Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المعركة الوطنية في اليمن... حين تتقدم الجبهات وتتسع دلالة الانتصارات

قيمة التقدم العسكري تتجاوز الميدان حين يتحول إلى خطوة في طريق استعادة الحياة الطبيعية نفسها

عناصر من الجيش اليمني (رويترز)

ملخص

الانتصارات التي تحققها القوات المسلحة اليمنية بكافة تشكيلاتها، تكتسب دلالاتها الإنسانية قبل العسكرية؛ فالانتصار الحقيقي في اعتقادي لا يُقاس فقط بعدد المواقع التي تتغير السيطرة عليها، وإنما بما يفتحه ذلك من أفق أمام الإنسان الذي أنهكته الحرب وأرهقته فكرة العيش الدائم تحت الخوف.

ثمة شيء غير عادي يحدث الآن في اليمن. في الواقع، هذا الذي يحدث مضى عليه أيام عدة. دعوني أدخل مباشرة في صلب موضوع هذه المقالة التحليلية وأقول: بدء القوات المسلحة اليمنية زحفها لتحرير محافظة الجوف، في أعقاب الانتصارات المتتالية التي حققتها خلال الأيام الماضية، لا ينبغي أن يقرأ باعتباره حدثاً عسكرياً يخص أبناء الجوف وحدهم، ولا باعتباره تحركاً منفصلاً عن سياق أوسع يتشكل على امتداد الجغرافيا اليمنية، بل تطور لافت ومهم على أكثر من صعيد.

أهمية هذا التطور الذي يحدث على الأرض تكمن في أنه يأتي ضمن مسار تتقدم فيه القوات المسلحة اليمنية الساعية إلى استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح، على أكثر من محور، بما يعيد تعريف المشهد من زاوية مختلفة: لم تعد الجبهات مجرد نقاط اشتباك متفرقة كما كانت في الماضي القريب، وإنما أصبحت أجزاء مترابطة من معركة واحدة. وحين تتقدم "قوة الدولة" في جبهة، فإنها لا تستعيد في تصوري أرضاً فحسب، بل تستعيد معها شيئاً من "ثقة اليمنيين" بإمكان استعادة المبادرة، وأن الانقلاب المسلح ليس قدراً نهائياً لا يمكن تغييره.

ومن ثم، وفق ما هو موضح أعلاه، يمكنني القول بأن الانتصارات التي تحققها القوات المسلحة اليمنية بكافة تشكيلاتها، تكتسب دلالاتها الإنسانية قبل العسكرية؛ فالانتصار الحقيقي في اعتقادي لا يُقاس فقط بعدد المواقع التي تتغير السيطرة عليها، وإنما بما يفتحه ذلك من أفق أمام الإنسان الذي أنهكته الحرب وأرهقته فكرة العيش الدائم تحت الخوف.

والجوف، بهذا المعنى المشار إليه أعلاه، ليست مجرد مساحة جغرافية تستعاد، كما أن مأرب أو تعز أو الساحل الغربي ليست خرائط منفصلة عن بعضها. خلف كل موقع عسكري أسرة تنتظر عودة الاستقرار، وخلف كل طريق يُفتح احتمال لعودة الحركة، وخلف كل تقدم للقوات المسلحة اليمنية فرصة لاستعادة فكرة الدولة بوصفها الحماية المشتركة لحقوق الناس وحياتهم.

ولهذا، فإن قيمة التقدم العسكري في تقديري تتجاوز الميدان حين يتحول إلى خطوة في طريق استعادة الحياة الطبيعية نفسها.

فضلاً عن ذلك، يمكنني القول بأن هذا الأمر يقود إلى حقيقة أكثر أهمية: القوات المسلحة اليمنية التي تواجه الميليشيا الحوثية لا تخوض حروباً منفصلة بحسب أسماء المحافظات أو اختلاف الجغرافيا، وإنما تواجه مشروعاً واحداً يتوزع على جبهات متعددة.

ولذلك، فإن تعدد ساحات القتال لا يعني تعدد المعارك، بل يعني أن المعركة الوطنية في تصوري لها وجوه ومواقع مختلفة. قد تتغير طبيعة الأرض بين مأرب والجوف وتعز والساحل الغربي، وقد تختلف ظروف القتال من جبهة إلى أخرى، لكن "جوهر المواجهة" يظل واحداً: دولة تريد استعادة مؤسساتها وقرارها، وميليشيا تريد إبقاء القوة المسلحة بديلاً عن الدولة.

وهذه الحقيقة لا شك لدي في أنها تجعل من كل تقدم تحققه القوات المسلحة اليمنية "إضافة" إلى رصيد وطني مشترك، لا مكسباً محلياً مغلقاً على حدود المحافظة التي شهدته.

ولذلك، تبدو الخرائط، مهما اتسعت، عاجزة عن اختزال المعنى السياسي للمعركة. فحين تثبت القوات المسلحة اليمنية موقعاً جديداً في الجوف، فإن أثر ذلك لا يتوقف عند الحوف، كما أن التقدم في تعز لا يبقى محصوراً في تعز، ولا يظل ما يتحقق في الساحل الغربي شأناً ساحلياً. كل جبهة تستعيد فيها القوات المسلحة اليمنية موقعاً جديداً تضيف إلى الجبهات الأخرى "مساحة من الأمل" وإمكاناً إضافياً للحركة.

في الواقع، إن الحرب، في أحد وجوهها، اختبار لقدرة الأطراف على الربط بين عناصر قوتها، والانتصار لا يصبح استراتيجياً إلا حين يتحول من حادثة ميدانية إلى مسار متراكم.

من هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم أهمية الانتصارات المتتالية التي تحققها القوات المسلحة اليمنية؛ إذ إن "تراكمها" في تقديري هو الذي يمنحها "قيمتها"، ويجعلها قابلة للتحول من مكاسب متفرقة إلى "تحول في ميزان المبادرة".

لكن نجاح هذا المسار لا يتوقف على القوة العسكرية وحدها، بل يتطلب في اعتقادي وعياً سياسياً يوازيها. فتعدد الجبهات لا يعني تفرق المعركة، كما أن اختلاف اليمنيين في السياسة لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام في مواجهة الخطر الذي يطال الجميع. فالاختلاف السياسي في المجتمع الطبيعي ليس عيباً، بل أحد مظاهر الحياة العامة، غير أن المشكلة في اعتقادي تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى عجز عن رؤية الخطر المشترك.

لاحظوا معي من فضلكم أن الميليشيا الحوثية، حين توسع نفوذها، لا تسأل اليمني عن حزبه أو منطقته أو موقفه السياسي؛ إنها تتعامل معه بوصفه جزءاً من مجتمع تريد إخضاعه لمشروعها.

وهذه الحقيقة وحدها كافية لتجعل من وحدة الموقف تجاه استعادة الدولة ضرورة عملية، لا شعاراً عاطفياً. فالذين يختلفون حول شكل المستقبل يستطيعون أن يتحاوروا بشأنه، أما حماية أصل الدولة فلا ينبغي أن تكون موضوعاً للانقسام. هذا أمر بالنسبة لي لا جدال فيه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هنا أيضاً يتضح أن أي جزء من اليمنيين لن يستطيع وحده مواجهة مشروع يستهدف اليمنيين جميعاً. لا تستطيع محافظة بمفردها أن تحمل عبء وطن كامل، ولا يستطيع تشكيل عسكري واحد أن يعوض غياب الإرادة الوطنية الجامعة.

القوة الحقيقية لا تكمن في إلغاء الاختلافات، وإنما في منعها من التحول إلى ثغرات مفتوحة أمام الميليشيا الحوثية. فاليمنيون من حقهم أن يختلفوا، بل إن اختلافهم، كما أرى، جزء من طبيعة المجتمع والسياسة، لكن ليس من حق الخلاف أن يجعلهم عاجزين عن الدفاع عن الدولة التي يفترض أن تتسع للجميع.

في هذا السياق البالغ الأهمية الموضح أعلاه، تصبح الانتصارات العسكرية التي تحققها القوات المسلحة اليمنية ذات قيمة إضافية؛ لأنها تبرهن عملياً على أن "توحيد الجهد العسكري" و"تنسيق الأدوار" يمكن أن ينتج أثراً أكبر "من مجموع القوى المتفرقة".

ولهذا، يمكنني المجادلة بأن استعادة الدولة عملية مركبة تحتاج إلى قوات مسلحة قوية، وقرار عسكري موحد، وتنسيق حقيقي بين التشكيلات، وإسناد سياسي وشعبي يتعامل مع المعركة باعتبارها قضية وطنية عامة.

والانتصارات المتتالية التي شهدتها الجبهات خلال الأيام الماضية تحمل، من هذه الزاوية المشار إليها أعلاه، مؤشراً إيجابياً على أهمية انتظام القوة حين تتجه نحو هدف واضح. فالقوة العسكرية تصبح أكثر فاعلية حين تجد أمامها رؤية تتجاوز الحسابات الضيقة، وحين يشعر المقاتل في الجبهة أن الموقع الذي يدافع عنه ليس جزيرة معزولة، بل جزء من منظومة وطنية أكبر. كما أن المجتمع يصبح أكثر قدرة على الصمود حين يرى نتائج ملموسة لتحركات قواته، لا مجرد وعود تتكرر دون أثر على الأرض.

تبرز هنا مسؤولية المجتمع نفسه، لأن المعركة الوطنية لا يمكن أن تبقى شأناً عسكرياً محضاً. الجندي الذي يقاتل في الجبهة يحتاج إلى مجتمع يؤمن بأن ما يدافع عنه يخص الجميع، والمواطن الذي يعيش بعيداً عن خطوط النار يحتاج إلى أن يدرك أن استعادة الدولة ستنعكس في النهاية على "أمنه" و"مستقبل أسرته" و"فرص حياته".

كما أن الجغرافيا لا ينبغي أن تحول المعركة الوطنية إلى جزر متباعدة، ولا ينبغي للبعد عن الجبهة أن يعني البعد عن القضية.

بعبارة أخرى، أدق وأوضح: مأرب ليست وحدها، والجوف ليست وحدها، وتعز ليست وحدها، والساحل الغربي ليس وحده؛ كل جبهة هي جزء من اليمن، وكل تقدم فيها يفتح إمكاناً جديداً أمام الجبهات الأخرى، وكل نجاح في تثبيت سلطة الدولة يقرّب اليمنيين خطوة من استعادة حياتهم.

بيد أن الأهم من وجهة نظري أن هذه التطورات المهمة تمنح اليمنيين فرصة لإعادة النظر في مفهوم الانتصار نفسه. فالانتصار ليس انتقاماً من منطقة أو جماعة أو تيار، وليس مناسبة لإلغاء المختلفين، وإنما هو استعادة للحق العام في دولة تحمي مواطنيها وتحتكم إلى مؤسساتها وقوانينها.

وإذا كانت الحرب قد مزقت كثيراً من الروابط بين اليمنيين، فإن استعادة الدولة ينبغي أن تكون المسار الذي يعيد بناء تلك الروابط، لا مناسبة لإنتاج انقسامات جديدة بأسماء مختلفة.

في نهاية المطاف، فإن بدء الزحف نحو الجوف، وما سبقه من انتصارات متتالية للقوات المسلحة اليمنية، يكتسب قيمته الحقيقية حين يُوضع في سياقه الوطني الأوسع. استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح لا تبدأ من جبهة بعينها ولا تنتهي عند حدود محافظة، بل تتشكل من تكامل الجبهات ووحدة وجهتها.

وكل تقدم في الجوف أو مأرب أو تعز أو الساحل الغربي ليس انتصاراً لمنطقة على أخرى، وإنما خطوة في طريق وطني واحد. طريق يستعيد فيه اليمنيون دولتهم وجمهوريتهم، ويستعيد اليمن حقه في أن يكون وطناً تتسع مساحته للجميع، لا مشروعاً مغلقاً تفرضه جماعة مسلحة.

وربما يكون المعنى الأكثر إنسانية لكل ذلك أن الانتصار، في جوهره، ليس أن ينتصر طرف على طرف، بل أن يستعيد الإنسان اليمني حقه في أن يعيش آمناً، وأن يرى مستقبله خارج دائرة الحرب والخوف.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل