Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مجرد العيش" يثقل كاهل الإيرانيين فقرا ويأسا

اللحوم تختفي من الوجبات وشراء الحلويات ومنتجات الألبان والبيض يتراجع والمتقاعدون يعودون إلى العمل وامتلاك منزل يصير حلماً مستحيلاً

أجبرت الضغوط المعيشية كثيراً من المتقاعدين، بعد عقود من العمل، على البحث عن وظيفة ثانية وثالثة (أ ف ب)

ملخص

في ظل هذه الظروف، يفرض تجاوز الدولار الواحد مستوى 237 ألف تومان ضغوطاً إضافية على اقتصاد تحولت فيه الفجوة بين الأجور وكلف المعيشة إلى مستوى غير مسبوق. والنتيجة هي اتساع ظاهرة "الفقراء العاملين"، أي ملايين الأشخاص الذين لا يزالون يعملون ويتقاضون دخلاً، لكنهم يفقدون كل شهر جزءاً آخر من مستويات الحياة الطبيعية.

أدى التراجع الملحوظ في استهلاك اللحوم ومنتجات الألبان والحلويات والبقوليات والخضراوات، واستحالة شراء المسكن، بل وحتى ارتفاع كلفة تجهيز مستلزمات المولود الجديد إلى 220 مليون تومان (928 دولاراً)، إلى إظهار أن أزمة المعيشة لم تعد تقتصر على الفئات الأكثر فقراً في المجتمع.

وتجاوزت أزمة المعيشة في إيران مرحلة ارتفاع الأسعار، لتصل إلى تغيير قسري في نمط حياة ملايين الأسر. وفي ظل هذه الظروف تجاوز سعر الدولار، في آخر يوم عمل من الأسبوع، المستوى القياسي التاريخي البالغ 237 ألف تومان، مما فرض ضغوطاً جديدة على أسعار السلع والمواد الأولية. وتشير أحدث حسابات الناشطين العماليين في إيران إلى أن كلفة تأمين الحاجات الأساس لأسرة مكونة من أربعة أفراد في المدن الإيرانية الكبرى تجاوزت 100 مليون تومان (422 دولاراً).

ولم تعد مؤشرات هذه الأزمة تظهر في الإحصاءات الرسمية فحسب، بل باتت تتجلى أيضاً في التراجع الفعلي لاستهلاك المواطنين. فقد أكد منصور بوريان، رئيس مجلس موردي اللحوم الحمراء، الجمعة الـ11 من سبتمبر (أيلول) الجاري، أن تراجع القدرة الشرائية للأسر أدى إلى انخفاض استهلاك اللحوم. واللافت، بحسب بوريان، أن نقص المعروض ليس السبب وراء هذا التراجع في الاستهلاك.

وقال إنه على رغم توافر القدرة على إنتاج اللحوم وعرضها، وفي وقت يتعذر تصديرها بسبب الحرب، انخفض الطلب في السوق المحلية. وبعبارة أخرى، تتوافر اللحوم الحمراء والدواجن في الأسواق، لكن شريحة واسعة من المواطنين لم تعد قادرة على شرائها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتكرر الأمر نفسه في أسواق سلع أخرى كانت في السابق جزءاً اعتيادياً من سلة مشتريات الأسر الإيرانية. إذ يقول علي بهره مند، رئيس اتحاد منتجي وبائعي الحلويات في طهران، إن حصة الحلويات من سلة مشتريات الأسر تراجعت إلى أقل من خمسة في المئة.

وأدى ارتفاع كلف السكن والمواد الغذائية والنقل إلى دفع الأسر للتخلي أولاً عن السلع التي لا تعدها ضرورية. وفي الوقت نفسه، تواجه محال الحلويات ارتفاعاً في أسعار المواد الأولية، إذ يراوح سعر كيلوغرام الجوز المقشر بين مليوني و3 ملايين تومان (8.4 إلى 12.7 دولار)، فيما يبلغ سعر كيلوغرام الفستق المقشر نحو 4 ملايين و500 ألف تومان (19 دولاراً). وبحسب بهره مند، فإن ما بين 60 و70 في المئة من المواد الأولية المستخدمة في هذا القطاع مستوردة.

وكانت نتيجة هذه الحلقة بالنسبة إلى الأنشطة التجارية تراجع المبيعات أيضاً. وحذر رئيس اتحاد أصحاب محال الحلويات من أن اجتماع ارتفاع كلف الإنتاج مع انخفاض الطلب قد يدفع بعض المنشآت إلى تقليص نشاطها أو حتى الإفلاس.

يعملون... لكن يزدادون فقراً

وتتضح الأزمة بصورة أكبر عند مقارنة دخول أصحاب الأجور بالكلفة الفعلية للمعيشة. ويقول محمد حسن موسى وند، السكرتير التنفيذي لـ"بيت العمال" في لرستان، إن الرواتب الحالية للمتقاعدين لا تغطي، في أفضل الأحوال، سوى ما بين 20 و30 في المئة من كلف معيشتهم الفعلية، فيما تبقى نحو 70 في المئة من النفقات من دون تغطية.

وبحسبه، رفعت التقديرات الجديدة كلفة سلة معيشة الأسرة، أو ما يعادل خط الفقر، إلى 100 مليون تومان (422 دولاراً) لأسرة مكونة من أربعة أفراد، في حين يراوح الحد الأدنى لما يتقاضاه العمال ما بين 17 مليوناً و25 مليون تومان (72 إلى 105 دولارات) كحد أقصى.

وتعني هذه الفجوة أنه حتى في أسرة يتقاضى فيها الأب والأم كل منهما نحو 25 مليون تومان (105 دولارات) شهرياً، فإن مجموع راتبيهما لا يكفي لتغطية نصف النفقات المعيشية الأكثر ضرورة للأسرة.

ويقول موسى وند إن الضغوط المعيشية أجبرت كثيراً من المتقاعدين، بعد عقود من العمل، على البحث عن وظيفة ثانية وثالثة. ودعا إلى عقد اجتماع عاجل للمجلس الأعلى للعمل من أجل تعديل الأجور، محذراً من أنه في حال استمرار التضخم، فإن أية زيادة رقمية في الرواتب ستفقد تأثيرها بسرعة.

المسكن بات بعيد المنال

ربما يكون السكن المثال الأكثر وضوحاً على الفجوة بين الدخل وكلف المعيشة. ويظهر أحدث رصد لأسعار الشقق في أرخص مناطق طهران أن سعر المتر المربع من المسكن في حي "سيزده آبان" بالمنطقة 20 بلغ نحو 72 مليون تومان (304 دولارات)، فيما يصل سعر شقة مساحتها 70 متراً مربعاً في هذه المنطقة إلى نحو 5 مليارات و40 مليون تومان (21.266 دولار).

والعامل المتزوج ولديه طفل، الذي يتقاضى في أفضل الأحوال راتباً شهرياً قدره 24 مليون تومان، يحتاج إلى الادخار لنحو 17 عاماً ونصف العام لشراء منزل كهذا، حتى لو لم ينفق أي مبلغ على الطعام أو الإيجار أو العلاج أو الملابس أو التعليم، وادخر راتبه بالكامل، وهو سيناريو غير ممكن عملياً، لأن راتباً قدره 24 مليون تومان (101 دولار) لا يكفي حتى لتغطية كلفة المواد الغذائية لأسرة.

بالتالي، أصبح شراء المسكن بعيد المنال عملياً بالنسبة إلى شريحة واسعة من أصحاب الرواتب في إيران. كما أن انخفاض أسعار المساكن في المدن الأصغر لا يغير هذه المعادلة بالضرورة، لأن مستويات الأجور في كثير من هذه المناطق أقل، ويتقاضى عدد كبير من العمال في المدن ما بين 12 مليوناً و18 مليون تومان (51 إلى 76 دولاراً) شهرياً فحسب.

من ولادة طفل إلى مكالمة هاتفية

تبدأ الضغوط الاقتصادية حتى قبل ولادة الطفل. وتشير أحدث التقديرات إلى أن شراء مستلزمات متوسطة وعملية للمولود الجديد خلال عام 1405 الإيراني يكلف ما بين 150 مليوناً و220 مليون تومان (633 إلى 928 دولاراً)، وقد تتجاوز الكلفة 250 مليوناً إلى 300 مليون تومان (1.055 إلى 1.266 دولار) عند شراء سلع مستوردة.

ويبدأ سعر أثاث غرفة نوم المولود وحده من 35 مليون تومان (148 دولاراً)، فيما يصل سعر بعض الطرز إلى 180 مليون تومان (759 دولاراً). وتباع عربات الأطفال بأسعار تراوح ما بين 8 ملايين و150 مليون تومان (34 إلى 633 دولاراً)، ومقاعد الأطفال الخاصة بالسيارات بين 4 ملايين و35 مليون تومان (17 إلى 148 دولاراً).

وفي المقابل، ترتفع حتى كلف الخدمات اليومية. فقد أعلنت شركة الاتصالات الإيرانية أن كلفة المكالمات من الهاتف الثابت إلى الهاتف المحمول سترتفع بنسبة 45 في المئة اعتباراً من أمس الجمعة. ويأتي ذلك بعدما كانت الرسوم الشهرية الثابتة للهاتف ارتفعت أيضاً بنسبة 45 في المئة في يونيو (حزيران) الماضي.

وأدى ارتفاع أسعار الحديد ومواد البناء إلى جعل احتمالات انخفاض كلف السكن أكثر بعداً. وبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من الأنابيب والمقاطع المعدنية بسماكة مليمترين، لدى بعض مصانع الدرفلة، ما بين 141 ألفاً و145 ألف تومان (0.59 إلى 0.61 دولار) حالياً، من دون احتساب الضرائب.

وتقدم هذه المعطيات مجتمعة صورة تتجاوز مجرد الارتفاع المعتاد في الأسعار. فاللحوم تختفي من الوجبات الغذائية، ويتراجع شراء الحلويات ومنتجات الألبان والبيض، ويعود المتقاعد إلى العمل، ويصبح امتلاك منزل بعيد المنال، في ما تكلف المستلزمات الأساس لمولود جديد أضعاف الراتب الشهري.

وفي ظل هذه الظروف، يفرض تجاوز الدولار الواحد مستوى 237 ألف تومان ضغوطاً إضافية على اقتصاد تحولت فيه الفجوة بين الأجور وكلف المعيشة إلى مستوى غير مسبوق. والنتيجة هي اتساع ظاهرة "الفقراء العاملين"، أي ملايين الأشخاص الذين لا يزالون يعملون ويتقاضون دخلاً، لكنهم يفقدون كل شهر جزءاً آخر من مستويات الحياة الطبيعية.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

المزيد من متابعات