Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية تختبر علاقات مدريد والرباط

الخطوة تأتي في ظل مرور العلاقات بين البلدين بنوع من التوتر ومراقبون يتحدثون عن سيناريوهات التصعيد

مهاجرون قرب مستودعات تراخال التي تستخدمها السلطات في سبتة كمرفق استقبال موقت للمهاجرين (أ ف ب)

ملخص

"إذا كانت مدريد تصر على (إسبانية سبتة ومليلية) إلى جانب بعض الجزر الصغيرة الأخرى، فإن الموقف المغربي، على النقيض من ذلك، واستناداً إلى حجج جغرافية وتاريخية ومنطقية، فإن هذين الثغرين يعدان بمثابة مناطق محتلة، وأنه لا مناص من تصحيح وضعهما القانوني، اعتماداً على الممارسات الفضلى التي تفضل الحوار والتفاوض وحسن الجوار لحل الخلافات مهما كانت شائكة".

تهيئ مدريد لأول زيارة رسمية للمك الإسباني فيليبي السادس رفقة عقيلته الملكة ليتيثيا لمدينتي سبتة ومليلية، الخاضعتين للإدارة الإسبانية، وذلك في غمرة "أزمة سبتة" التي لا تزال تلقي بظلالها الرمادية على العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، جراء النزوح الجماعي لآلاف المهاجرين غير النظاميين صوب سبتة يومي الـ30 والـ31 من يوليو (تموز) الماضي.

ويرى مراقبون في إسبانيا والمغرب أن زيارة فيليبي السادس المرتقبة لسبتة ومليلية تتجاوز كونها رسالة دعم للسكان المحليين بعد "صدمة الدخول الجماعي للمهاجرين"، لتصل إلى حد "الاستفزاز" الذي قد يثير غضب الرباط، بالنظر إلى الوضع القانوني والسياسي للمدينتين، علاوة على السياق الحالي المتسم بالتوتر بين البلدين الجارين.

حيثيات وسياقات الزيارة

تتضافر المؤشرات السياسية والإعلامية بشأن تحضير قصر مونكلوا، مقر رئاسة الحكومة الإسبانية، وقصر زارزويلا، مقر إقامة العاهل الإسباني، لزيارة هذا الأخير مع عقيلته إلى مدينتي سبتة ومليلية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، من دون تحديد يوم معين.

وأكدت وسائل إعلام إسبانية عديدة، منها هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية (RTVE)، أن زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس لسبتة ومليلية ستكون بمثابة رسالة دعم مؤسساتية للمدينتين، لكن الحكومة تريد في الوقت ذاته منع تحولها إلى تصعيد دبلوماسي مع الرباط.

ويستوجب تنظيم زيارة رسمية للملك الإسباني تنسيقاً بين القصر الملكي والحكومة، باعتبار أن الحكومة هي التي تصادق على الأنشطة الرسمية للملك، فضلاً عن أن الدستور يمنحها مسؤولية توجيه السياسة الخارجية، وبالتالي تحديد التوقيت السياسي المناسب للزيارة.

وسبق لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن أعلن أمام البرلمان أن الملك فيليبي السادس سيزور المدينتين خلال الأسابيع المقبلة، من دون أن يحدد موعداً نهائياً، كما أن رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، أكد بعد لقائه فيليبي السادس أن الملك "ملتزم بزيارة سبتة".

وتعد هذه أول زيارة مرتقبة لملك إسباني إلى مدينة سبتة منذ نحو 19 عاماً، وتحديداً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2007، حين زار العاهل الإسباني خوان كارلوس الأول المدينتين رفقة الملكة صوفيا، في عهد حكومة الاشتراكي خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو.

وبالرجوع إلى التاريخ، تعود زيارات العائلة الملكية الإسبانية إلى سبتة لفترة الاستعمار الإسباني لشمال المغرب، إذ زار الملك ألفونسو الثالث عشر المدينة عام 1927. وبعد عقود، وتحديداً في سبتمبر (أيلول) 1970، حلّ الأميران آنذاك خوان كارلوس وصوفيا بسبتة على متن المدمرة "روغير دي لوريا" Roger de Lauria، للمشاركة في الاحتفال بالذكرى الـ50 لتأسيس الفيلق الإسباني.

وبعد اعتلاء خوان كارلوس العرش، استغرق الأمر عقوداً قبل أن يعود ملك إسباني إلى سبتة في زيارة رسمية؛ ففي الخامس من نوفمبر 2007، قام الملك خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا بزيارة رسمية إلى المدينة، وهي الزيارة التي وصفت بأنها أول زيارة رسمية لملك إسباني إلى سبتة في عهد الديمقراطية والدستور.

وتسببت زيارة العاهل الإسباني لسبتة ومليلية في 2007 بغضب مغربي رسمي عارم، حيث استدعت الرباط سفيرها حينئذ عمر عزيمان إلى المغرب "لأجل غير مسمى"، ووصفت الزيارة بأنها "مبادرة مؤسفة واستفزاز يمس بموقفها من سيادة المدينتين".

وكانت أكثر الردود قوة اتخاذ الملك محمد السادس موقفاً رسمياً، أدان فيه زيارة العاهل الإسباني، ونعتها بكونها "مؤسفة وسابقة وخطوة غير مجدية"، وبأنها "مسيئة للمشاعر الوطنية للشعب المغربي"، لكنه ترك الباب موارباً أمام الحل السياسي والحوار المستقبلي مع إسبانيا.

ليست زيارة بروتوكولية

في السياق يقول الحسن بوقنطار، أكاديمي ومختص في العلاقات الدولية، إن الزيارة المرتقبة للعاهل الإسباني وزوجته إلى مدينتي سبتة ومليلية "لن تمر مر الكرام بالنسبة للمغرب"، موضحاً أنه رغم كون العاهل الإسباني ليس له في النظام السياسي الإسباني إلا سلطات رمزية، فإنه مع ذلك يعد رئيساً للدولة، ومن ثم فإن تحركاته تتعالى على الاعتبارات السياسية والحزبية الضيقة.

واسترسل بوقنطار بأن "هذه الخطوة تأتي في خضم ظرفية تمر فيها العلاقات المغربية الإسبانية بنوع من التوتر الناجم عن الأحداث التي عرفتها سبتة بفعل نزوح الآلاف من المغاربة نحوها في نهاية يوليو الماضي، ما ترتبت عنه أزمة سياسية جراء استغلال أحزاب المعارضة، وبخاصة من اليمين بأطيافه المختلفة، هذا الحدث لتوجيه انتقادات لاذعة للحكومة الاشتراكية، بهدف إضعافها وربما دفع رئيسها إلى الاستقالة".

وشدد المحلل نفسه على أنه "من الصعب أن نعد زيارة العاهل الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية، في حالة تحققها، عبارة عن لحظة بروتوكولية، فهي تعبر عن موقف إسباني يعد الثغرين جزءاً من السيادة الإسبانية".

 

ويستند هذا الموقف، بحسب بوقنطار، إلى عدة اعتبارات، من بينها أن المدينتين توجدان تحت النفوذ الإسباني منذ قرون (مليلية منذ عام 1497، وسبتة منذ سنة 1580)، وغالبية سكانهما متشبثون بالانتماء لإسبانيا والعيش ضمن نظامها وقيمها، وفضلاً عن ذلك، فإن الأمم المتحدة لا تدرج المدينتين ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

وبالتالي، يكمل المتحدث ذاته، رغم وجود سبتة ومليلية جغرافياً خارج إسبانيا الأوروبية، فإنهما ظلتا، حتى في المنظور الأوروبي، جزءاً من الحدود التي تنطبق عليها بعض الاتفاقيات الأوروبية، ومن بينها اتفاقات شنغن التي تنظم المرور عبر الحدود الأوروبية.

ويكرس هذا التصور الدستور الإسباني الذي يدرج الثغرين (سبتة ومليلية) ضمن نظام الحكم الذاتي، الذي تتمتع به مجموعة من الجهات، ولو باختصاصات أقل منها، ونفس الأمر يكرسه القانون التنظيمي لعام 1995 المنظم لنظام الحكم الذاتي بالنسبة للجهات الإسبانية.

