Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غزة بلا نحل والتبعات على النظامين الغذائي والبيئي

نقل خلايا صانعات الشهد من المراعي المفتوحة إلى العيش فوق أسطح البنايات يثير قلق الأوساط العلمية والبيئية في القطاع

ألحقت الحرب التي دارت بين "حماس" وإسرائيل دماراً كاملاً ببيئة النحل ومستلزمات عيشه (أ ف ب)

ملخص

"حتى النحل جاع في غزة"...

من بين الركام والخلايا المتفحمة، يرصد هذا التقرير كيف تحولت تربية النحل من مصدر رزق لآلاف الأسر إلى قطاع يقترب من الاندثار، فما الذي يعنيه غياب النحل لمستقبل الزراعة والغذاء في القطاع؟

يقف المزارع علاء حسون وسط حقل من الركام في منطقة "أبو العجين" شرق دير البلح، منحنياً فوق بقايا مربعات خشبية متفحمة كانت مستعمرات نحل تعج بالحياة والنشاط، يمرر يده الخشنة فوق حافة صندوق خلايا مكسور، ليرتد إليه صدى الفاجعة التي أحدثتها الآليات العسكرية الإسرائيلية حين دمرت مناحله وجرفت مشروع عمره.

ألحقت الحرب التي دارت بين "حماس" وإسرائيل دماراً كاملاً ببيئة النحل ومستلزمات عيشه، ينبش علاء الصناديق المتناثرة التي كثيراً ما سهر على رعايتها، ويقول بنبرة يملؤها الأسى "تفحمت الخلايا وضاع المجهود، تكبدت خسائر مالية تجاوزت 20 ألف دولار، ولم يتبق لي من المنحلة سوى ألواح خشبية محطمة وميتة، بتنا نجمعها لاستخدامها حطباً لإيقاد النار وطهي الطعام فوق الأنقاض".

هذا الدمار الخانق الذي يخيم على الأراضي الزراعية كان قبل الحرب حياة صاخبة، فمع إشراقة كل صباح كانت هذه البيارات تضج بطنين آلاف النحلات العاملة التي تملأ الأجواء حركة، وهي تتنقل بزهو بين أزهار الحمضيات وحقول اللوزيات الممتدة.

بسبب العمليات العسكرية اختفى طنين النحل تماماً، وبات المشهد موحشاً جراء تدمير الغطاء النباتي والقصف المستمر، إذ أبادت الحرب خلايا صانعات الشهد، ودفع ما تبقى منها للفزع والهجرة، يعلق علاء بحسرة "حتى النحل جاع في غزة، وفر خوفاً وفزعاً من شدة القصف وفقدان المراعي، ولم نعد نلمح أي أثر لتلك الأسراب في الأجواء، لقد دمر القتال العسكري هذا القطاع بالكامل".

في الواقع، إن تجريف واستهداف خلايا النحل ليس مجرد انتكاسة تجارية لمنتجي العسل أو غياب لمنتج غني وشحيح، بل هو مؤشر على كارثة بيئية خطرة تجهز على التنوع البيولوجي وتصيب الأمن الغذائي في مقتل، فالنحل يمثل حجر الزاوية في عملية تلقيح المحاصيل وضمان استمرار الإنتاج النباتي الطبيعي، وغيابه يهدد بانهيار المنظومة الزراعية بأكملها، مما يجعل الأرض عاجزة عن التجدد والتعافي ذاتياً.

الكارثة بالأرقام

يواجه قطاع تربية النحل وإنتاج العسل في قطاع غزة خطر الاندثار الفعلي، فوفقاً للبيانات الموثقة الصادرة عن الجمعية التعاونية لمربي النحل بالتنسيق مع وزارة الزراعة، أدت العمليات العسكرية إلى نفوق وإبادة ما بين 30 إلى 40 ألف خلية نحل كانت موزعة في شتى محافظات القطاع قبل اندلاع الحرب.

يقول رئيس الجمعية التعاونية لمربي النحل إبراهيم الضبة: "قطاع غزة كان يضم ما يزيد على 40 ألف خلية يعتاش منها آلاف الأسر"، وتؤكد بيانات وزارة الزراعة أن الحرب وجهت ضربة قاضية دمرت فيها ما يفوق 95 في المئة من هذه البنية التحتية الحيوية، ولم يتبق في عموم القطاع سوى بضع مئات من الخلايا المذعورة والضعيفة.

