ملخص
آبار الحفر الامتصاصية، مصائد موت غير مرئية.
كيف تحولت مياه الصرف الصحي في خان يونس إلى خطر يبتلع أجساد النازحين ويلوث ما تبقى من مياههم؟
في أزقة مواصي خان يونس الساحلية، لا يأتي الليل بالسكينة، ينام سكان الخيم على خوف وقلق، ويصحون على روائح منبعثة من آلاف الحفر الامتصاصية لمياه الصرف الصحي العادمة.
استيقظ الطفل كرم (سبع سنوات) فزعاً، يشد طرف ثوب والدته سهام. يخاطبها "أمي... بطني يؤلمني، أريد الحمام، لكنني خائف من الحفرة".
لم تكن هناك حاجة إلى مزيد من الشرح، فالرحلة ليلاً صوب المرحاض باتت طقساً يكتنفه رعب الابتلاع.
طمأنته أمه "لا تخف يا حبيبي، يدي في يدك، امشِ ببطء". أنارت دربها عبر هاتفها الخليوي علها تبدد العتمة الحالكة، وخطت بقدمين حافيتين فوق الرمال، قاصدة حفرة امتصاصية هشة حفرها زوجها في زاوية بعيدة لتقضي عائلته فيها حاجتها.
تفتقر المواصي لأي بنية تحتية ولا توجد فيها شبكات تصريف سابقة، ومع النزوح المليوني الكثيف إليها، وجد الأهالي أنفسهم أمام معضلة قاهرة، وقاموا بتدشين الحفرة الامتصاصية كبديل بدائي أخير.
الحفر الامتصاصية
الحفر الامتصاصية عبارة عن بئر تحفر يدوياً بعمق يراوح ما بين مترين وثلاثة أمتار في باطن الأرض، تترك جدرانها رملية مكشوفة من دون تبطين أسمنتي، وتغطى فوهتها بألواح خشبية، وتعتمد على خاصية الامتصاص الروتيني، حيث تصب فيها العائلات مياه المراحيض العادمة لتتسرب مباشرة عبر مسامات التربة الرملية المحيطة، مما يخلق تجاويف باطنية مفرغة وسائبة أسفل القشرة الأرضية الظاهرة للمخيم.
كانت خطوات الأم وابنها بطيئة جداً، فالأرض الرملية الهشة تآكلت بفعل الرطوبة والمياه الارتشاحية النافذة. التفتت سهام لصغيرها ترشده "الرمل رطب يا كرم، تمسك بي جيداً".
تتحسس سهام موضع قدم طفلها، وعينها تراقب حواف الفوهة المغطاة بلوح خشبي مهترئ، بينما تهمس بعبارات غير مفهومة بانتظار انقضاء تلك الدقائق التي تلخص كيف تحولت أبسط الحاجات الإنسانية في غزة إلى تحدٍّ.
تقول سهام "في كل ليلة أخرج فيها مع أطفالي، أشعر أنني أقودهم إلى حتفهم، هذه الحفر الامتصاصية ليست مجرد مراحيض، بل هي آبار موت غير مرئية تحاصر خيمنا، نرى بأعيننا كيف تنهار حواف الرمل تدرجاً وتتسع الفوهة من تحتنا بفعل تغلغل المياه العادمة في العمق، وأبسط خطوة خاطئة في الظلام تعني أن يبتلع باطن الأرض طفلي، بتنا نموت رعباً من الانهيار المباغت قبل أن نموت من الأوبئة".
حفرة سهام الامتصاصية واحدة من بين آلاف الحفر العشوائية المنتشرة كالألغام الموقوتة بين أروقة المخيمات.
في السياق، حذر نائب رئيس اتحاد البلديات في قطاع غزة علاء البطة من الأبعاد الكارثية، قائلاً "تدمير إسرائيل الممنهج لشبكات ومحطات الصرف الصحي والبنية التحتية، أجبر مئات آلاف من النازحين على الاعتماد الكامل على الحفر الامتصاصية اليدوية العشوائية"، وأضاف "باطن الأرض في المخيمات بات قابلاً للانهيار المباغت نتيجة تغلغل آلاف الليترات من المياه العادمة يومياً في التربة الرملية الهشة، مما يحوّل هذه المساحات المكتظة إلى مصائد موت حقيقية تهدد حياة الأطفال والأسر ليلاً ونهاراً".
صرخات
وهذه الحفر الامتصاصية المموهة بالألواح المتآكلة كادت أن تطوي حياة صغار آخرين.
لم يكن الطفل براء، البالغ من العمر ست سنوات، يدرك أن المساحة الترابية الضيقة التي تفصل بين خيمته وخيمة جيرانه ليست ساحة للعب بل هي حقل ألغام موقوتة، ففي ممر ضيق مفعم بالحركة كان يركض بخطواته الطفولية السريعة ممسكاً بلعبة بلاستيكية صغيرة.
قبل أن يرتد نظر والده صلاح إليه، اختفى الصغير فجأة عن الأنظار، فيما لم يسمع سوى صراخ مكتوم قادم من أسفل القشرة الأرضية، حيث انزلق غطاء بئر الصرف الصحي الذي كان يقف عليه براء، وكان كناية عن لوح خشبي متآكل بفعل الرطوبة والمياه العادمة، مغطى بقطعة بلاستيكية طمرت بعناية فوقها طبقة خفيفة من الرمل والتراب لتمويه معالم المكان ومنع انتشار الروائح الكريهة.
عندما تهاوى الغطاء المتهالك تحت وطأة الوزن البسيط للصغير، لتنفتح الأرض وتبتلعه في جوف حفرة امتصاصية تخنق الأنفاس، تعالت صرخات الأب صلاح المذعور، ليتداعى جيران المخيم بملابسهم الرثة، يحفرون الرمال المنهارة بأيديهم وأدوات بدائية متوفرة، في سباق مع الزمن لانتشال براء قبل أن يُفقده الغاز السام وعيه.
نجا براء بأعجوبة، لكن الحادثة تركت ندبة رعب لا تمحى في قلوب سكان الخيم، لأنها تعكس كابوساً إذ تحولت أزقة المخيمات إلى مصائد أجساد مغطاة بالوهم.
هذا الانهيار الطبيعي سببه أن إسرائيل حظرت دخول مواد السلامة والبناء الأساسية إلى قطاع غزة، وفي مقدمها الأسمنت المقاوم والأغطية الخرسانية الجاهزة وأنابيب البلاستيك المقوى، هذا الحظر يجبر العائلات على تغطية آبارهم الامتصاصية باستخدام أغصان الشجر والأخشاب القديمة والصفائح المعدنية الصدئة كأغطية بدائية لا تصمد طويلاً أمام التآكل والرطوبة المستمرة.
حفر عشوائية
قال الأب صلاح "كل غطاء مستخدم في المخيم يخفي تحته الموت، كل خطوة نخطوها خارج الخيمة هي مغامرة غير محسومة النتائج، الإصابات وحالات التعثر تحدث يومياً، نغطي الحفر بالأخشاب لأننا لا نملك أسمنتاً، والرمال تخدعنا دائماً إذ تبدو متماسكة من الأعلى بينما هي مجوفة من الأسفل بفعل المياه والارتشاح المستمر".
في السياق، أوضح المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل أن "طواقمنا تسجل أسبوعياً بلاغات كثيرة عن انهيارات جزئية وحالات سقوط مأسوية لأطفال داخل هذه الحفر العشوائية بين الخيم، طبيعة رمال المواصي الهشة تضاعف الأخطار، في حين أن الحظر المباشر والمشدد لدخول مواد السلامة والأسمنت من قبل إسرائيل يحول دون بناء أي مرافق صرف صحي آمنة".
الماء الذي تغير طعمه
لم تعد الرمال الهشة وحدها مصدر الخطر الكامن في أزقة المواصي، المياه العادمة التي تمتصها التربة باتت ترتد عكسياً في إبريق شاي النازحين، فعند شروق كل شمس يبدأ الخمسيني إسماعيل رحلته المنهكة حاملاً غالونات البلاستيك صوب نقطة توزيع مياه قريبة.
داخل خيمته، يسكب إسماعيل كوباً ليشرب، يقربه من عينيه ليتفحص الشوائب العالقة، ثم يقربه من أنفه لتهاجمه رائحة غريبة مألوفة، مزيج بين العفونة والمرارة، يرتشف قليلاً فيبصق ما شربه، ويقول "هذه المياه غير صالحة للشرب، طعمها مرّ كأنها مستخرجة من مستنقع، لا بديل أمامنا، إما أن نشربها أو نموت من العطش".
ما شربه إسماعيل هو المياه التي رشحت إلى الخزان الجوفي، إذ يعتمد سكان غزة على الخزان الجوفي الساحلي كمصدر رئيس ووحيد للمياه، ومع انتشار أكثر من 320 ألف حفرة امتصاصية عشوائية وغير مبطنة هندسياً في محيط خيم النازحين، تتسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة عمودياً وأفقياً وبصورة مباشرة إلى طبقات الخزان الجوفي القريب جداً من سطح الأرض.
ما يزيد نسب التلوث أيضاً، توقف معالجة 185 ألف متر مكعب يومياً من مياه الصرف الصحي في القطاع، إذ تسبب انقطاع الوقود والكهرباء، وحظر دخول قطع الغيار ومواد التعقيم، بتوقف العمليات في محطات المعالجة الرئيسة الخمس، مما جعل 55 ألف متر مكعب من مياه العادم تتدفق يومياً بلا رقابة بيئية، يتسرب ثلثها مباشرة في باطن المخيمات.
أضاف إسماعيل "حتى الشاي الذي نصنعه لإخفاء الطعم لا ينفع، المرارة تلتصق باللسان، نحن نعلم أن هذه المياه ملوثة ونرى الأطفال يصابون بالمغص والإسهال.
من ناحيته، قال المسؤول في سلطة المياه مازن البنا "مياه العادم غير المعالجة تتسرب مباشرة وتتغلغل في الخزان الجوفي الساحلي، معدلات التلوث البكتيري والكيماوي تجاوزت الخطوط الحمراء والمعايير الدولية بصورة مرعبة، الكارثة الحقيقية هي أن هذا التلوث ليس أزمة موقتة تنتهي بوقف الحرب، وإنما دمار لن يزول فوراً، وسيمتد أثره المسرطن والملوث للآبار أعواماً طويلة مقبلة حتى بعد إعادة تشغيل منظومات المعالجة".
الأوبئة داخل الخيمة
تداعيات مياه الحفر الامتصاصية تترك بصماتها الصحية أيضاً في مخيمات مواصي خان يونس. داخل خيمة قماشية ضيقة تأخذ شكل عيادة طبية ميدانية، انحنى الطبيب يوسف ليقوم بفحص طفلة.
حرارة خانقة، والصوت الغالب داخل الخيمة طنين البعوض والحشرات الكثيفة التي تحوم فوق حفر البئر الامتصاصي المجاور.
لمس الطبيب يوسف بقعاً جلدية حمراء وقشوراً تغطي ذراعي الطفلة جوري، التي كانت تتلوى وتئن ممسكة بجلدها المستعر، التفتت والدتها رنيت نحو الطبيب تخاطبه "يا دكتور، الأطفال لا ينامون. أجسادهم تحترق بالحكة طوال الليل، وكلما داوينا طفحاً ظهر آخر".
تنهد الطبيب بوسف وهو يدون وصفة طبية يدرك شح مكوناتها في الصيدليات، وأجابها بحسرة "هذه الأكزيما والالتهابات الجلدية الحادة هي نتاج مباشر لاستيطان البعوض والحشرات هذه الحفر العشوائية، في ظل الانعدام المطلق للمبيدات الحشرية ومواد التعقيم والمياه النظيفة للغسيل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت الطبيب إلى أن حفر الصرف الصحي باتت الحاضنة الأساسية للأوبئة التي تجتاح الخيم وأن هذه المكاره البيئية تفسر رصد وتفشي الأمراض الفيروسية والمعوية بصورة قياسية وغير مسبوقة، وفي مقدمها التهاب الكبد الوبائي (أ) الذي أصاب ما يقارب 100 ألف نازح نتيجة تلوث الغذاء والماء بالمخلفات البشرية، بالتوازي مع تسجيل عشرات آلاف الإصابات بالجرب والقوباء.
في السياق، قال المتحدث باسم "منظمة الصحة العالمية" طارق ياساريفيتش "استيطان الحشرات والقوارض هذه الحفر المفتوحة وسط التجمعات السكانية أدى إلى تفشٍ وبائي حاد لأمراض خطرة كالتهاب الكبد الوبائي (أ) والأكزيما الجلدية المستعصية واليرقان الشديد، نحن نرى أمام أعيننا البيئة المثالية التي أعادت فيروس شلل الأطفال وفاشيات النزلات المعوية القاتلة، في ظل حظر إدخال الأدوية واللقاحات الروتينية ومستلزمات التعقيم".
تتحرك يد الأم مريم لتهز قطعة كرتونية فوق جسد طفلتها في محاولة يائسة لطرد البعوض، بينما يغادر الطبيب يوسف الخيمة متوجهاً لأخرى، لرصد الأوبئة التي تطوق حياة جيل بأكمله.
شاحنة الشفط المفقودة
في وسط مخيم النزوح، تجمع عشرات الأهالي اليائسين في حلقة شبه دائرية، يلتفون حول خليل، موظف الطوارئ البيئية في البلدية، الذي كان يقف حاملاً مجرفة بدائية ومستنداً بظهره إلى جذع شجرة يابس.
صرخات الأهالي كانت تتداخل وتتصاعد مع فيضان إحدى الحفر الامتصاصية الكبرى، وتدفق مياهها الآسنة لتطوق ثلاث خيم مجاورة، بسرعة تقدم أحد النازحين نحو العامل البلدي بغضب خاطبه "الحفرة فاضت ودخلت المياه العادمة فوق أغطية أطفالي، أين شاحنة الشفط، ألم نطلبها منذ ثلاثة أيام؟".
نظر خليل إلى النازحين وخاطبهم "الشاحنة الوحيدة المتبقية في المستودع بحاجة إلى 50 ليتراً من الديزل كي تتحرك وتصل إليكم، أضف إلى ذلك أن الركام والرمال السائبة والشوارع المبتلعة والضيقة بين خيمكم لا تسمح بمرور الشاحنات الثقيلة من دون أن تغرق".
يواجه العمل الإغاثي شللاً تاماً جراء تجاهل المنظمات الدولية وعجزها عن إدخال مضخات الشفط الجديدة والمعدات الهيدروليكية الأساسية والوقود اللازم لتسيير الآليات، مما جعل البلديات عاجزة كلياً عن معالجة طفح الحفر الامتصاصية.
تابع خليل "أقسى ما يمر به عامل البلدية هو أن يرى الناس يغرقون بمياه الصرف الصحي ولا يستطيع تقديم شيء، نقف بأدوات بسيطة وأيد عارية، نحاول ردم الحواف برمال تذوب فوراً، الأزمة سببها المنظومة التي سُحقت كلياً وتركت بلا قطرة وقود".
من ناحيته، قال مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية خان يونس محمد مصلح "لا نملك الوقود اللازم لتشغيل مضخة شفط واحدة في الميدان، فأكثر من 80 في المئة من آلياتنا الهندسية، إما دمرت بالقصف أو خرجت عن الخدمة بسبب نفاد الوقود والزيوت وحظر قطع الغيار. ما يحدث في مواصي خان يونس شلل تنفيذي كامل أمام كارثة بيئية وإنسانية تتضخم وتنفجر كل ساعة".
الموقف الإسرائيلي
في هذا الإطار، أوضح منسق الأنشطة الحكومية الإسرائيلية في الأراضي يورام هليفي أن القيود المفروضة على دخول مواد الصرف الصحي والآلات الثقيلة تمليها ضرورات أمنية مباشرة لمنع وصول المواد الحيوية إلى البنية التحتية لحركة "حماس"، وتابع "نسعى إلى تنسيق إدخال المساعدات الإنسانية واللوجيستية الأساسية بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة، شرط خضوعها لآليات الرقابة والفحص والتدقيق لضمان عدم تحويل مسارها لمصلحة أنشطة عدائية تؤثر في أمن إسرائيل".