جوار حذر

وتابع بوقنطار تحليله بالتأكيد على أنه "لا يوجد خلاف بين القوى السياسية الإسبانية على الطابع الإسباني لمدينتي سبتة ومليلية؛ وبالتالي فهي تشجع، وبخاصة اليمين واليمين المتطرف، على زيارة فيليبي السادس للتأكيد على انتمائهما للفضاء الإسباني".

واستطرد الأكاديمي بالقول إنه "إذا كانت مدريد تصر على (إسبانية سبتة ومليلية) إلى جانب بعض الجزر الصغيرة الأخرى، فإن الموقف المغربي، على النقيض من ذلك، واستناداً إلى حجج جغرافية وتاريخية ومنطقية، يعد هذان الثغران بمثابة مناطق محتلة، وأنه لا مناص من تصحيح وضعهما القانوني، اعتماداً على الممارسات الفضلى التي تفضل الحوار والتفاوض وحسن الجوار لحل الخلافات مهما كانت شائكة".

وأردف بوقنطار: أن "هذا التوجه يتدعم بفعل كثافة المصالح المتبادلة بين البلدين، التي يحددها الجوار، وإن كان صعباً، فضلاً عن كون المغرب منشغلاً أكثر بإنهاء ملف نزاع الصحراء بشكل يكرس سيادته النهائية، ارتكازاً على مبادرة الحكم الذاتي التي أكدها القرار الأخير لمجلس الأمن.

وذهب المتحدث إلى أن زيارة العاهل الإسباني قد تضيف عنصراً آخر في التوتر الذي تمر به العلاقات بين البلدين، لكنها لن تفضي إلى تصعيد مفتوح، لأن ذلك ليس في مصلحة الطرفين معاً، بدليل البلاغ الأخير الصادر قبل أيام عن وزارة الخارجية المغربية.

وأكمل بوقنطار، أن البلاغ الرسمي تحدث عن حرص المغرب على تدبير الخلاف مع إسبانيا بنوع من الهدوء وعدم الانجرار إلى استفزازات بعض الأحزاب اليمينية التي لا تتردد في تسخير كل ما من شأنه أن يضعف الحكومة الاشتراكية الحالية.

وكانت الرباط قد أكدت، ضمن البلاغ المذكور، أنها اختارت، بشكل سيادي، الانخراط مع إسبانيا في علاقة حسن جوار جغرافي وتفاهم سياسي وشراكة اقتصادية وتعاون أمني، لكنها رفضت أن يتحول المغرب إلى "أصل تجاري قبيل الانتخابات" في إسبانيا أو إلى "كبش فداء لتصفية حسابات سياسية داخلية".

تداعيات الزيارة الملكية

من جهته، يرى زهير لعميم، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية بجامعة مراكش، أن الزيارة المرتقبة للملك فيليبي السادس إلى سبتة لا يمكن اعتبارها مجرد نشاط ملكي بروتوكولي اعتيادي، بالنظر أولاً إلى الطبيعة الخاصة للوضع القانوني والسياسي للمدينة، وثانياً إلى موقف المغرب الثابت باعتبارها جزءاً من ترابه الوطني.

وأضاف المحلل أن هذه الزيارة، التي يجري الاستعداد لها، تتخذ أبعاداً سياسية تتجاوز أبعادها الرمزية، وبالتالي ستكون لها تداعيات سياسية ودبلوماسية، وستؤثر على طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية التي عرفت خلال السنوات الأخيرة استقراراً ودينامية مميزة، بفضل الوعي السياسي لدى نخب البلدين بأهمية حسن الجوار.

وبخصوص أبرز تداعيات زيارة العاهل الإسباني، ذكر لعميم عودة قضية سبتة ومليلية إلى واجهة الأجندة السياسية وواجهة العلاقات المغربية الإسبانية، مشيراً إلى أنه طوال السنوات الأخيرة حاول البلدان معاً إدارة الخلافات المرتبطة بالمدينتين من خلال تغليب المصلحة الفضلى، وإعطاء الأولوية لملفات التعاون الاقتصادي والأمني والهجرة.

ووفق الأستاذ الجامعي، قد تُقرأ زيارة العاهل الإسباني إلى إسبانيا، من الجانب المغربي، على أنها تأكيد رمزي من مدريد على ممارسة السيادة الفعلية على المدينة، فضلاً عن كونها نوعاً من منطق القوة وفرض الأمر الواقع على المغرب، وهو ما يتعارض مع موقف الرباط الرافض للاعتراف بالسيادة الإسبانية على المدينتين.

وسجل لعميم أن الزج بالمغرب في هذا النقاش يمثل نوعاً من تصدير الأزمة الداخلية وجعلها شأناً خارجياً، خصوصاً في إطار السجال بين الحكومة والمعارضة، وفي سياق الانتقادات الموجهة إلى حكومة بيدرو سانشيز بخصوص أزمة الهجرة الأخيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت الباحث إلى أن "جزءاً من هذه الزيارة قد يكون موجهاً، بشكل جزئي، إلى الداخل الإسباني، من خلال محاولة تعزيز صورة الدولة المركزية والملكية باعتبارهما ضامنين لوحدة التراب الإسباني، ومدينتا سبتة ومليلية جزء منه، بحسب مدريد".

وأفاد المحلل بأن هذه الزيارة قد تشكل كذلك اختباراً جديداً لحدود التفاهم وحدود الانتقائية بين المغرب وإسبانيا، خصوصاً أن أزمة الهجرة الجماعية خلال 2026 أظهرت أن مجال التعاون الحدودي يجب أن يكون قائماً على تنسيق مشترك، وعلى استحضار الأبعاد السياسية والأمنية والإنسانية الواسعة، مشيراً إلى أن أي تصعيد دبلوماسي حول مدينة سبتة قد يؤثر، ولو بشكل موقت، على مستوى التنسيق بين البلدين.

وفي السياق ذاته، لم يستبعد لعميم احتمال تأثير الزيارة على التعاون الاقتصادي الثنائي، مبرزاً أن العلاقات المغربية الإسبانية لا تقتصر فقط على القضايا السياسية والأمنية والحدودية، وإنما تشكل شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والإنسانية.

سيناريوهات مستقبلية

في قراءة لتأثيرات زيارة العاهل الإسباني لسبتة ومليلية، أورد لعميم أنها قد تفضي إلى نوع من التنافر، قد لا يصل إلى مستوى القطيعة، وإنما قد يتخذ شكل حالة من التوتر في المجال الاقتصادي والاستثماري، ومجال التعاون، وحتى على مستوى الثقة المتبادلة بين البلدين.

وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، أوضح لعميم أن المشهد يمكن اختزاله في ثلاثة سيناريوهات رئيسة؛ يتمثل أولها في الاحتواء الدبلوماسي، بمعنى أن الرباط قد تكون أكثر عقلانية، وقد لا تبدي موقفاً سياسياً تصعيدياً بشأن الموضوع، في وقت تحرص مدريد على عدم تقديم الزيارة باعتبارها استفزازاً للمغرب، على الأقل في الظروف والسياق الحاليين.

أما السيناريو الثاني، بحسب الباحث، فيتمثل في تصعيد سياسي محدود، قد يأخذ شكل احتجاج دبلوماسي مغربي، أو تأجيل بعض العلاقات السياسية أو الاقتصادية أو أوجه التعاون الأمني، إلى جانب إمكانية تصعيد الخطاب الإعلامي حول الوضع القانوني للمدينتين، معتبراً أن هذا السيناريو يظل كذلك محتملاً.

ويتمثل السيناريو الثالث، الذي اعتبره لعميم الأقل احتمالاً، على الأقل في السياق الحالي، في أن تؤدي الزيارة الملكية الإسبانية المرتقبة إلى أزمة دبلوماسية أوسع، خصوصاً إذا تزامنت مع خطوات إسبانية قد تعدها المملكة المغربية مساساً بقضايا ذات أولوية، سواء تعلق الأمر بالسيادة المغربية على صحرائه، أو بإشكالات الهوية، أو بملفات الهجرة.

وخلص لعميم إلى أن هذه الزيارة قد تشكل اختباراً حقيقياً وجديداً للتوازن الذي يحكم العلاقات المغربية الإسبانية، ومدى قوة هذه العلاقات وقدرتها على أن تظل بمنأى عن التأثر بالأزمات التي قد تحدث بين الفينة والأخرى، والمرتبطة بمنطق الجغرافيا والتاريخ الذي يحكم العلاقات بين المغرب وإسبانيا.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير