Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نساء إيرانيات اعتدن العيش على حافة الخطر

 نسيم مرعشي تروي بعين اجتماعية معاناة الجيل الجديد في مجتمع القسوة

الروائية الإيرانية نسيم مرعشي (صفحة الكاتبة - فيسبوك)

على خطى آذار نفيسي وسبيدي شاملو وزويا بازار وغيرهن، تمضي الكاتبة الإيرانية الشابة نسيم مرعشي في عالم الأدب كي تكمل مسيرة طويلة قادتها الكاتبات الإيرانيات المعاصرات اللواتي استطعن المزج بين الأصالة والتجديد الإبداعي شكلاً ومضموناً، مما خلق مساحة فريدة تُعبر عن واقع  المرأة في المجتمع الإيراني. إنها كتابة سوسيولوجية نفسية ترنو إلى الكشف عن معاناة النساء في إيران وما يواجهنه يومياً في الحياة العامة، وما يتطلعن إليه من حرية ومساواة وعدالة اجتماعية.

 منذ وفاة الشابة مهسا أميني عام 2022 ظهرت حركة "المرأة... الحياة... الحرية"، وارتفعت الأصوات الناعمة أكثر كي تدافع عن قضاياها الذاتية وتكشف عن واقعها المحجوب، ومن صلب هذا الواقع يأتي اسم الصحافية والكاتبة الإيرانية نسيم مرعشي لتكون كتابتها دليلاً معبراً عن القمع الذي تتعرض له النساء، وهذا يتجلى بوضوح في شخصيات روايتها الأولى "الخريف هو الموسم الأخير لهذا العام"، التي لاقت رواجاً كبيراً وترجمت إلى الإنجليزية تحت عنوان "سوف أكون قوية من أجلك".

وترى مرعشي أنه لا يمكن النظر إلى حركة "المرأة... الحياة... الحرية" من دون الرجوع إلى تاريخ الإيرانيات مع التمرد، وتقول "حركة النساء الإيرانيات ليست حديثة العهد، إذ إن أول احتجاج ضد الحجاب الإجباري كان في الثامن من مارس (آذار) 1979 بعد شهر واحد من قيام الثورة الإيرانية، وقد استمرت الاحتجاجات ستة أيام وشاركت فيها آلاف النساء."


وتتذكر مرعشي طفولتها تحت أصوات القنابل، إذ إنها تجربتها الذاتية فقد ولدت عام 1984 على الحدود بين إيران والعراق بينما كانت الحرب مشتعلة بين البلدين، ثم انتقلت بعد ذلك إلى طهران لشارك باعتبارها طالبة في كلية الهندسة ثم صحافية في تظاهرات "الحركة الخضراء" عام 2009 ضد تزوير الانتخابات، والتي تم قمعها بعنف شديد على يد النظام الإيراني.

وإدراكاً منها أنها تعيش لحظة تاريخية فقد شرعت في تسجيل تجربتها وتجربة  صديقاتها وأصدقائها في تقرير طويل عن الشباب في ذلك الوقت، تقول "بالنسبة إليّ كان من المهم التوثيق والتدوين بغرض الحصول على شهادة لضمان عدم نسيان ما حدث".

وخلال مسيرتها انتقلت كتاباتها من الواقعية إلى الخيال، ثم تجلت مخيلتها الخصبة مع رواية "الخريف هو الموسم الأخير لهذا العام" التي صدرت عام 2015 وحظيت بنجاح كبير فنالت جائزة جلال الأحمد المعتبرة.

وفي عام 2013 شاركت مرعشي في كتابة السيناريو لأكثر من عمل سينمائي، وحصلت كتابتها على تقدير نقدي ونالت جوائز عدة في طهران، كما فازت بالمرتبة الأولى في جائزة بيهقي للقصة عام 2014 عن قصتها القصيرة "نخرج"، ونالت جائزة "طهران للقصة" عام 2015 عن قصتها "رود".

صداقات الخريف


وتتابع رواية "الخريف هو الموسم الأخير لهذا العام" مصائر ثلاث صديقات هن "روجا" و"شهبانة" و"ليلى"، وتمتد صداقاتهن من أيام الدراسة حتى سن الـ 30، وتسرد الكاتبة حياتهن اليومية وصداقتهن وأحلامهن ومواجهتهن مع ما يسمى "القوى الكبرى"، ثم رؤيتهن إلى التاريخ وإحساسهن الكبير بخيبة الأمل ومحاولة التحرر من أغلال هذا الفخ.وعبر سرد ثلاثة أصوات متفردة وقوية تأخذنا الكاتبة في رحلة طويلة كي تنسج حياة هؤلاء الشابات ونمو صداقتهن بكل ما فيها من عمق وارتباك ورهافة إنسانية.

