ملخص
يتمسك الدوري الإسباني بحدود الإنفاق لحماية استدامة أنديته، ودفعها إلى الاستثمار في مصادر دخل دائمة، وبرشلونة نموذج على نجاح هذا النهج.
لا يتعامل الدوري الإسباني لكرة القدم "لا ليغا" مع حدود كلفة قوائم اللاعبين باعتبارها أداة لتقييد الطموح الرياضي، بل يراها خط الدفاع الأول عن استدامة الأندية في مواجهة كرة ثلج مالية تتكون من الإنفاق الضخم على التعاقدات والرواتب، ثم تتضخم بفعل الإهلاك والعمولات والالتزامات التي تمتد إلى مواسم لاحقة.
ومن هذا المنطلق، يصر مسؤولو "لا ليغا" على تطبيق نظام الرقابة الاقتصادية الذي يحدد قدرة كل ناد على الإنفاق وفق موارده الفعلية، ويعلن مرتين سنوياً - بعد فترتي الانتقالات الصيفية والشتوية - عن سقوف كلفة قائمة اللاعبين لأندية الدرجتين الأولى والثانية، حتى لا تتحول الزيادات الموقتة في التمويل إلى أعباء دائمة يصعب تحملها.
وخلال مؤتمر صحافي دولي، أكد رئيس "لا ليغا" خافيير تيباس أن التحدي الأكبر خلال الأعوام الخمسة المقبلة يتمثل في ضمان استدامة كرة القدم الإسبانية، وتجنب أي تغييرات قد تجعلها غير مستدامة من الناحية المالية.
الاستثمار يولد الإيرادات
ورداً على سؤال من "اندبندنت عربية" حول مستقبل نظام حدود كلف التشكيلة، قال تيباس إن الأعوام الماضية شهدت زيادة في مساهمات الملاك بهدف رفع حدود الإنفاق، لكنه حذر من التعامل مع هذا المسار باعتباره حلاً مفتوحاً.
وأوضح "لا يمكن زيادة هذه المساهمات إلى ما لا نهاية. فإذا كانت لديكم خسائر، فعليكم تعويضها بطريقة أو بأخرى".
وأضاف "إذا لم تزد إيراداتكم العادية، أو دخلكم العادي، فستعود إليكم تلك الخسائر بطريقة ما حتى تتمكنوا من تعويضها".
وبناء على ذلك، دعا رئيس "لا ليغا" إلى تغيير وجهة أموال الملاك، بحيث لا تتركز بصورة أساسية على رفع حدود الرواتب، بل على تطوير البنية التحتية والمشاريع التي يمكن أن تزيد الإيرادات مستقبلاً.
وقال "لا ينبغي أن تركز مساهمات المساهمين كثيراً على زيادة حدود الرواتب، بل على نوع البنية التحتية اللازمة لزيادة الإيرادات، ومن ثم تجنب العقوبات في وقت لاحق".
وتعني هذه الرؤية أن ضخ الأموال لا يصبح هدفاً في حد ذاته، بل وسيلة لبناء قدرة مالية متكررة. فالملاعب والمرافق التجارية ومصادر الدخل المرتبطة بيوم المباراة والأنشطة المحيطة به، يمكن أن ترفع الإيرادات العادية للنادي، بينما لا تؤدي زيادة الرواتب وحدها إلا إلى توسيع الالتزامات.
وشدد تيباس أيضاً على أن المالك الذي يقرر المخاطرة بجزء من رأس ماله يجب أن يضع في حسابه احتمال تحمل خسائر مستقبلية، لأن التمويل الخارجي لا يلغي ضرورة تحقيق التوازن بين الإيرادات والمصروفات.
نظام تقييم حدود الإنفاق
ويعتمد نظام "لا ليغا" على تحديد سقف أقصى لكلفة قائمة اللاعبين، وليس راتباً أقصى للاعب بعينه أو قيمة محددة للصفقات التي يستطيع النادي إبرامها.
ويشمل السقف رواتب اللاعبين والمدرب ومساعديه وفريقه المعاون، إضافة إلى الفريق الرديف ومنظومة الناشئين وبعض الأقسام الأخرى. وتدخل في حسابه الرواتب الثابتة والمتغيرة، والضمان الاجتماعي، والمكافآت الجماعية، وعمولات وكلاء اللاعبين، وكلف شراء اللاعبين، وإهلاك قيمة الانتقالات وفق مدة العقد.
ويقدم كل ناد مقترحه بناءً على إيراداته المتوقعة والتزاماته ومصروفاته الهيكلية، ثم تراجعه هيئة المصادقة التابعة للرابطة، التي يمكنها اعتماده أو خفضه إذا رأت أن الرقم لا يضمن الاستقرار المالي.
ولا يعني إعلان السقف أن النادي ملزم بإنفاقه كاملاً، إذ يمكنه طلب حد أقل من قدرته القصوى، ويمكن تعديل الرقم خلال الموسم وفق شروط محددة.
ويعلن هذا السقف بعد كل فترة انتقالات، لأن صورة النادي المالية تتغير مع التعاقدات والمبيعات وتعديل الرواتب ومصادر الدخل. وبذلك لا تكتفي "لا ليغا" بمراجعة الحسابات مرة واحدة في بداية الموسم، بل تراقب قدرة الأندية على تحمل التزاماتها في مراحل مختلفة من العام.
غوميز يحذر من كرة الثلج الأوروبية
وتتجاوز مخاوف "لا ليغا" حدود السوق الإسبانية، إذ يرى المدير العام للشؤون المؤسسية في الرابطة خافيير غوميز أن الإنفاق المتضخم في بعض الدوريات الكبرى يرفع كلف اللعبة في أوروبا بأكملها.
وأوضح غوميز أن الإشكال لا يرتبط فقط بقيمة التعاقدات، بل بما يترتب عليها من إهلاك سنوي ورواتب وعمولات ومصروفات تشغيلية، وهي أعباء قد لا تظهر كاملة في الموسم الذي أُبرمت فيه الصفقة، لكنها تستمر لأعوام.
وقال إن هذا التضخم يشبه كرة الثلج، إذ يبدأ بزيادة محدودة في الإنفاق، ثم يتوسع مع ارتفاع أسعار اللاعبين والرواتب، قبل أن يدفع الأندية إلى مزيد من الإنفاق للحفاظ على قدرتها التنافسية.
ويتصدر الدوري الإنجليزي الممتاز هذا المسار، مستفيداً من إيرادات ضخمة وحقوق بث تلفزيوني وقدرة تجارية تفوق معظم الدوريات الأوروبية.
ويرى غوميز أن هذا المستوى من الإنفاق لا يظل محصوراً في إنجلترا، بل يضغط على بقية الدوريات، إذ ترتفع أسعار الانتقالات وأجور اللاعبين والعاملين، وتجد الأندية نفسها مطالبة بإنفاق أكبر حتى لا تفقد قدرتها على المنافسة أو الاحتفاظ بعناصرها.
الدوري الإسباني يختار طريقاً مختلفاً
وفي مقابل هذا المسار الرائج في معظم الدوريات الأوروبية، يحاول الدوري الإسباني ربط الإنفاق بالنمو الحقيقي في الإيرادات، حتى لا تضطر الأندية إلى تمويل خسائرها بصورة متكررة.
وقال غوميز إن نظام الرقابة الاقتصادية يسمح بوضع سقف أقصى للإنفاق يعادل، وفق آلية احتساب الرابطة، 85 في المئة من مجموع الإيرادات والأرباح المتحققة من عمليات بيع اللاعبين، مع مراقبة تطور السوق وأسعار الانتقالات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأوضح أن الرابطة تتابع أيضاً الفارق بين أسعار بيع اللاعبين في الدوريات المختلفة والقيمة السوقية التقديرية لهم، لأن ارتفاع الأسعار بصورة مبالغ فيها قد يكون مؤشراً إلى تضخم لا يستند بالضرورة إلى قدرة اقتصادية حقيقية.
وكشفت البيانات التي عرضتها الرابطة في مؤتمر سبتمبر (أيلول) الجاري، عن نمو محدود في قيمة تعاقدات الأندية الإسبانية التي ارتفعت من 720 مليون يورو (836.4 مليون دولار) إلى 733 مليون يورو (851.5 مليون دولار)، بزيادة تقترب من اثنين في المئة، بينما تراجعت المبيعات من 781 مليون يورو (907.1 مليون دولار) إلى 728 مليون يورو (845.8 مليون دولار)، وهو ما يؤكد أن "لا ليغا" تتحرك في مساحة أكثر تحفظاً من الدوريات التي تدفع أسعار الانتقالات إلى مستويات متصاعدة.
برشلونة نموذجاً
ويقدم برشلونة مثالاً واضحاً على الطريقة التي يمكن أن يدفع بها النظام الصارم الأندية إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية.
فالنادي الكاتالوني، الذي وصل سقف كلفة تشكيلته إلى -144.4 مليون يورو (-167.8 مليون دولار) في شتاء عام 2022، عاد تدرجاً إلى توسيع قدرته على الإنفاق بعد خفض كتلة الرواتب، وإعادة تنظيم حساباته، وزيادة بعض مصادر الإيرادات، إلى جانب الاعتماد مجدداً على لاعبي أكاديميته "لا ماسيا".
وارتفع سقف كلفة قائمة برشلونة من -144.4 مليون يورو (-167.8 مليون دولار) في شتاء 2022، إلى 432.807 مليون يورو (502.8 مليون دولار) في آخر تحديث سابق، ثم إلى 582.769 مليون يورو (676.9 مليون دولار) في الإعلان الأحدث بعد إغلاق فترة الانتقالات الصيفية المنقضية.
وتعكس القفزة الأخيرة، التي تقترب من 150 مليون يورو (174.2 مليون دولار) مقارنة بالرقم السابق، تحسناً كبيراً في القدرة المالية للنادي، لكنها جاءت بعد مرحلة من تقليص الإنفاق وإعادة بناء التوازن، وليس نتيجة الاستمرار في الإنفاق المفتوح.
وفي الوقت نفسه، أسهم أبناء "لا ماسيا" في استعادة برشلونة هويته الرياضية، إذ لعبت الأكاديمية دوراً مهماً في تشكيل الفريق الذي توج بلقب الدوري الإسباني مرتين على التوالي في آخر موسمين، بعدما أصبح الاعتماد على المواهب الداخلية جزءاً من الحل المالي والرياضي معاً.
ولا يعني ذلك أن برشلونة توقف عن التعاقدات، لكنه بات أكثر حرصاً على موازنة الصفقات الجديدة مع خفض الرواتب وتطوير موارده، بدلاً من الاعتماد الكامل على الإنفاق المرتفع لرفع مستوى الفريق.
الأرقام تعكس قدرة لا سباقاً مفتوحاً
وتصدر ريال مدريد القائمة الأحدث لحدود كلفة التشكيلات بسقف بلغ 832.786 مليون يورو (967.5 مليون دولار)، مقابل 761.226 مليون يورو (884.2 مليون دولار) في التحديث السابق.
وجاء برشلونة ثانياً بـ582.769 مليون يورو (676.9 مليون دولار)، ثم أتلتيكو مدريد بـ361.328 مليون يورو (419.7 مليون دولار). وبعد الأندية الثلاثة الكبرى، بلغ سقف فيا ريال 170.564 مليون يورو (198.1 مليون دولار)، وريال بيتيس 142.847 مليون يورو (165.9 مليون دولار)، وأتلتيك بلباو 139.203 مليون يورو (161.7 مليون دولار)، وريال سوسيداد 137.190 مليون يورو (159.3 مليون دولار).
المنتخب الإسباني المستفيد الأكبر
وأثبت تتويج إسبانيا بكأس العالم 2026 أن الاستثمار في تكوين المواهب المحلية يمكن أن يتحول إلى مكسب رياضي يتجاوز حدود الأندية، بعدما جاء معظم قوام المنتخب المتوج من لاعبي الدوري الإسباني، وفي مقدمهم نجوم برشلونة.
ولم يكن هذا النجاح منفصلاً عن التحولات التي فرضتها قواعد الاستدامة المالية في "لا ليغا"، إذ دفعت القيود المفروضة على الإنفاق في سوق الانتقالات الأندية إلى البحث عن حلول أكثر استدامة، بدلاً من الاعتماد المستمر على شراء اللاعبين بأرقام ضخمة أو تحميل موازناتها رواتب متصاعدة.
وكان تطوير قطاعات الناشئين والشباب أحد أبرز المسارات التي لجأت إليها الأندية لتعويض محدودية الإنفاق وتعزيز قدرتها التنافسية.
ويبرز برشلونة بوصفه المثال الأوضح على هذا التحول، بعدما اضطر إلى تقليص نفقاته على الصفقات ورواتب اللاعبين، ليعيد فتح الطريق أمام خريجي أكاديمية "لا ماسيا".
وأسهم هذا النهج في منح مواهب مثل بيدري وغافي وباو كوبارسي وإريك غارسيا ولامين يامال أدواراً محورية، قبل أن يصبحوا جزءاً أساساً من المنتخب الإسباني الذي توج بلقب كأس العالم.
وكان الدوري الإسباني قد تصدر المشهد العالمي قبل المباراة النهائية للمونديال بوجود 24 لاعباً من منتخبي إسبانيا والأرجنتين، من بينهم 18 لاعباً في قائمة المنتخب الإسباني وحده. واستحوذ برشلونة على النصيب الأكبر من هذا الحضور بثمانية لاعبين.