ملخص
ينطلق كتاب "في انتظار الروبوت" An attendant les robots لأستاذ علم الاجتماع الفرنسي من أصل إيطالي أنطونيو كازيللي من حقيقة صادمة مفادها بأن ملايين من البشر في أفريقيا وآسيا تحولوا إلى ما يشبه "دمى ماريونيت"، إذ تستعين بهم الشركات العملاقة في مجال التكنولوجيا الرقمية، على نحو غير رسمي، لإنتاج الذكاء الاصطناعي، بمقابل مادي زهيد للغاية.
في كتابه "في انتظار الروبوت: الأيدي الخفية وراء العمل الرقمي" (ترجمة مها قابيل – دار المرايا)، يكشف أستاذ علم الاجتماع في "تليكوم باريس" أنطونيو كازيللي عن كواليس التطور المهول في عالم الذكاء الاصطناعي ومدى تأثيره في أشكال العمل المختلفة. فهناك شركات عملاقة تبيع الذكاء الاصطناعي ولكنها ليست من يصنعه، بل توكل هذه المهمة إلى كثير من "عرائس الماريونيت" التي تنجذب عبر خيوط غير مرئية نحو العمل غير الرسمي أو في ظروف مجحفة، وفي ظل عدم اعتراف كامل بالجهود المبذولة.
وفي الخلاصة يرى كازيللي أن الانبهار بالذكاء الاصطناعي والروبوت لا يعكس إلا تزايد تهميش العمل البشري، إذ إن أسطورة إحلال التكنولوجيا الحديثة محل العمل البشري تعني تراجع صورة العمل النمطية والوظائف الرسمية واستبدالها بحيش غير مرئي من الأشخاص. وهو في عمله يبحث عن الإنسان وراء العمليات ذات الشكل الآلي التي في جوهرها، وفي حقيقة الأمر، هي من صنع الإنسان وموجهة للإنسان. ومن ثم يعتقد بأن فكرة انتظار الروبوت هي أشبه بترقب ما لن يتحقق أبداً، على عكس التصور السائد الذي يرى أصحابه أن المستقبل سيشهد تحولاً جذرياً نحو تحكم الآلات المطلق في البشر.
العمل الرقمي
يتمسك كازيللي بالمسمى الإنجليزي للعمل الرقمي المبني على "نقرات الأصابع" Digital Labor، في إشارة إلى الأعمال الآلية في الذكاء الاصطناعي التي تتأسس على أصابع الإنسان وعدد دقاته على أزارار الجهاز. وبحسب المترجمة مها قابيل، فإن مفهوم العمل الرقمي يعتبر أحد المحاور المهمة لهذا الكتاب، لكن المؤلف اعتمد المصطلح digital labor لخصوصية معناه الذي يختلف تماماً عن معناه الحرفي في الفرنسية أو العربية. فترجمة كلمة "ديجيتال" بالعربية هي رقمي، بينما المؤلف أراد العودة للأصل اللاتيني في فكرة الرقمي أي كلمة Digitus التي تعني إصبع اليد، إذ إن نظريته تتأسس على العمل البشري وراء التحول الرقمي والآلي.
والعمل البشري في هذا السياق يختزل في دقات الأصابع أو النقر بالإصبع على الشاشات الذكية. هو عالم من النقرات بالإصبع يتيح العد والحساب والإشارة والاختيار وراء عالم الآلة المصمت. وتضيف قابيل أنها في ضوء قصور اللغة العربية في استخدام مصطلحات التكنولوجيا الحديثة، اضطرت إلى اللجوء إلى الكلمة الشائعة وهي "العمل الرقمي". أنطونيو كازيللي أستاذ علم الاجتماع في تليكوم باريس، كلية الاتصالات اللاسلكية في العاصمة الفرنسية، منسق سمينار "دراسة الثقافات الرقمية" منذ عام 2007 في كلية الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس ومن بين مؤلفاته: "الروابط الرقمية" (2010)، وحاز كتابه "في انتظار الروبوت" عام 2019 جائزة الكتابة الاجتماعية والجائزة الكبرى للحماية الاجتماعية.
وبحسب كازيللي، فإن سوق العمل الجزئي تضم ما بين 40 مليون شخص ومئات ملايين الأشخاص. ويرى المؤلف أن عدم تحري الدقة في هذا الصدد يدل على صعوبة حصر المكون البشري والتقني في هذا النشاط الذي لا يثير انتباه الأوروبيين، لأنه يتم تجاوزه في صمت من قبل عمالقة التكنولوجيا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هؤلاء الأشخاص منفيون في الدول الآسيوية والأفريقية. ويقبع مشترو خدمات حرفيي النقرة في الأساس بين الولايات المتحدة وأوروبا، ويبدو أن جغرافية المهمات الصغيرة تسبب توترات وعدم توازن تاريخي وسياسي.
والذي يظهر هنا هو "تقسيم دولي جديد للعمل" يتصف باللامساواة بدرجة أكبر من تلك التي ندد بها مفكرو ونقاد النصف الثاني من القرن الماضي. ويضيف كازيللي أن العمل الجزئي إذاً يؤدي إلى "تكوين سلاسل عالمية للتوطين الخارجي للأنشطة تسمح بتصور الأتمتة بطريقة مختلفة: لا تلتزم بإحلال ذكاء اصطناعي منجز ودقيق محل العاملين البشر، لكن بإحلال بشر آخرين مستترين غير مستقرين ويتقاضون أجوراً هزيلة" (صفحة 19).
تدريب الخوارزميات
في معظم الحالات يسمح العمل الجزئي بتقاضي أجور ضعيفة بالقطعة. بينما توجد أنواع من العمل الجزئي المجاني. ويتعلق الأمر عادة بنشاط يضع المستهلكين ومستخدمي الإنترنت العاديين في مركز عملية إنتاجية لتدريب الخوارزميات. المثال الأكثر شهرة هو ReCAPTCHA وهو نظام يسمح برقمنة كتب "غوغل"، أو تحسين عملية التعرف إلى الأشكال بتفويض مسؤولية إعادة نسخ الحروف أو التعرف إلى صور مستخدمي الإنترنت. ويسمح هذا المثال بالتأكيد على نقطة مركزية، ليس العمل الرقمي بنشاط إنتاجي بسيط، هو على وجه الخصوص علاقة تبعية بين فئتين من فاعلي المنصات، وهما المصممون والمستخدمون. هذه العلاقة تتبدى جزئياً، كما لحظ كازيللي، عن طريق نشاط مرئي والتزام مباشر من قبل المستخدمين.
إن الحماسة للذكاء الاصطناعي تمثل نقطة انطلاق للتحليل المتضمن في الفصل الأول "هل يحل البشر محل الروبوت؟". وتظهر طبعة 2017 من مؤشر الذكاء الاصطناعي Ai index الذي تنشره "جامعة ستانفورد" كل عام، جنوناً يضاهي التهافت على الذهب، مما يجد تفسيره في تضاعف عدد الشركة الأميركية المرتبطة بهذا المجال، 14 مرة، كما تضاعف حجم الاستثمارات في رأس المال المخاطِر ست مرات، مقارنة بنظيره في مستهل القرن الحالي.
وأوضح كازيللي في المقدمة أن غرابة الوضع الحالي لا تكمن في إعلان التأثيرات المدمرة للأتمتة في الوظيفة، نبوءات "نهاية العمل" ترجع إلى فجر حقبة التصنيع. وهو يرى أنه من أجل فهم ما تفعله الأتمتة للأنشطة البشرية، يجب الاعتراف أولاً بحجم العمل المتضمن في الأتمتة نفسها وتقديره. ومن خلال النظر إلى المؤشرات الاقتصادية والإحصائية سنتمكن من احتواء الحماسة والدوار اللذين يجلبهما الذكاء الاصطناعي.
المنصات الرقمية
إن القلق المعاصر إزاء اختفاء العمل هو أحد أعراض التحول الحقيقي الجاري، ألا وهو رقمنته. وهذه الديناميكية التكنولوجية والاجتماعية تشير إلى تحول خطوات الإنتاج البشري إلى عمليات صغيرة تُجرى بمقابل مادي ضعيف أو من دون مقابل، كي تغذي اقتصاداً مبنياً أساساً على استخراج البيانات وتفويض مشغلين بشريين بالقيام بمهمات إنتاجية دائماً ما تُبخس قيمتها، لأنها تعتبر صغيرة جداً أو غير مرئية. وفي الوقت نفسه سيتبين أن ظاهرة digital labor القائمة على العمل المتشظي إلى مهمات صغيرة والمعتمد على البيانات والذي يساعد في تدريب الأنظمة الأوتوماتيكية، تستند إلى اثنتين من الديناميكيات الموثقة تاريخياً، التعهيد الخارجي للعمل وتجزئته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وظهر هذان الاتجاهان في أوقات مختلفة وتطورا طبقاً لدورات متناقضة، حتى عملت تكنولوجيا المعلومات والاتصال على تناغمهما اليوم. ويرى المؤلف أن خطاب الأتمتة يخفي في الواقع ظهور المنصات الرقمية، أي تعميم بنية تكنولوجية ومنظومة اقتصادية أصلية، ليست لها "أساسيات للعمل" في حد ذاتها، وتكمن وظيفتها في التوسط المعلوماتي لفاعلين اقتصاديين آخرين. ويُطرح في الفصل الثاني السؤال التالي، لماذا سميت المنصة الرقمية هذا الاسم؟ يتم توصيف منظومة تكنولوجية خاصة بالتحول إلى منصة، تتعلق بالشركات التكنولوجية بقدر ما تخص قطاعات أخرى، في الحدود التي تلتزم فيها هذه القطاعات "التحول إلى منصات".
والمقصود بادئ الأمر رسم سلسلة تاريخية نتتبع من خلالها مفهوم المنصة، مبينين إلى أي حد يعتبر هذا المفهوم امتداداً لعلم اللاهوت السياسي للقرن الـ17 ("منصة" مثل "برنامج سياسي" ولكنها أيضاً مذهب لكنيسة أو طائفة). وتشوه المنصات الرقمية الحالية بعض القيم التي صاغت المفهوم الأصلي للكلمة مثل التشارك في الموارد وإلغاء الملكية الخاصة وإلغاء ملكية العمل. وتظهر استعادة الرأسمالية لهذه المبادئ في البنى التكنو- اقتصادية التي توصي بـ"مشاركة" الممتلكات و"تحرير" العمل و"انفتاح" المصادر المعلوماتية. واستناداً إلى المنطق الخوارزمي الذي يحتاج إلى كم كبير من البيانات كي يتمكن من العمل، ينتهي الأمر بالمنصات الرقمية إلى الإخلال بنظام الأسواق، بخاصة سوق العمل.
إنها تستأثر بالقيمة التي يخلقها المنتجون العاملون والمستهلكون. إن "عمل المستخدمين" ضروري إذاً لخلق أنواع مختلفة من القيمة، قيمة التوصيف التي تسمح بالتشغيل الاعتيادي، والقيمة النقدية وهي تسييل البيانات بمعنى تحويلها إلى نقود في مدى قصير، وقيمة الأتمتة التي تتضمن نمو البيانات في مدى أطول. وفي الفصول التي تشكل الجزء الثاني من الكتاب، يتم تناول ثلاثة نماذج لمنصات تمارس أعمالاً تجارية محددة، منصات الخدمات "حسب الطلب" مثل "أوبر"، و"فودورا"، ومنصات المهمات الصغيرة مثل "أمازون"، والمنصات الاجتماعية مثل "فيسبوك" و"سناب تشات".
وفي الخاتمة يخلص كازيللي إلى أن تحكم المنصات الرقمية على العدد المتزايد من العاملين بالنقر بالاغتراب الجذري، عبر الوعد الزائف بالتحرر من خلال الأتمتة وشبح تقادم العمل البشري الذي يلوح في الأفق، فيكدحون بلا كلل حدَّ الاختفاء، ليتواروا خلف آلات يمثلون هم أنفسهم تروسها الأساسية. ولمواجهة هذا المصير الرهيب ينبغي الاعتراف بالعمل الرقمي نفسه كهدف سياسي رئيس من أجل منح "العمال الرقميين" وعياً طبقياً حقيقياً كمنتجين للقيمة.