 "روجا" هي الأكثر جرأة بين الثلاث، وتعمل في شركة هندسة معمارية وهي مصممة على مغادرة طهران للالتحاق بمدرسة الدراسات العليا في تولوز، أما "شهبانة" كرست حياتها لرعاية أخيها المعوق وتعمل مع "روجا" وهي مترددة في قراراتها وغير متأكدة من رغبتها بالزواج من زميل لها، لأن ذلك يعني ترك عائلتها. أما "ليلى" التي لم تتمكن من اللحاق بزوجها في الخارج بسبب التزامها بمسيرتها المهنية كصحافية، فهي تشعر بالتشتت مما يسبب لها حالاً من اليأس.

وفي ظلال مواسم الصيف والخريف تنسج الكاتبة ببراعة حكايات شوارع طهران الصاخبة، وتسرد رحلة النساء الثلاث وهن يخضن متاهات الحياة وتحولات الأقدار والمساومات الصعبة. وفي عمق هذا الاضطراب يتفتح الأمل في أركان غير متوقعة على رغم لحظات الشك والتردد التي تحوم حولهن جميعاً، وتضع طموحاتهن وعلاقتهن على المحك، إذ تجد كل منهن ملاذاً في الصداقة الراسخة والمعرفة العميقة والدعم الأصيل بينهن.

وتتنوع  مواضيع نسيم مرعشي في الرواية والقصة القصيرة كي تستكشف أفكاراً متشعبة وتتفرع بين الذاتي والموضوعي، مثل الأحلام والطموح والهجرة الحرية والرغبة في التغيير. وتتميز روايتها بأسلوبها السردي القوي في الكشف عن تجارب الشباب والمجتمع الإيراني الحديث، ولا تنفصل كتابتها عن عالم النساء ولا عن ذاتها الأعمق، إذ إنها وسيلتها الأولى للمقاومة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 تقول، "بالنسبة إليّ الكتابة لها جانبان، المقاومة والنضال. إنها المسار الوحيد للبقاء على قيد الحياة نفسياً وبخاصة في الأوقات الصعبة، وهذه هي طريقتي في القتال، وفي روايتي أردت تسجيل اللحظات والأحداث التي حدثت لشباب جيلي خلال الأعوام التي تلت 2009 في إيران، أردت تسجيلها حرفياً وكنت أعتقد أن القمع واليأس الجماعي سينتهيان، وأردت أن نتذكر ما حدث لنا، وللأسف لم تنته هذه الظروف، وما أزال أتلقى رسائل من شبان وشابات أصغر مني بـ 10 أعوام يخبرونني أنهم شعروا بالقرب من شخصيات الرواية، أو أن الأحداث نفسها وقعت لهم. هذا يؤلمني حقاً إذ أردت أن يتلقى القراء ما كتبته كسرد وليس كتاباً يروي حياتهم، لكن ليس لدينا خيار آخر سوى الأمل، فهو قوتنا الوحيدة للاستمرار لأن الطريق نحو المساواة طويل جداً".

فلسفة الثياب

"كانت عمتي تروي لي غالباً عن اليوم الأول الذي أصبح فيه الحجاب إلزامياً في العمل، وأتذكر جيداً الوقت الذي لم تتمكن فيه والدتي الا من ارتداء حجاب بألوان داكنة وبلا نقوش، تحت طائلة الاعتقال على يد الشرطة".

وفي مقالتها "كود التحكم" المنشورة ضمن كتاب "المرأة... الحياة... الحرية" الصادر عن "أكت سود"، والمتضمن شهادات لمجموعة من الكاتبات الإيرانيات، اختارت مرعشي أن  تكتب عن ملابس النساء والحجاب، فمن وجهة نظرها أن التحكم بفرض زي ما على أي شخص يرادف محو هويته، "في رأيي أن الملابس هي أهم خصوصيات الناس، إذ يمكنهم التعبير عن أنفسهم من خلال اختيار ما يرتدونه، ويمكنهم تغطية أجسادهم وفقاً لذوقهم، وارتداء الملابس يسمح لهم بالارتباط بتيار معين أو إظهار جذورهم، أي أن التلاعب بهذا الفعل هو سيطرة على حقهم في الاختيار وهويتهم، وهذا ما حاولت معالجته في هذا النص".

وأرادت مرعشي عبر مقالتها إظهار كيف تعيش النساء في الحياة اليومية في طهران، وترى أنهن يعشن على حافة السكين بين الأمل واليأس وبين البقاء والقتال أو الرحيل والاستسلام، وتضيف "لكن على رغم ذلك أنا متفائلة جداً، لكن في أحيان أخرى أشعر بالتشاؤم الشديد وأعتقد أن التفاؤل أمر سخيف، بخاصة في هذه الأوقات الصعبة خلال إبادة غزة التي تحدث أمام أعين العالم والتي تقنعني أكثر بأن المساواة بين الناس في العالم مجرد مزحة كبيرة. لأكثر من 40 عاماً عاشت النساء الإيرانيات في غضب ويأس، وحتى الآن النساء الشابات يختبرن هذا طوال حياتهن، لذا جاءت الأحداث التي وقعت العام الماضي نتيجة هذا الغضب، وعلى رغم أني ما أزال قلقة في شأن الوضع فأنا متفائلة، لأني لاحظت تغييرات واضحة في المجتمع بوجود شعور التضامن بين الجميع".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة