتهم ولا يصل إلى أهل المدينة منها شيء، وليكون تصرفهم في الماء وغسلهم بعد خروجه من البلد. لكن أروع الابتكارات - يقول عزب - جاءت حين هاجم الطاعون مراكش سنة 571هـ/ 1175م، فكان الرجل لا يخرج من منزله حتى يكتب اسمه ونسبه وموضعه في براءة ويجعلها في جيبه، فإذا مات حمل إلى موضعه وأهله. وهذا النوع من الابتكارات كان سابقاً لعصره.