Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صوماليلاند: خريطة الشراكات المعلنة وحدود الانكشاف الإقليمي

لم يعد ميناء بربرة ومطاره مجرد أصل بنية تحتية تديره جهة واحدة بل تحوّل إلى نقطة تقاطع فعلية بين مصالح خمسة أو ستة فاعلين دوليين وإقليميين في آن واحد

خمسة أطراف تشكّل النواة المعلنة لعلاقات هرجيسا الأمنية والاستخبارية من بينها إسرائيل (أ ف ب)

ملخص

السؤال الذي يفرض نفسه على أي تقدير استراتيجي لمستقبل هذا الملف ليس ما إذا كانت صوماليلاند ستحصل على اعتراف دولي واسع في المدى القريب، فهذا يبدو غير مرجح في ظل استمرار المعارضة الصومالية والأفريقية له، بل ما إذا كانت هرجيسا قادرة على إدارة هذا التزاحم الاستخباري المتصاعد على أراضيها من دون أن تتحوّل إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين أطراف تتقاسم موقعها الجغرافي، لكنها لا تتقاسم بالضرورة الأهداف الاستراتيجية النهائية ذاتها.

تحوّلت هرجيسا خلال العامين إلى محطة تتقاطع فيها حسابات خمس دوائر أمنية واستخبارية في الأقل: الجوار الإثيوبي المباشر، والاهتمام الخليجي نحو موانئ البحر الأحمر، والبحث الأميركي عن بديل جيوسياسي لقاعدة جيبوتي، والإرث الأمني البريطاني الممتد منذ الحماية الاستعمارية، وأخيراً حضور إسرائيلي متصاعد لم يكن جزءاً من الخطاب الرسمي حتى وقت قريب. وما تكشفه التقارير الدولية والإقليمية الصادرة خلال الأشهر الأخيرة ليس مجرد تعدد الشركاء، بل تحول صوماليلاند من موضوع تنافس دبلوماسي هادئ حول الاعتراف الدولي إلى ساحة تموضع استخباري وعسكري فعلي، تسبق فيها الوقائع الميدانية الاعتراف السياسي بدلاً من أن تتبعه.

في هذا السياق، فإن قراءة نمط التفاعل الاستخباري والأمني الذي ترعاه أجهزة الأمن في هرجيسا مع شركائها الإقليميين والدوليين يعد مهماً وهو ينطلق من الخريطة المعلنة لهذا التفاعل، ثم اختبار مدى انسجام هذه الخريطة مع التقارير الاستقصائية الحديثة، التي تضيف إلى المشهد، ولم تظهر في الخطاب الرسمي بالقدر ذاته.

تجمع مصادر عدة على أن خمسة أطراف تشكّل النواة المعلنة لعلاقات هرجيسا الأمنية والاستخبارية، وهي أطراف تتفاوت طبيعة انخراطها بين التنسيق الاستخباري المباشر والشراكة التشغيلية في البنية التحتية الحيوية.

إثيوبيا تبقى الشريك الإقليمي الأكثر التصاقاً جغرافياً وأمنياً بصوماليلاند، إذ تجمعهما حدود مباشرة وملف حساس يتعلق بالمنفذ البحري الإثيوبي، وهو ما جعل أديس أبابا تخوض محادثات مباشرة مع هرجيسا حول التعاون العسكري، شملت في مراحل سابقة مفاوضات حول شريط ساحلي على خليج عدن بطول 19 كيلومتراً، قبل أن تتراجع أديس أبابا عنها تحت ضغط دبلوماسي من مقديشو، وقد اكتسب هذا الملف بعداً إضافياً أخيراً حين رصد باحثون متخصصون في استخبارات المصادر المفتوحة تدفق شحنات عسكرية عبر ميناء بربرة باتجاه قاعدة الدفاع الإثيوبية في أصوصا، في مسار إمداد نشط منذ أواخر 2025، وهو ما يربط تنسيق الحدود المشترك بملف أوسع يتصل بالحرب السودانية ومسارات دعم قوات "الدعم السريع".

أما الإمارات العربية المتحدة فهي تمثل الشريك الأكثر التصاقاً بالبنية التحتية الحيوية، عبر إدارتها لميناء بربرة ومرافقه منذ سنوات، وقد تطور هذا الدور أخيراً نحو أبعاد دفاعية أكثر تقدماً، إذ تشير زيارة رئيس صوماليلاند عبدالرحمن محمد عبدالله (إيرو) إلى أبوظبي، على متن طائرة خاصة أرسلتها الإمارات، إلى سعي إماراتي لتعزيز الدفاع الجوي في الإقليم، بما يعكس تحولاً من الاستثمار التجاري في الموانئ إلى شراكة أمنية أكثر عمقاً.

وتؤكد تقارير صحافية فرنسية أن أعمال حفر واسعة جنوب مدرج مطار بربرة، شملت ما لا يقل عن 18 خندقاً حُفرت بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ومارس (آذار) الماضي، تبدو متسقة مع منشآت لتخزين الذخيرة والوقود تحت الأرض، ويُعتقد أن الإمارات هي الجهة المنفذة لها، إلى جانب مشاريع سابقة شملت تحديث المدرج وبناء حظائر عسكرية ورصيف بحري قادر على استقبال سفن حربية.

على الصعيد الدولي فإن الولايات المتحدة الأميركية، عبر وفود قيادة "أفريكوم"، كثّفت زياراتها لهرجيسا خلال الأشهر الأخيرة، وأبرزها زيارة قائد القيادة الأميركية لأفريقيا الجنرال داغفين أندرسون إلى مدرج مطار بربرة في الأول من ديسمبر 2025، ولا تخفي واشنطن رغبتها في إيجاد بديل جيوسياسي لقاعدتها في جيبوتي، التي باتت تجاور القاعدة العسكرية الصينية الوحيدة خارج حدود بكين بصورة لا تروق للأميركيين، إضافة إلى رفض جيبوتي في مايو (أيار) 2024 السماح باستخدام أراضيها لشن عمليات ضد الحوثيين، وهو قيد لا تمانع هرجيسا في تجاوزه مقابل مكاسب دبلوماسية، وقد تردد الحديث عن عروض صوماليلاندية لواشنطن تشمل حقوق تمركز في ميناء بربرة ومطاره، الذي يُعد من أطول المدارج في أفريقيا، في مقابل اعتراف أميركي باستقلال الإقليم، فضلاً عن تقارير عن نقاشات في شأن تخزين محتمل لصواريخ من طراز توماهوك في سياق مواجهة التهديدات الحوثية للملاحة في البحر الأحمر.

يمكن القول إن لندن تحافظ على خط تنسيق أكثر هدوءاً، لكنه ممتد تاريخياً، يرتكز على دعم قدرات الشرطة والاستخبارات المحلية وتقديم الاستشارة التقنية في إدارة الحدود ومكافحة الجريمة المنظمة، بما يعكس استمرارية الإرث الأمني البريطاني في المنطقة أكثر مما يعكس اندفاعة استراتيجية جديدة كتلك التي تبديها واشنطن.

جيبوتي بدورها تحتفظ بخط تنسيق حدودي واستخباري متقطع، تحكمه حسابات إقليمية أكثر تعقيداً، إذ تجد جيبوتي نفسها في موقع الحذر من أي تعاظم لدور صوماليلاند قد ينافس موقعها التقليدي كمركز عسكري ولوجيستي دولي رئيس في المنطقة، خصوصاً في ضوء المنافسة المحتملة على استضافة الوجود العسكري الأميركي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في سياق موازٍ فإنه منذ عام 2024، كثفت الاستخبارات الإسرائيلية انخراطها الهادئ مع صوماليلاند، عبر إقامة علاقات سرية مع شخصيات سياسية رفيعة المستوى، وعقد اجتماعات مباشرة بين رؤساء أجهزة استخبارات ومسؤولين صوماليلانديين، في مسار مهّد دبلوماسياً لاعتراف إسرائيلي لاحق بالإقليم مع الحفاظ على غموض علني ممنهج، وقد توّج هذا المسار بزيارة علنية لوزير الخارجية الإسرائيلي إلى هرجيسا مطلع 2026. وهو انخراط له أبعاد أمنية واستخبارية مباشرة تتجاوز التطبيع الرمزي، حيث كشف تقرير لشبكة "سي أن أن" عن شبكة قواعد إقليمية سرية سمحت لإسرائيل بتوسيع نطاق تطويقها لإيران.

وقد يستحق ميناء بربرة ومطاره وضعاً تحليلياً خاصاً في أي قراءة لهذا المشهد، إذ لم يعد مجرد أصل بنية تحتية تديره جهة واحدة، بل تحوّل إلى نقطة تقاطع فعلية بين مصالح خمسة أو ستة فاعلين دوليين وإقليميين في آن واحد: إدارة إماراتية تجارية وعسكرية، واهتمام أميركي بديل لجيبوتي، وتموضع إسرائيلي استخباري، وإمداد لوجيستي يخدم المصالح الإثيوبية في المنطقة عبر طريق بربرة - هرجيسا، إضافة إلى قيمته كورقة تفاوضية تستخدمها هرجيسا نفسها لانتزاع اعترافات دبلوماسية متعددة الاتجاهات.

هذا التزاحم على موقع جغرافي واحد يفسّر إلى حد بعيد سبب تسارع وتيرة الأنشطة الأمنية والاستخبارية في هرجيسا خلال الفترة الأخيرة مقارنة بأي مرحلة سابقة منذ إعلان الإقليم استقلاله من جانب واحد عام 1991. فبربرة لم تعد أصلاً اقتصادياً يُدار بمنطق تجاري بحت، بل تحوّلت إلى أصل جيوسياسي تتنافس عليه أطراف عدة، بعضها يسعى إلى توظيفه في مواجهة التهديدات الحوثية بالبحر الأحمر، وبعضها الآخر يوظفه في معادلة الاحتواء الإقليمي لإيران، وبعضها الثالث يستخدمه كخط إمداد في سياق حرب إقليمية أخرى بعيدة جغرافياً، لكنها متصلة استراتيجياً، أي الحرب السودانية.

وبطبيعة الحال، لا يمكن قراءة هذا التوسع الأمني والاستخباري بمعزل عن التوتر المتصاعد بين هرجيسا ومقديشو حول شرعية هذه الترتيبات من الأساس. فقد أقرّ مجلس الوزراء الصومالي في يناير (كانون الثاني) الماضي مشروع قانون يهدف إلى حماية السيادة الوطنية، يمنع الإدارات الإقليمية، ومن ضمنها صوماليلاند، من إبرام اتفاقات مع أطراف أجنبية دون إذن سابق من الحكومة الاتحادية، مؤكداً في بيانات رسمية أن أي تعامل سياسي أو دبلوماسي يتجاوز صلاحيات الحكومة المركزية يفتقر إلى الشرعية القانونية.

هذا التوتر القانوني والسياسي يضع صوماليلاند في موقع حساس: فكلما تعمّق التموضع الاستخباري والعسكري الأجنبي في أراضيها، ازدادت حاجتها إلى غطاء دبلوماسي يبرر هذا التموضع، وهو ما يفسّر اندفاعها المتزايد نحو انتزاع اعترافات دولية جزئية أو ضمنية (كما في الحالة الإسرائيلية) بدلاً من انتظار اعتراف أممي شامل قد لا يتحقق في المدى المنظور.

من المفارقات اللافتة أن هذا التصاعد في الانخراط الاستخباري والعسكري الدولي يتزامن مع حالة من الهشاشة الأمنية الداخلية في صوماليلاند نفسها، إذ شهد الإقليم اضطرابات في مدينتي لاسعنود وبورما (عاصمة إقليم أودال)، وهو ما يضع علامة استفهام حول مدى قدرة هرجيسا على إدارة هذا الكم المتصاعد من الشراكات الأمنية الخارجية في ظل توترات داخلية لم تحسم بعد فالتناقض بين صورة صوماليلاند كـ"نموذج يحتذى" للاستقرار في إقليم مضطرب، التي تروّج لها السلطات المحلية لتبرير مكانتها شريكاً أمنياً موثوقاً، وبين واقع الهشاشة الداخلية المسجلة ميدانياً، هو أمر يجعل الرهان الدولي والإقليمي على صوماليلاند مرتكزاً أمنياً بديلاً لجيبوتي أو حليفاً استخبارياً في مواجهة إيران والحوثيين، رهاناً محفوفاً بأخطار لم تُختبر بعد في سيناريو أزمة أمنية داخلية حقيقية.

والسؤال الذي يفرض نفسه على أي تقدير استراتيجي لمستقبل هذا الملف ليس ما إذا كانت صوماليلاند ستحصل على اعتراف دولي واسع في المدى القريب، فهذا يبدو غير مرجح في ظل استمرار المعارضة الصومالية والأفريقية له، بل ما إذا كانت هرجيسا قادرة على إدارة هذا التزاحم الاستخباري المتصاعد على أراضيها من دون أن تتحوّل إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين أطراف تتقاسم موقعها الجغرافي، لكنها لا تتقاسم بالضرورة الأهداف الاستراتيجية النهائية ذاتها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل