Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سبتة تكشف الفجوة بين أحلام المهاجرين وواقع الهجرة

تتداخل في تشكيل صورة أوروبا اللامعة في مخيلة الشباب عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وجغرافية

قوات أمن مغربية تقف بجوار الأسلاك الشائكة المخترقة، بينما يعود الأشخاص الذين حاولوا العبور إلى جيب سبتة إلى بلدة الفنيدق في شمال المغرب، يوم السبت 1 أغسطس الحالي (أ ب)

ملخص

لماذا لا تزال أوروبا تجذب المهاجرين القادمين من المغرب ودول أفريقيا جنوب الصحراء؟

أظهرت المحاولة الجديدة لاقتحام مدينة سبتة، السبت الـ15 من أغسطس (آب) الجاري، من طرف عشرات المهاجرين غير النظاميين، من المغاربة والأفارقة، وتوقيف السلطات الأمنية زهاء 300 منهم، كيف أن أوروبا لا تزال تشكل تلك الصورة الجذابة في مخيلة آلاف الشباب الراغبين في "الحريك" (الهجرة السرية).

وتشير استطلاعات حديثة إلى أن 35 في المئة من المغاربة فكروا بالهجرة إلى أوروبا، لترتفع النسبة إلى 55 في المئة لدى الشريحة العمرية بين 18 و29 سنة، ليتبين أن "الصورة الذهنية لأوروبا لا تعبر فقط عن إغراء الآخر، بل تعكس أيضاً عمق تطلعات الشباب نحو العدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة"، وفق مراقبين.

لكن هذه الصورة الوردية التي يرسمها آلاف الشباب المغاربة، وحتى نظراؤهم القادمون من دول أفريقيا جنوب الصحراء، في مخيلتهم عن "الفردوس الموعود"، سرعان ما تتحطم في أحيان كثيرة على صخرة الواقع المرير.

"أرض الله واسعة"

لم تفلح المحاولة الجديدة، التي سبقتها دعوات عدة لاقتحام جماعي لمدينة سبتة، في تحقيق الأهداف المرجوة من طرف عشرات المهاجرين غير النظاميين، معظمهم شباب، بسبب طوق أمني كثيف في محيط المدينة أجهض تلك المحاولات.
وكشفت المحاولة الجماعية الكبرى ليومي الـ30 والـ31 من يوليو (تموز) الماضي، التي حاول خلالها نحو 80 ألف شخص دخول مدينة سبتة، وبعدها المحاولة الثانية التي منيت بالإخفاق بفضل التدخلات الأمنية المغربية، عن معطى أساس، هو رواج صورة أوروبا لا تزال تغري وتجذب إليها آلاف المهاجرين غير النظاميين.

يقول أسامة (18 سنة) إنه شارك في محاولة الاقتحام الضخمة لمدينة سبتة مع آلاف الشباب والقاصرين، ودخل إليها، غير أن بعض أهاليها استقبلوهم بالرفض والتعنيف، فلم يجد مأوى وعانى الجوع، فلم يجد بداً من العودة إلى منزل والديه في ضواحي مدينة تطوان.

وأوضح أسامة لماذا تستهويه فكرة الهجرة إلى أوروبا بأي طريق كانت، سواء سباحة إلى سبتة أو عبر الاختباء بشاحنة للنقل الدولي من طنجة إلى إسبانيا، إذ إنه غادر مقاعد الدراسة باكراً بسبب وضعية أسرته الفقيرة، ولم يجد فرصة عمل على رغم محاولاته، فرأى أن الانعتاق هو في مقولة "أرض الله واسعة"، وفق تعبيره.

من جهته، أفاد عادل، وهو شاب في بداية عقده الثاني، بأن الهجرة إلى أوروبا من طريق إسبانيا القريبة من الشمال المغربي، حلم كثيراً ما استحوذ على تفكيره بقوة، لأن لديه أصدقاء هاجروا قبل أعوام إلى إسبانيا، ما فتئوا يبعثون له صوراً وأخباراً محفزة عن أوضاعهم في هذا البلد الأوروبي، وهي أفضل مما كانوا عليه في بلدهم.

وتدعم هذه الأحلام الشبابية التي تجري وراء "الصورة الجذابة لأوروبا"، استطلاعات ميدانية، آخرها استطلاع للبارومتر العربي، الذي ورد فيه أن 35 في المئة من المغاربة فكروا في مغادرة البلاد، مقابل 24 في المئة فقط لدى من تجاوزوا 30 سنة.

وتبعاً للمصدر عينه، فإن الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في تغطية نفقاتهم هم أكثر ميلاً إلى التفكير في الهجرة إلى أوروبا، إذ تبلغ النسبة 40 في المئة، مقابل 29 في المئة لدى من يعيشون وضعاً مالياً أفضل، فيما خلص الاستطلاع إلى أن الظروف الاقتصادية والفساد من العوامل التي تدفع المغاربة إلى التفكير في الرحيل.

أسباب جاذبية أوروبا في مخيلة الشباب

ولا تبدو جاذبية أوروبا بالنسبة إلى هؤلاء الشباب مجرد نزوة عابرة أو نتيجة مباشرة للتأثيرات الرقمية، بل تتداخل في تشكيلها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وجغرافية، تجعل الضفة الشمالية للمتوسط تبدو لكثيرين منهم بوابة نحو حياة أفضل وفرص أوسع.
وبينما تكشف محاولات الاقتحام الجماعي لسبتة عن استعداد بعض الشباب لتحمل أخطار بالغة في سبيل الوصول إلى أوروبا، فإن استمرار هذا الحلم على رغم ما رافقه في تجارب سابقة من إخفاقات ومآس، يطرح سؤالاً أوسع حول مصادر هذه الجاذبية والعوامل التي تجعل صورتها أكثر قوة من التحذيرات المرتبطة بأخطار الهجرة غير النظامية.

في السياق يقول رئيس "مرصد التواصل والهجرة"، جمال الدين ريان، إن "جاذبية أوروبا" في مخيلة الشباب المغربي والأفريقي تظل ظاهرة مركبة تتغذى من عوامل واقعية وأخرى رمزية يصعب تفكيكها، لتتحول أوروبا في وعيهم إلى "الفردوس الموعود"، على رغم خطورة محاولات العبور عبر نقاط مثل سبتة.

وأوجز ريان "الأسباب الرئيسة التي تعزز هذه الصورة في أربعة عوامل رئيسة: الأول، الفوارق الاقتصادية وآفاق العمل، إذ يشكل البحث عن الاستقرار المالي والمستقبل المهني المحرك الأساس، حيث ينظر إلى أوروبا كفضاء يتيح فرص عمل أوسع وبأجور تضمن مستوى معيشياً أفضل وتحقيق الذات مقارنة بتحديات البطالة وقلة الفرص في الوطن".

والعامل الثاني، وفق ريان، هو "الصور النمطية والتأثير الاجتماعي، إذ تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى الصورة التي ينقلها بعض المهاجرين أثناء عودتهم في العطل من مظاهر النجاح المادي والسيارات الفارهة، دوراً كبيراً في تلميع واقع العيش هناك، مع تغييب التحديات وصعوبات الاندماج".

وزاد المتخصص في ملف الهجرة معطى ثالثاً، هو "الاستقرار الاجتماعي والخدمات الأساسية، إذ إن الانبهار بمؤسسات الدولة الحديثة في أوروبا، وما توفره من تغطية صحية، وتعليم ذي جودة عالية، وعدالة اجتماعية، وسيادة القانون، عوامل تولد لدى الشباب رغبة بالعيش ضمن بيئة تضمن الكرامة والرفاه".

والعامل الرابع، تبعاً لريان، يتمثل في "المسافة الجغرافية والتأثير الثقافي، ذلك أن القرب الجغرافي المباشر والتأثر بالثقافة الغربية والإعلام يقللان من الشعور بالغربة الإنسانية، ويجعلان فكرة الهجرة إلى أوروبا حلاً متناولاً ومحفزاً نفسياً".

وخلص ريان إلى أن الصورة الذهنية لأوروبا لا تعبر فقط عن إغراء "الآخر"، بل تعكس أيضاً عمق تطلعات الشباب نحو العدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة، مما يجعل "حلم الضفة الأخرى" يتجاوز مجرد الرغبة في تحسين الدخل إلى البحث عن أمل ومستقبل أفضل.

فجوة بين الأحلام والواقع

ولا يقارن كثير من الشباب بين وظيفة حقيقية في المغرب ووظيفة حقيقية في أوروبا، بل يقارنون بين واقعهم المحلي وصورة انتقائية لأوروبا تنتجها شبكات التواصل الاجتماعي وأفراد الجالية المغربية في أوروبا، لتظهر بذلك فجوة بين "أوروبا التي يتخيلها المهاجر" و"أوروبا التي يصل إليها".

هذه الحيثية تشرحها الباحثة السوسيولوجية، ابتسام العوفير، بالقول إن "الصورة التسويقية عن أوروبا، التي تشكلت عبر تراكمات اجتماعية وصور ذهنية في عقل الشاب، قد لا يجدها هذا الأخير كما تخيلها عندما يصل إلى فردوسه المتخيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأردفت العوفير بأن "الجنة الموعودة" التي يتخيلها الشاب انطلاقاً مما يراه في مواقع التواصل، أو انطلاقاً مما سمعه من رفاق جربوا قبله الهجرة، تتحول إلى "سعير محتوم" عندما لا يجد العمل الذي يسد رمقه، أو عندما يحشر في مراكز الإيواء مع مئات المهاجرين مثله، وعندما تضيق حريته نهارا وليلاً، ولا يستطيع التحرك بحرية ما دام يفتقد الوثائق القانونية.

واستطردت المتحدثة أن "الشاب الذي يصل إلى أوروبا يجد نفسه أمام احتمالات كبيرة لتعرضه للاستغلال في سوق العمل، نظراً إلى حاجته الملحة لذلك، ويجد نفسه خارج أي حماية قانونية، فيخضع لوضعه الجديد مرغماً، أملاً أن تتحسن أوضاعه في ما بعد".

وأكملت الباحثة ذاتها أن "هناك عوامل وسياقات أخرى تحطم أحلام المهاجر غير النظامي الذي يصل إلى إسبانيا أو أوروبا بصفة عامة، منها أنه يأتي مثقلاً بقروض وديون من أسرته أو أصدقائه، فيجد نفسه مجبراً على إعادة تلك المبالغ، لتتفاقم الضغوط النفسية والمالية على عاتقه".

وذهبت العوفير إلى أن "المهاجر غير النظامي، سواء كان مغربياً أو من جنوب الصحراء الأفريقية، غالباً ما يعتقد أنه بوصوله إلى أوروبا ستحل جميع مشكلاته، وأن الوصول سيكون نهاية الرحلة، غير أن الحقيقة غير ذلك تماماً، لأن الوصول يعني بداية مرحلة قانونية وإدارية واجتماعية معقدة جداً".

يذكر أن الاتحاد الأوروبي شدد إجراءات إدارة الحدود والهجرة غير النظامية، إذ إنه ابتداء من الـ12 من يونيو (حزيران) الماضي، دخل ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي حيز التطبيق، وهو عبارة عن منظومة أوروبية أكثر توحيداً لناحية إجراءات الهجرة واللجوء والحدود.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات