ملخص
هل آكل هذه المعلبة لأعيش، أم أتركها حتى لا أموت بالسكري؟ سؤال قاتل يختصر معركة مرضى السكري في خيام غزة. انقطاع التبريد يحول الأنسولين إلى سائل بلا فاعلية، ونفاد أشرطة القياس يجبر الأطباء على "الحقن التخميني".
داخل خيمة قماشية لاهبة في قطاع غزة يجلس خالد محملقاً في علبة ألمنيوم مغلقة من المساعدات الغذائية الشحيحة، يمسكها بيد ترتجف وعينين أجهدهما التعب، فالأمر هنا يمتد إلى معركة خفية تدور داخل عروقه.
يدور في ذهن خالد كل صباح سؤال قاتل يختزل فظاعة العيش في غزة "هل آكل هذه المعلبة النشوية لأعيش وأطرد شبح الجوع، أم أتركها جانباً حتى لا يرتفع السكري في دمي فأموت فوراً بغياب الأنسولين؟".
يتحدث خالد بصوت يملؤه الإنهاك والدوار المستمر "لقد اضطررت إلى تقليص جرعة الأنسولين الخاصة بي إلى النصف لأنها ببساطة أوشكت على النفاد، أشعر بالدوار طوال الوقت وأفقد توازني أحياناً تحت هذا اللهيب، في كل ليلة أنام وأنا لا أعلم إن كنت سأستيقظ في الصباح أم لا، لقد أصبح الأنسولين مثل الذهب في غزة، من يجده يعيش ومن لا يجده يواجه مصيره".
مصابو السكري
صرخة خالد تجسيد لما يعيشه عشرات الآلاف، فعدم توفر أدوات التوازن البسيطة لمرضى السكري في غزة وعدم حصولهم على وجبة الغذاء المناسبة وجرعة الدواء المحفوظة في تبريد آمن يهدد حياتهم. والغذاء المتاح في غزة، الذي يتكون بمعظمه من معلبات غنية بالكربوهيدرات والنشويات المعقدة لغياب الخضراوات والفاكهة يتعامل معه مرضى السكري بمثابة سم بطيء يتلف أجساد المرضى ويرفع مستويات السكري لدرجات حرجة لأن الأنسولين شحيح أو منتهي الصلاحية.
يكمل خالد "الأنسولين نفسه إن وجد، يتحول إلى تهديد حاد، إذ إن حقنه في جسدي الذي يعاني سوء التغذية قد يؤدي إلى هبوط مفاجئ وصادم في السكري يودي بحياتي في دقائق، إضافة إلى أن انقطاع الكهرباء الذي يحافظ على برودة الأنسولين أمر مستحيل في غزة، مما يفقد الحقن فاعليتها الحيوية ويمنح المرضى وهماً زائفاً بالأمان".
خلف الوجع الذي يعيشه خالد يواجه نحو 80 ألف مريض سكري مسجل في القطاع موتاً غير مرئي، هؤلاء لا تسجل شاشات التلفزة رحيلهم في قصف مباشر يفجر الأبنية، لكنهم يسقطون تباعاً في الخيام ومراكز الإيواء نتيجة غيبوبة السكري أو الفشل الكلوي أو الحماض الكيتوني القاتل.
ومن بين هذه الأرقام، ثمة 3500 مريض بالنوع الأول يعتمدون كلياً على الحقن، يشاركهم الخطر نحو 2500 طفل يفتقرون لأبسط شرائط الفحص اليومي وأجهزة القياس التي اختفت تماماً من الأسواق.
يعد مرضى السكري في غزة جزءاً من مصابي الأمراض المزمنة، وجميعهم يتعرضون لعملية خنق بطيئة تؤدي إلى توقف وظائف أجسادهم، يقول المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس "الناس في غزة يموتون بسبب الأمراض التي يمكن الوقاية منها وعلاجها، في وقت تنتظر فيه الشاحنات المحملة بالأدوية والمساعدات الطبية الحيوية عند الحدود. إن غياب الرعاية للمصابين بالأمراض المزمنة يحول الحصار الإنساني إلى حكم بالموت".
"فخ المعلبات"
تحت شمس الصيف اللاهبة التي ترفع حرارة الخيام القماشية إلى درجات لا تطاق، تواجه الأوعية الدموية لمرضى السكري قضية التسمم الغذائي، إذ تحولت صناديق الطعام الإغاثية التي من المفترض أن تنقذ حياة الجائعين إلى شراك ممتلئة بالسموم بالنسبة إلى من يعانون أمراضاً مزمنة.
وتشير التقارير الميدانية الصادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) إلى أن طرود المساعدات الإنسانية الشحيحة التي تصل إلى مراكز الإيواء والنزوح تعتمد بنسبة تتجاوز 90 في المئة على النشويات المكررة والأغذية المحفوظة، كالفول المعلب والحمص والمعكرونة والرز، وحتى الدقيق الأبيض.
ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن هذا التدفق الأحادي للغذاء، تزامن مع غياب شبه تام للخضراوات الطازجة والألياف والبروتينات النظيفة، مما يضع المرضى أمام معضلة علمية وإنسانية حادة، إذ إن المتاح الوحيد لإنقاذهم من الجوع هو بالتحديد ما يحظر عليهم طبياً تناوله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يجبر آلاف النازحين في القطاع على تناول أطعمة يعلمون يقيناً أنها تدفع بوظائفهم الحيوية نحو مضاعفات خطرة لعدم توفر بدائل صحية، ويشرح خالد "نعلم أن هذا الطعام يدمرنا من الداخل، فعند تناول وجبة الفول المعلب أو المعكرونة من دون توفر الأنسولين، أشعر بثقل شديد وتهاجمني نوبات عطش حاد وزغللة في العينين". ويضيف "نحن لا نواجه خطر الجوع فحسب، بل نجبر على تناول طعام يرفع السكري إلى مستويات سمية، ليصبح الخيار المتاح أمامنا هو إما الموت جوعاً أو الموت التدرجي بتلف الأعضاء وفشل الكلى".
يؤكد المشرف على نقاط الرعاية الطارئة الطبية في وزارة الصحة ناهض أبو طعيمة "السلال الغذائية والمساعدات الإغاثية المتوافرة حالياً تفتقر تماماً إلى الحد الأدنى من المعايير الصحية اللازمة للأمراض المزمنة، غياب الخضراوات والبروتينات الطازجة، والاعتماد المطلق على المعلبات والنشويات ذات المؤشر الجلايسيمي المرتفع، يعجلان بحدوث مضاعفات حادة لمرضى السكري مثل الحماض الكيتوني وغيبوبات السكري المتكررة، في بيئة تفتقر إلى أبسط أدوات الإسعاف الأوَّلي".
في مخيم للنازحين بمدينة دير البلح، تجمع جميلة حبوب البقوليات الجافة المتوافرة في المساعدات كالحمص والعدس، وتقوم بطحنها يدوياً باستخدام الحجارة وأدوات بدائية لإنتاج دقيق بديل تصنع منه قطع خبز صغيرة لطفلها أحمد المصاب بالسكري من النوع الأول، الذي يعتمد كلياً على الأنسولين للبقاء على قيد الحياة.
تهدف جميلة من خلال هذه الآلية إلى إيجاد غذاء ذي مؤشر جلايسيمي منخفض يساعد في تقليل الارتفاعات الحادة والمفاجئة في سكري دم طفلها، في محاولة لحمايته من الدخول في غيبوبة مفاجئة داخل الخيمة، لا سيما مع انعدام شرائط الفحص اليومي وأجهزة القياس.
الأنسولين المميت
يتوفر في غزة علاج الأنسولين، إذ تسمح إسرائيل بمروره كل فترة بعد تنسيق مع المنظمات الدولية، لكن المشكلة في "الأنسولين الفاسد ظاهرياً"، والتي برزت بسبب انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة في الصيف.
من الناحية العلمية، يصنف هرمون الأنسولين كبروتين حساس للغاية، يتفكك تركيبه الكيماوي ويفقد فاعليته الحيوية تماماً إذا تعرض للضوء المباشر أو لدرجات حرارة تتجاوز 28 درجة مئوية لفترات ممتدة.
تحول دواء الأنسولين المتوافر في أيدي النازحين إلى سائل عديم الجدوى عندما أصبح الغزيون يحفظونه في البيئة الحرارية القاسية داخل الخيام، والتي تمتص أشعة الشمس في ذروة فصل الصيف لتسجل بداخلها درجات حرارة تتعدى 40 درجة مئوية، وسط انقطاع تام وشامل لشبكات الكهرباء ونظم التبريد الآمنة.
يقول المشرف الطبي ناهض أبو طعيمة "يحقن المريض نفسه بالجرعة المحددة له بانتظام معتقداً أنه في أمان صحي، بينما المادة الفعالة ميتة بيولوجياً، ونتيجة لذلك، تتدحرج المؤشرات الحيوية لجسده نحو الخطر من دون أن يدرك السبب، ليدخل فجأة في غيبوبة ارتفاع السكري الحاد أو الحماض الكيتوني الذي يهدد الحياة، في وقت يظن أنه محمي بالدواء المتاح".
تؤكد منسقة الطوارئ لمنظمة "أطباء بلا حدود" في قطاع غزة كارولين سيغوين، أن القيود الصارمة والمستمرة على دخول المواد الأساسية والوقود عطلت بالكامل قدرة المنشآت الطبية ونقاط الرعاية على الحفاظ على سلسلة التبريد اللازمة لحفظ الأدوية الحيوية مثل الأنسولين. وتضيف "النقص الحاد أدى إلى نفاد المخزون وإجبارنا على تقنين الخدمات، بينما تحول البيئة الحرارية في مراكز النزوح دون الحفاظ على فاعلية الجرعات المحدودة التي تصل بصورة متقطعة، مما يحرم مرضى الحالات المزمنة من أثر العلاج الحقيقي".
في منطقة الإيواء غرب خان يونس، يعتمد خميس على ابتكار هندسة تبريد تقليدية لحفظ قلم الأنسولين الوحيد الذي يمتلكه، إذ قام بإحضار وعاءين من الفخار الطيني، أحدهما أصغر من الآخر، ووضعهما متداخلين مع حشو الفراغ بينهما بالرمال الناعمة، ثم يسكب قطرات شحيحة من الماء فوق الرمل بانتظام ليحافظ على رطوبة القارورة الداخلية بفعل التبخير المستمر.
يقول خميس "أقضي ساعات طوال أبحث عن ليتر واحد من الماء غير المالح لترطيب الرمل المحيط بالقلم، الأنسولين يبدو سليماً في المظهر، لكن الخوف ينهشنا من أن تكون حرارة الخيمة القاتلة قد أفسدت مفعوله من دون أن ندري، نحرس القوارير كمن يحرس حياته، لأن تلفها يعني ببساطة مواجهة الموت بلا أدنى وسيلة دفاع".
الفحص الأعمى
يدخل مرضى السكري في قطاع غزة مرحلة متقدمة من الخطر بسبب غياب أبسط أدوات التقييم الحيوي، وهي الأزمة التي تعرف طبياً بـ"الفحص الأعمى"، ويتجسد في الشح الحاد والغياب شبه التام لأشرطة فحص السكري ووخزات العينات والارتفاع الجنوني لأسعار المتاح منها في السوق الموازية.
عدم توفر أدوات التقييم الحيوي أجبر المرضى والأطباء على اعتماد القياس التخميني ومراقبة الأعراض الظاهرية مثل الدوخة أو التعرق أو الإعياء لتحديد الحاجة إلى الدواء، وبناءً على الظن والتقدير الشخصي يحقن المريض نفسه.
مدير المستشفيات محمد زقوت يؤكد أن "الحقن العشوائي قد يؤدي إلى هبوط حاد ومفاجئ في السكري، وهو عارض يقتل الخلايا الدماغية في دقائق معدودة إثر غيبوبة هبوط حادة، مما يحول الأنسولين من عقار منقذ للحياة إلى جرعة انتحارية أشد خطراً وأسرع قتلاً من الارتفاع نفسه.
ويضيف زقوت "نعيش حالاً من العجز الطبي والتقني الكامل، إذ تضطر الطواقم في كثير من الأحيان لإعطاء توجيهات بالحقن التخميني للأنسولين بناءً على شكاوى المرضى الظاهرية فقط لعدم توفر شريط فحص واحد".
في عيادة قماشية مستحدثة بغرب دير البلح، يقف الطبيب المتطوع أنس عاجزاً أمام طفل يرتجف بشدة، وبسبب نفاد شرائط القياس تماماً من عيادته، يضع باطن يده على جبين الطفل لتقييم رطوبة الجلد، والنظر في عينيه لمراقبة اتساع حدقته. ويقول "أشعر برعب حقيقي في كل مرة أطلب فيها من أم أن تحقن طفلها بالأنسولين من دون رقم دقيق يظهر على الشاشة، أضع يدي على جبينه البارد، أرى عرقاً غزيراً وزوغاناً في البصر، فأتساءل: هل هذا هبوط أم ارتفاع حاد؟ الحقن هنا أشبه بالسير في حقل ألغام وعيوننا معصوبة، إذا أخطأت في تقدير جرعة طفل يعاني أصلاً سوء التغذية فقد ينتهي الأمر بوفاته بين يدي في دقائق".
تقدم السلطات الإسرائيلية رواية مغايرة تماماً للمشهد الإنساني والطبي داخل قطاع غزة، نافية وجود سياسة تعتيم أو منع ممنهج للمستلزمات الطبية الخاصة بمرضى السكري.
يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية يورام هليفي "تل أبيب لا تضع أية قيود على دخول الأدوية الحيوية، بما في ذلك هرمون الأنسولين بمختلف أنواعه وأشرطة فحص نسبة السكري في الدم، ومنذ بدء الهدنة تم تسهيل دخول أكثر من 18 ألف طن من الأدوية والمستلزمات الطبية عبر المعابر الرسمية بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية والشركاء الدوليين". ويضيف "الأقلام الطبية والمحاليل العلاجية تمنح أولوية العبور السريع ما دامت شحنت عبر القنوات والمنظمات الإنسانية المعتمدة، وترى السلطات الإسرائيلية أن مسؤولية الحفاظ على فاعلية البروتينات الحيوية كالأنسولين وتأمين ثلاجات حفظ الوقود تقع على عاتق الوكالات الأممية العاملة ميدانياً، والتي تحظى بحرية حركة منسقة داخل القطاع لإيصال المساعدات إلى مستحقيها".