ملخص
تتحكم محددات حاسمة عدة في طبيعة إدارة الحكومة الإسبانية للأزمات السياسية والدبلوماسية والأمنية، آخرها أزمة سبتة، من بينها محاولة سانشيز احتواء الأصوات الغاضبة، خصوصاً من اليمين واليمين المتطرف المتمثل في حزبي PP وVox، حيث اتهماه بالضعف أمام المغرب في حماية "حدود البلد".
بعد فترة من التصريحات والمواقف "المسالمة" للحكومة الإسبانية حيال المغرب بخصوص أزمة مدينة سبتة التي شهدت في الـ30 والـ31 من يوليو (تموز) الماضي اقتحاماً جماعياً لأكثر من 72 ألف شخص، قفزت فجأة العلاقات بين الرباط ومدريد إلى نوع من "التوتر" الدبلوماسي والإعلامي.
وحاول رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن يقف في "الوسط" بانتقاده علانية تصريحات وزيرين مغربيين اعتبرا أن سبتة ومليلية مغربيتان وليستا إسبانيتين، لكنه بالمقابل نفى تورط المغرب في تنفيذ "أزمة سبتة"، في وقت أعلنت فيه مدريد أنه تم استدعاء سفيرة الرباط للتعبير عن احتجاج مدريد بخصوص ما صدر عن الوزيرين المغربيين.
ويرى مراقبون في هذا السياق أن العلاقات المغربية الإسبانية تواجهها ثلاثة سيناريوهات، أرجحها "التحصين الدبلوماسي" إزاء أية أزمة عابرة بين البلدين يمكن اعتبارها مجرد سحابة صيف، وأقلها ترجيحاً حصول قطيعة موقتة تشبه أزمة عام 2021.
مد وجزر
لأول مرة انتقد بشكل علني رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الخميس الثالث من سبتمبر (أيلول)، تصريحات مسؤولين حكوميين مغربيين، هما وزير العدل عبداللطيف وهبي، ووزير الأوقاف أحمد التوفيق، في شأن أزمة الاقتحام الجماعي لسبتة، مبرزاً أنه تم استدعاء السفيرة المغربية كريمة بنيعيش للاحتجاج في الـ21 من أغسطس (آب) الماضي.
وطيلة المدة الزمنية السابقة بعد اندلاع أحداث سبتة، تفادت الحكومة الإسبانية اليسارية تحميل المغرب مسؤولية ما وقع من اقتحامات أسفرت عن العديد من القتلى والإصابات، وتلتها انتهاكات حقوقية طاولت المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة سباحة.
وشدد سانشيز أمام البرلمان الإسباني على أن مدينتي سبتة ومليلية، اللتين تتشاركان الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا، ستبقيان إسبانيتين "إلى الأبد"، كاشفاً عن زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس لسبتة ومليلية، في خطوة سياسية قد تسبب توتراً في العلاقات الحساسة مع المغرب.
ومقابل تصعيد اللهجة ضد المغرب بخصوص مغربية سبتة ومليلية، وانتقاد تصريحات الوزيرين المغربيين، حرص سانشيز على عدم تحميل الرباط أية مسؤولية في أزمة سبتة، مبرزاً أنه لا توجد أي "أدلة قاطعة" على أن المغرب خطط أو دبّر تدفق المهاجرين إلى سبتة.
وجاء تصريح سانشيز في رد ضمني على تقرير جديد لسلطات الحدود الإسبانية رصد ما سماه إخفاقات عديدة لقوات الأمن المغربية التي "تهاونت" في مواجهة حشود المهاجرين غير النظاميين الذين زحفوا جماعات وفرادى صوب سبتة.
وأفاد تقرير المركز الوطني للهجرة والحدود بإسبانيا أن رد فعل الشرطة المغربية تجاه حشود المهاجرين ودخولهم الجماعي إلى سبتة اتسم، على أقل تقدير، بالتهاون التام، إذ لم تُسجَّل أي محاولة جدية للحد من الحشود أو تفريقها أو إبعادها عن محيط الحدود في الـ30 من يوليو.
في المقابل، نفت الداخلية الإسبانية على لسان مسؤولين أمنيين صدور أي تقرير ينسب المسؤولية عن هذا الاختراق إلى أي حكومة أو وكالة أو فرد، لأن العقل المدبر وراء الاختراق المذكور لا يزال مجهولاً حتى يومنا هذا.
شكوك حول الاحتجاج الإسباني
وسجل مراقبون مفارقة لافتة في مواقف رئيس الحكومة الإسبانية بخصوص أزمة سبتة، فبعدما أصر كثيراً منذ اندلاع المشكلة على تبرئة المغرب من التورط في إشعال فتيل الهجرة الجماعية، بل وإشادته بجهود الرباط في صد المهاجرين غير النظاميين، أظهر نقداً واضحاً لمواقف وزراء في الحكومة المغربية بخصوص سيادة سبتة ومليلية.
ومقابل رفض الحكومة الإسبانية القاطع لحديث المسؤولين المغاربة عن مغربية سبتة ومليلية، ما نجم عنه استدعاء السفيرة المغربية في مدريد، فإنها لم تتهم الرباط بالتّهاون في صد الهجرة الجماعية لاقتحام سبتة سباحة قبل بضعة أسابيع مضت.
وتوقفت صحف إسبانية كبرى عند خبر استدعاء سفيرة المغرب في مدريد كريمة بنيعيش يوم الـ21 من أغسطس، وكشفت صحيفة "إل باييس" في هذا السياق أن السفيرة لم تكن موجودة في إسبانيا حينها، ولذلك مثّلها القائم بالأعمال، كما جرى نقل الاحتجاج الإسباني إليها عبر وسائل الاتصال.
من جهتها، أوردت صحيفة "لا راثون" زاوية مثيرة حول طريقة الاستدعاء، مفادها أن اللقاء معها لم يحصل فعلياً، وفق ما نقلته عن مصادر دبلوماسية، وأن الخارجية الإسبانية لم تعلن الاستدعاء في حينه، خلافاً لما يحدث عادة عندما تريد الحكومة إعطاء أهمية سياسية للاحتجاج الدبلوماسي.
واستغلت صحيفة "إل إسبانيول" بدورها هذه المفارقة للتشكيك في الصياغة التي قدم بها رئيس الحكومة الإسبانية الأمر أمام البرلمان، بالتالي لم يعد النقاش فقط حول مضمون التصريحات المغربية، بل بدأ يتحول أيضاً إلى سؤال: كيف ومتى جرى الاحتجاج الإسباني فعلياً؟
تفسير الموقف الإسباني
ويعزو محللون هذا "التناقض الظاهري" في مواقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز خلال أزمة سبتة بين "التصعيد السياسي والإعلامي" من جهة، والحرص الميداني والاستراتيجي على حماية العلاقة مع الرباط من جهة أخرى، إلى طبيعة الإدارة الإسبانية للأزمات المركبة.
وتتحكم عدة محددات حاسمة في طبيعة إدارة الحكومة الإسبانية للأزمات السياسية والدبلوماسية والأمنية، آخرها أزمة سبتة، من بينها محاولة سانشيز احتواء الأصوات الغاضبة، خصوصاً من اليمين واليمين المتطرف المتمثل في حزبي PP وVox، حيث اتهماه بالضعف أمام المغرب في حماية "حدود البلد".
وما يفسر هذا التوجه هو محاولة ظهور سانشيز بصورة رئيس الحكومة الحازم والصارم، من خلال استدعاء سفيرة المغرب في مدريد، وزيارته لسبتة، وحثه العاهل الإسباني على زيارة المدينتين، ورده الحاد على تصريحات وزراء مغاربة، لتظل جميعها رسائل موجهة إلى الداخل مفادها أن "إسبانيا لا تتسامح مع من يمس حدودها السيادية"، وفق نظرة مدريد.
ويرى مراقبون أن المحدد الثاني الذي يفسر ما يمكن أن يظهر تناقضاً في مواقف الحكومة الإسبانية حيال الرباط بين التصعيد والإشادة، هو فهم مدريد "اللعبة السياسية" مع بلد لم يعد جاراً جنوبياً فقط، بل شريكاً أمنياً واستراتيجياً لا محيد عنه لإسبانيا ولدول الاتحاد الأوروبي، في ملفات ذات أهمية قصوى مثل الهجرة غير النظامية والإرهاب.
والمحدد الثالث، وفق ذات التحليلات، هو أن مدريد تبقي "شعرة معاوية" قوية في جميع أزماتها السابقة مع الرباط، وأزمة سبتة ليست استثناءً، فإسبانيا لا تتهم الرباط رسمياً بالتّهاون أو تنسيق الزحف الجماعي للمهاجرين، لأنها تحرص على الإبقاء على جسر العودة مفتوحاً مع بلد ذي تأثير إقليمي ودولي متصاعد.
3 سيناريوهات
وأمام هذه التطورات المتلاحقة في تداعيات أزمة سبتة، يطرح الكثيرون أسئلة حول سيناريوهات مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية بين أثر التوترات الإقليمية الدورية، وإكراهات المصالح الجيوسياسية المتبادلة.
ويرى محللون أنه استناداً إلى التوازنات الجيوسياسية والأمنية بين المغرب وإسبانيا، تذهب العلاقات بين البلدين إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسة، الأول الأكثر ترجيحاً في خضم واقع ملفات حيوية من قبيل الهجرة والأمن والمبادلات الاقتصادية، هو سيناريو "الشراكة الاستراتيجية المحصنة".
ويُعزى هذا التحصين للشراكة الاستراتيجية بين الرباط ومدريد إلى القناعة لدى صناع القرار في البلدين بأن المصالحة وتطوير العلاقات أجدى بكثير من التوترات والقطيعة الدبلوماسية، بدليل أزمات سابقة مرت على البلدين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن هذه المشاريع العابرة للقارات والمحصنة للعلاقات بين الرباط ومدريد التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 بالتعاون مع البرتغال، وهو ما أكدته دراسة حديثة نشرها "المركز الديمقراطي العربي للدراسات" في برلين، أنجزها الخبير في القانون الدولي الإنساني قتيبة قاسم العرب، معتبرة أن "العلاقات الإسبانية المغربية تظل محكومة بسقف مصالح عليا يمنع انزلاقها نحو الصدام الشامل أو الانهيار البنيوي".
ووفق الدراسة ذاتها، "يكبح مشروع التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 كل توتر بين المغرب وإسبانيا، حيث يدرك صناع القرار في مدريد والرباط أن نجاح هذا الحدث العالمي يتطلب استقراراً سياسياً وتنسيقاً أمنياً ولوجستياً غير مسبوق عابراً للمتوسط".
أما السيناريو الثاني لمستقبل علاقات الرباط ومدريد بناءً على التطورات الأخيرة، فهو البقاء في "المنطقة الرمادية" بين مد وجزر، وبين تفاهم وتوتر، فلا السماء منقشعة كاملة من الغيوم الداكنة، ولا هي ملبدة كلها بالسحب الكثيفة.
وهذا السيناريو له حجيته وقوته أيضاً، بالنظر إلى أنه هو السيناريو الذي تعيشه فعلاً العلاقات الثنائية بين البلدين طيلة العقود الأخيرة، حيث تتسبب ملفات مثل سبتة ومليلية والهجرة السرية وهيكلة المعابر الحدودية ومناوشات أحزاب اليمين المتطرف في نشوء نوع من التوتر الدائم الذي تعقبه فترات صلح متوسطة أو طويلة حسب السياقات الجيوسياسية.
والسيناريو الثالث، الأقل ترجيحاً وفق محللين، هو أن تصل العلاقات بين الرباط ومدريد إلى حد الخصومة الدبلوماسية والقطيعة، بسبب قرارات قوية مثل تراجع دعم مدريد لمغربية الصحراء، أو استدعاء السفراء لفترات طويلة، لكنه سيناريو ضعيف نسبياً، باعتبار أن الذي يجمع المغرب وإسبانيا أكثر مما يفرقهما، ولأن المصالح الثنائية تحتم على الطرفين إدارة الأزمات بأقل الأضرار الممكنة وجلب أكثر المكاسب المتاحة.