Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهلوسة الرقمية... كيف يربك الذكاء الاصطناعي بيئات العمل؟

كلما تسارعت الآلة في الإنتاج تضاعف جهد تصحيح ما تنتجه وتحولت الكفاءة الموعودة إلى عبء خفي يستنزف الوقت والثقة

ارتفعت نسبة المقالات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي إلى ما يقارب 39 في المئة من مجمل ما ينشر على الإنترنت في غضون 12 شهراً فقط من إطلاق "تشات جي بي تي" (أن سبلاش)

ملخص

توصل العاملون إلى نتيجة أن الذكاء الاصطناعي لا يختصر الوقت، بل ينقل عبء العمل من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة المراجعة والتدقيق، الأمر الذي سبب للموظفين إرهاقاً ذهنياً، إذ يقضون نصف يومهم يهذبون نصوصاً مولدة آلياً بدل أن يكتبوها من الصفر في وقت أقل. فالجلوس لساعات على مهمة إضفاء طابع إنساني على المسودات الآلية، مهمة أصعب من تحرير نص بشري.

تخيل أن تتسلم تقريراً من زميل، تقرأه على عجالة فيبهرك المحتوى، وتعتمد عليه في اجتماع العمل، ثم تكتشف لاحقاً أن نصف مصادره غير موجودة والكتب التي يستشهد بها لم تُكتب يوماً والأرقام المضمنة كانت تخميناً آلياً لا أكثر. هذا بالضبط ما حدث مع شركة "ديلويت" (Deloitte) الأسترالية في منتصف عام 2025، حين سلمت تقريراً حكومياً من 237 صفحة، كُلفت بإعداده بعقد يبلغ 440 ألف دولار أسترالي. لكن حين شرع باحث في جامعة سيدني في قراءته، اكتشف أن معظم مراجعه غير موجودة، ولا تتعدى كونها كتباً أكاديمية مخترعة ومقتطفات من قضايا قانونية وهمية، كلها من إنتاج روبوت المحادثة "تشات جي بي تي". والحقيقة أن الحادثة هذه لم تصل إلى العلن إلا بالصدفة المحضة، فكم من حادثة مشابهة لم تكشف بعد؟

تمييز القيمة

ثمة مفارقة هنا، فالتقنية التي جرى تسويقها باعتبارها أداة إنتاجية لا نظير لها، باتت في أحيان كثيرة تنتج المزيد من العمل بدلاً من أن تختصره. نواتج نصية بكميات هائلة غمرت الإنترنت بمقالات وتقارير سطحية وإجابات متكررة ورسائل بريدية طويلة ومحتوى تسويقي منخفض الجودة، كلها صعبت على القارئ تمييز القيمة الحقيقية. فالمحتوى يبدو جميلاً على هيئة مقالات منظمة ذات نبرة منضبطة وخالية من الأخطاء الإملائية، لكنها بلا روح أو أثر، والأهم أنها تدور حول المعنى ولا تصل إليه، وتكرر العبارات نفسها بأساليب مختلفة من دون أن تقول أي جديد.

مقالات الذكاء الاصطناعي

سابقاً، كان المقال الجيد يتطلب وقتاً وجهداً وقراءات متعددة ومراجعات تالية، وكانت كل هذه الخطوات تعمل كمرشحات طبيعية تمنع الرديء من الوصول إلى الواجهة. أما اليوم، فيمكن لأي نموذج لغوي أن ينتج عشرات المقالات في دقيقة، لتملأ قواعد البيانات وتترأس المنصات.

لقد أغرتنا سرعة الآلة الهائلة لدرجة أننا تخلينا عن آليات المراجعة والتدقيق التي كانت تحافظ على التوازن، لتنهار كفة ميزان الكمية والجودة. إذ في غضون اثني عشر شهراً فقط من إطلاق "تشات جي بي تي"، ارتفعت نسبة المقالات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي إلى ما يقارب 39 في المئة من مجمل ما ينشر على الإنترنت، وفق دراسة شركة الأبحاث "غرافيت" (Graphite) التي رصدت عشرات الآلاف من الصفحات، قبل أن تستقر النسبة عند 52 في المئة في مايو (أيار) من عام 2025.

تضخم يقلل الإنتاجية

أصبح من المؤكد أن نماذج الذكاء الاصطناعي تهلوس وتقدم معلومات خاطئة في التقارير والبحوث وحتى الإجابات القانونية أو الطبية، الأمر الذي أجبر المحترفين على مراجعة كل مخرجاتها. ولأن هذه الهلوسات تأتي مغلفة بثقة عالية ولغة واثقة وتراكيب وعبارات متماسكة، فإنها تصبح أكثر خطورة من الكذب المتعمد، إذ إن الأخير يمكن اكتشافه غالباً.

نرى في مجال الأعمال نماذج متكررة من ذلك، تقارير مالية تستشهد بإحصاءات غير موجودة وتحليلات للسوق تعتمد على دراسات وهمية، وعندما يواجه المرء هذه الأخطاء، يضيع وقتاً ثميناً في مطاردة المصادر، وهكذا تصبح مواجهة الهلوسات وظيفة في حد ذاتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غرق صامت

منذ أن تسللت مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى جوهر أعمالنا من دون ضوابط حقيقية، تحولت بيئتنا المهنية إلى مسرح للفوضى الهادئة. حال يصعب علينا فيها التمييز بين الحقيقة والهلوسة، إذ تتوالد النصوص بسرعة تفوق قدرتنا على معالجتها وتنهار الجودة تحت وطأة الكم.

وفي موج الذكاء الاصطناعي هذا، نجد أنفسنا بين لحظة وأخرى غارقين في وابل من المخرجات التي ولدتها آلات لا تعي ما تنتج ولا تدرك سياق ما تقول، ومع ذلك تفاجئنا بثقتها العمياء وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة. في بيئة كهذه، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى مصدر للفوضى التي تتسلل بهدوء إلى مهامنا اليومية، بوتيرة لا تمنحنا فرصة التنبه والاستنكاف، إلا بعد أن تتفشى الأخطاء، وبذلك تتحول إدارة العمل إلى سباق مع التصحيحات عوضاً عن التركيز على الإبداع.

تهذيب النصوص

توصل العاملون إلى نتيجة أن الذكاء الاصطناعي لا يختصر الوقت، بل ينقل عبء العمل من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة المراجعة والتدقيق، الأمر الذي سبب للموظفين إرهاقاً ذهنياً، إذ يقضون نصف يومهم يهذبون نصوصاً مولدة آلياً بدل أن يكتبوها من الصفر في وقت أقل. فالجلوس لساعات على مهمة إضفاء طابع إنساني على المسودات الآلية، مهمة أصعب من تحرير نص بشري.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة أن 41 في المئة من الموظفين اصطدموا بمخرجات ذكاء اصطناعي تطلبت منهم ما يقارب ساعتين إضافيتين لتصحيحها. والمشكلة المقنعة خلف هذه التجليات تكمن في التأثير طويل المدى، الذي يبدأ بتآكل المهارات وضمور التفكير النقدي والقدرة على صياغة الأفكار، ولا ينتهي عند تهديد الخبرة فحسب، بل يمتد ليشكل خطراً أخلاقياً يشجع على استمرار إنتاج الأعمال الرديئة في غياب القوانين الناظمة.

في النهاية، لا بد من التأكيد مجدداً على أن المشكلة الحقيقية ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في دمجه الفوري والاعتماد الكامل عليه من دون عملية تدقيق بشرية ومن دون وضع معايير أخلاقية واضحة. إننا ندفع اليوم ثمن التأخير التنظيمي، الأمر الذي حول فائدة الخوارزميات إلى عبء إضافي بدل تبسيط العملية برمتها.

وكما في كل مرة، يتوقف الحل كله عند الإنسان، ويتركز في تثقيف المجتمعات لاستخدام هذه الأدوات بصورة أكثر ذكاء ومسؤولية والوعي بطريقة طرح الأسئلة، والحرص على مراجعة كل نص مولد، إذ لا يجب بأي حال من الأحوال أن تتجاوز التقنية كونها أداة مساعدة، لا بديلاً عن العقل. فهل نملك القدرة على كبح جماح هذا التدفّق الأعمى قبل أن تبتلع الفوضى الناعمة إلى معيار نعمل بموجبه؟

اقرأ المزيد

المزيد من علوم