هذا التدمير الواسع لمستعمرات النحل أحدث انهياراً غير مسبوق في معدلات الإنتاج السنوي للعسل داخل السوق المحلية، فبعد أن كانت خلايا النحل في غزة ترفد الأسواق بنحو 380 إلى 400 طن من العسل النقي عالي الجودة سنوياً، محققة شبه اكتفاء ذاتي للسكان كمنتج غذائي وعلاجي أساس، هبط الإنتاج بفعل الحرب إلى مستويات قياسية تقترب من الصفر لتصل إلى أقل من 10 في المئة من قدرتها السابقة. ووفقاً للتقديرات المشتركة لوزارة الزراعة والاتحادات المحلية، فقد تكبد قطاع إنتاج العسل خسائر مادية فادحة ناهزت 39 مليون دولار.

يضيف الضبة "هذه الخسائر أفقدت النحالين المسجلين والرياديين والعمال المرتبطين بهذه المهنة الحرفية مصادر رزقهم الوحيدة، ليدخلوا مع عائلاتهم في أتون أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة، إذ فقد نحو 905 نحالين أعمالهم، بينهم 105 نحالات رياديات، وباتوا يعيشون أمام واقع شديد التعقيد في ظل غياب مقومات التعافي القريبة".

ما تعرضت له المناحل، جاء نتيجة مباشرة للدمار الشامل الذي خلفته الحرب، ففي الأيام الأولى للعمليات البرية طاول القصف الجوي والتجريف الميداني الواسع المزارع والبساتين الحدودية الشرقية فوراً، وهي المناطق التي الكمية الأكبر من المناحل نظراً إلى كثافة غطائها النباتي.

يقول متحدث وزارة الزراعة رأفت عسلية "جرفت الآليات العسكرية مئات الدونمات المزروعة بأشجار الحمضيات واللوزيات، وداست تحتها الصناديق الخشبية بمن فيها من شغالات وملكات، أما الخلايا التي أفلتت من القصف المباشر، فقد واجهت موتاً صامتاً وبطيئاً وغير مرئي جراء العطش والجوع الشديدين".

ويضيف عسلية "تسبب فرض الأحزمة النارية والمناطق العسكرية المغلقة في منع النحالين تماماً من الوصول إلى أراضيهم ومتابعة طوائف النحل لإمدادها بالمياه أو تقديم المحاليل السكرية البديلة، في وقت التهمت فيه سياسة الأرض المحروقة أكثر من 85 في المئة من الغطاء النباتي والمراعي الطبيعية في غزة، مما أدى إلى نفوق المستعمرات داخل بيوتها الخشبية المقفلة".

وفي عمق هذه المأساة البيئية المعقدة، وفي ظل انعدام غاز الطهي والوقود، اضطر النحالون والمواطنون المكلومون على حد سواء لجمع بقايا أخشاب الصناديق المحطمة وبراويز الشمع المذاب، التي كانت يوماً مصنعاً لإنتاج الشهد الشافي، وتحويلها إلى مجرد حطب يشعلون فيه النار تحت المواقد البديلة لطهي القليل من الطعام المتوفر لضمان البقاء.

هذا ما تعرضت له المناحل

كان تدمير قطاع تربية النحل في غزة بمثابة إعدام بيئي بدأ في تدمير المساحات المزروعة في القطاع، إذ عند دراسة خريطة المرعى المفقودة، يتبين أن الشريط الحدودي الشرقي والشمالي لقطاع غزة الذي كان يشكل المستودع الاستراتيجي والمورد الأساس لرحيق النحل، سحق بالكامل.

يقول الباحث البيئي نزار الوحيدي "نحو 98 في المئة من مناحل غزة كانت تتركز شرق شارع صلاح الدين"، هذه المنطقة الحدودية كانت تمثل الجدار البيئي الواقي للقطاع، إذ تمتاز بكثافة بيارات الحمضيات وحقول اللوزيات وأحزمة أشجار الكينيا".

يضيف الوحيدي "كانت هذه المنظومة النباتية المتكاملة توفر للنحل المراعي الطبيعية المتنوعة على مدار فصول السنة، تضمن إنتاج عسل ذي جودة وخصائص علاجية فريدة، إلا أن هذه الرئة الخضراء دمرت بالكامل".

بحسب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، أدى التجريف العسكري الإسرائيلي الواسع إلى محو أكثر من 85 في المئة من هذه المساحات الخضراء والغطاء النباتي في عموم قطاع غزة، مما تسبب في غياب تام ومفاجئ للأزهار والنباتات البرية التي يعتمد عليها النحل في غذائه اليومي وتأمين مخزونه من حبوب اللقاح.

يؤكد الوحيدي أن التجريف حرم النحلة غذاءها، حتى عجزت الشغالات عن الطيران لمسافات طويلة بحثاً عن زهرة في بيئة متصحرة، ولم تعد الملكات قادرة على الصمود داخل الخلايا في ظل النفاد الكامل للمغذيات الطبيعية، مؤكداً أن غياب الملقحات الطبيعية سيصيب المنظومة النباتية في غزة بالعقم.

إلى جانب الجوع واختفاء المرعى، برزت ظاهرة الموت الكيماوي، تشرح الباحثة في منتدى الزراعة الحضرية آلاء أبو جياب "النحل كائن يعتمد بصورة كلية على حاسة الشم الفائقة للتواصل، ولتحديد مسارات الطيران، والاهتداء إلى خلاياه بعد رحلات جمع الرحيق، لكن الغبار والدخان السام الكثيف المتصاعد جراء الانفجارات المستمرة، والمواد الكيماوية المنبعثة من المقذوفات والقذائف المدفعية، أحدثت تلوثاً حاداً في أجواء القطاع".

تؤكد أبو جياب أن هذه الأبخرة السامة ألحقت دماراً مباشراً بالجهاز العصبي للنحل وأفقدته حاسة الشم، ونتيجة لهذا التسمم الهوائي، أصيبت أسراب الشغالات بحالة من التخبط والفزع، فباتت عاجزة عن تمييز روائح خلاياها أو العودة لها، مما أدى إلى تشتت آلاف الأسراب ونفوقها تائهة في العراء.

تضيف أبو جياب "قتلت الحرب النحل بالقصف المباشر وأفقدته حواسه وقطعت سبل تواصله، لتموت الخلايا المتبقية من الجوع داخل الصناديق بعد أن فقدت شغالاتها المسؤولة عن التغذية، استهداف زراعة غزة يمثل جريمة بيئية ممتدة الأثر، ستدفع سلة غزة الغذائية ثمنها لسنوات مقبلة نتيجة غياب صانعات الشهد اللاتي كثيراً ما حفظن توازن هذه الأرض".

حلول بدائية

على حافة سطح مبنى تملؤه التصدعات ويطل على مشهد ركام ممتد في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، يقف النحال ناجي متفقداً برفق صفوفاً قليلة من الخلايا الناجية التي نقلها بصعوبة، يرتدي قبعة واقية مغطاة بالشبك ويستخدم أدوات تدخين معدنية لتهدئة النحل الذي يطن بذكاء حول ركام الحجر المهدم.

بالنسبة إلى النحال ناجي، فإن هذه الصناديق إرث عائلي ممتد توارثته الأجيال أباً عن جد، وشقاء عمر كامل، يقول "النحل كائن حساس، يطلب الشجر والزهر ليعيش وينتج، ونحن اليوم مجبرون على تربيته فوق الحجر المكسر والبيوت المهدمة وسط حصار خانق".

ويضيف "دمرت الآليات العسكرية مزارعنا ومشاريعنا الأساسية في المناطق الحدودية الشرقية، وخسرنا نحو 400 خلية من أجود السلالات، النحل يعاني كثيراً والأرض التي عاش عليها باتت منطقة عسكرية مغلقة يحظر دخولها، وكما نحن مشردون ونازحون في الشوارع، فإن النحل نازح ومشرد معنا هنا فوق هذا السطح المتضرر".

نقل النحل من المراعي المفتوحة إلى العيش فوق أسطح البنايات يثير قلق الأوساط العلمية والبيئية في القطاع، يشرح المهندس الزراعي والخبير البيئي أحمد العبد "الانخفاض الحاد في أعداد طوائف النحل، وصولاً إلى حافة الانقراض المحلي في بعض المناطق، يمثل تهديداً مباشراً وسريع الأثر في التنوع البيولوجي والأمن الغذائي".

ويضيف "النحل ليس مجرد آلة لإنتاج العسل، هو المحرك الأساس لتلقيح المحاصيل الزراعية وثمار الخضراوات والفاكهة، غياب الملقحات يتسبب تلقائياً في تراجع كفاءة وجودة البذور، ويهبط بمعدلات الإنتاج الزراعي المستقبلي إلى مستويات خطرة، فضلاً عن حرمان التربة من دورتها الحيوية الطبيعية التي تسهم في خصوبتها".

خاض النحالون في غزة مغامرات حافلة بالأخطار لإنقاذ مناحلهم، يتذكر يوسف عيد كيف تداخلت أصوات القصف المدفعي بأزيز النحل المذعور حين قرر الجيش الإسرائيلي اقتحام منطقته الحدودية في بلدة الزوايدة تحت النيران.

يقول يوسف "لم يكن أمامي خيار سوى مشاهدة خلاياي وهي تموت جوعاً أو المغامرة لتهريبها، قمنا بجمع الصناديق على عجل في عتمة الليل، وتحت أزيز الطائرات المسيرة، وحملناها فوق عربات بدائية تجرها الحيوانات".

ويضيف يوسف "كانت الرحلة عبر الطرقات المحطمة والمستهدفة بمثابة انتحار، فالاهتزازات الشديدة للعربة وحرارة الأجواء تسببت في هيجان النحل وفزع الشغالات التي بدأت تهاجم كل ما يحيط بها".

يتابع يوسف "كنا نسير بين ركام الأبراج السكنية المنهارة والناس ينظرون إلينا برعب وخوف من اللسعات، لكن الهدف كان أسمى، أردنا حماية هذه الكائنات من الموت، انتهى بنا المطاف برص الصناديق الناجية على أسطح المدارس ومراكز الإيواء المكتظة بالنازحين في دير البلح، وعلى رغم المخاوف اليومية من لسع الأطفال أو استهداف الأسطح، إلا أن السكان باتوا يتقبلون هذا الجار الجديد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بلا مستلزمات

تواجه المناحل الناجية موتاً من نوع آخر، ناتجاً من الاختفاء التام لمستلزمات الإنتاج الأساسية التي يحظر دخولها جراء الحصار وإغلاق المعابر، وفي مقدمة هذه المواد "شمع الأساس" الذي يعتمد عليه النحل لبناء بيوته السداسية، إلى جانب انعدام العلاجات الفيروسية والمضادات الحيوية المخصصة لمكافحة الآفات الفتاكة مثل طفيليات "الفاروا" التي بدأت تفتش في أجساد ما تبقى من نحلات ضعيفة.

يقول النحال أمين لطفي "حتى لو نجت بضع خلايا فوق أسطح منازلنا، فإننا نقف مكتوفي الأيدي أمام موتها، فلا علاج متوفر للأمراض ولا شمع لتركيبه وأسعار السكر اللازم لإطعام النحل بدلاً من الزهور المفقودة تجاوزت قدرتنا الاقتصادية، مما جعل استمرار الحرفة بمثابة معجزة يومية".

تحول العسل في قطاع غزة من منتج غذائي يومي وملاذ علاجي طبيعي متاح لجميع الفئات، إلى مادة شبه مفقودة وتصنف ضمن السلع الترفيهية النادرة. ومع تراجع الإنتاج السنوي ارتفعت الأسعار بصورة جنونية، إذ قفز سعر كيلو العسل المحلي من نحو 27 دولاراً قبل الحرب إلى أكثر من 150 دولاراً.

ردود

تؤكد "الفاو" أن استمرار تدمير وحظر الوصول إلى أكثر من 95 في المئة من الأراضي الزراعية والمراعي الخضراء يحرم الملقحات الطبيعية من سبل التعافي الذاتي ويصيب الأمن الغذائي في مقتل، يقول المدير المساعد لـ"الفاو" عبدالحكيم الواعر "تقديم المساعدات الغذائية الموقتة لم يعد حلاً مستداماً لسكان غزة".

في المقابل، يقول منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية يورام هليفي "العمليات العسكرية واستهداف الحقول أو تجريف المناطق المفتوحة في قطاع غزة لم يكن موجهاً ضد النشاطات الزراعية أو المدنية بحد ذاتها، حركة ’حماس‘ دمجت بنيتها التحتية العسكرية، بما في ذلك الأنفاق ومواقع إطلاق القذائف والمخابئ الميدانية، داخل الأحزمة الزراعية والبيارات المحيطة بالتجمعات السكنية والشريط الحدودي، مما جعل هذه المناطق ساحة قتال عسكرية ضرورية لحماية أمنها".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير