ملخص
تستعرض المقالة أبرز إصدارات الكتب البريطانية في سبتمبر، من مذكرات وسير ذاتية إلى كتب غير روائية وروايات. ويبرز خصوصاً كتاب عن أنيتا بروكنر، وآخر عن هندسة اختبارات السلامة، ورواية "دودج سيتي" لباتريك دي ويت، التي تتناول أميركا والحرب والنضج في زمن مضطرب.
مع حلول سبتمبر (أيلول)، يكون الناشرون قد بدأوا بالفعل التطلع إلى مبيعات موسم أعياد الميلاد، ومن هنا تأتي إصدارات هذا الشهر الجديدة لـجوليا دونالدسون، مؤلفة كتاب الأطفال الأكثر مبيعاً "ذا غرفالو" The Gruffalo، وجيمي أوليفر، أكثر مؤلفي الكتب غير الروائية القابلة للتسويق في العصر الحديث، وريتشارد عثمان، ملك الأدب الجماهيري في عشرينيات القرن الحالي. ولا شك أن كتب "الجدة غروفالو" Gruffalo Granny و"وجبات في 20 دقيقة" Minute Meals 20 و"نطارد الظلال" We Chase Shadows ستسعد جماهير هؤلاء المؤلفين الثلاثة. أما اختياراتي، فهي أكثر خصوصية وأقل اعتيادية، ومن بينها كتاب "عالم متاجر السلع الخيرية: تحقيق في المجتمع والاستهلاك والنفايات" Charity Shop World: An Investigation into Community, Consumption and Waste الصادر عن دار "إنديغو برس" للكاتبة تانسي إي هوسكينز.
حققت متاجر السلع الخيرية في المملكة المتحدة أرباحاً بلغت 387 مليون جنيه استرليني بين عامي 2022-2023، جاء جزء منها من بيع الملابس لشركات إعادة التدوير. وتقدم هوسكينز في كتابها معلومات كاشفة عن صناعة تثير كثيراً من التساؤلات: فإنتاج الملابس عالمياً خرج عن السيطرة، والناس يرتدون الملابس رديئة الصنع مرات أقل، فيما يقوم نحو 10 آلاف من متاجر السلع الخيرية في بريطانيا، في الأساس، بـ"فرز قمامة المليارديرات"، قبل إعادة بيعها لدول مثل غانا، إذ تقوم كميات هائلة منها في نهاية المطاف بتلويث المجاري المائية وتكديس الشواطئ بالنفايات.
بعد قراءة كتاب هوسكينز، تبدو فكرة تخصيص وقت للعمل في متجر للسلع الخيرية غير جذابة على الإطلاق. ونكتشف أن بعض الناس "يستمتعون" بالتبرع بملابس داخلية متسخة، وما هو أسوأ من ذلك. بل إن زميلتها المتطوعة ماري اضطرت ذات مرة إلى تنظيف فضلات بشرية "تبرع" أحدهم بها داخل كوب تركه في غرفة تبديل الملابس (ولعل الشيء الوحيد الذي يمكن الإعجاب به هنا هو دقة التصويب، لا انعدام المراعاة).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويأتي كتاب "عالم متاجر السلع الخيرية" في سياق التقشف وبنوك الطعام وما تعانيه المجتمعات من ضائقة، ولذلك يبدو أحياناً مثقلاً بنبرة جدلية حادة، لكن هذه ملاحظة صغيرة على كتاب ساخر وشغوف يكشف عن "مشكلة هدر هائلة" تنخر العالم.
ومن بين المذكرات اللافتة هذا الشهر كتاب "منعطف في الحبكة: مذكرات عن حياة في الكتابة" Plot Twist: A Memoir of a Writing Life الصادر عن دار "سينشري" للكاتب هارلان كوبن، وكتاب "كيف حاولت تغيير العالم: بالسير في منتصف الشارع والصراخ" How I’ve Tried to Change the World: By Walking Down the Middle of the Street Shouting الصادر عن دار "ويندنفيلد آند نيكولسون" لـأليكسي سايل. أما "رائحة الغربان: تسع سنوات في جبال نورفولك الألبية" Smelling of Rooks: Nine Years in the Norfolk Alps الصادر عن دار "سولت"، فهي مذكرات لطيفة وذكية للروائي لويس دي بيرنيير. كما أوصي بكتاب لويز أونيل "حياة أكبر: مذكرات عن المواعدة والرغبة والفعل الجذري في طلب المزيد" A Bigger Life: A Memoir of Dating, Desire and the Radical Act of Wanting More الصادر عن دار "إتش كيو"، الذي يمزج بين وجع القلب والغضب المستحق، في تصويره لما يعنيه بالنسبة إلى النساء أن يكن "في خضم المعركة" في لعبة العلاقات العاطفية الحديثة مع رجال يفتقرون إلى الكفاءة.
يعد سبتمبر هذه السنة شهراً ذهبياً للروايات الجديدة، ومن بين الإصدارات التي تستحق البحث عنها روايتان تاريخيتان آسرتان لكاتبين مخضرمين من كبار الأسماء في الأدب: سيباستيان فولكس في "توديع عدن" Farewell to Eden الصادرة عن دار "هاتشينسون هاينمان"، وسيباستيان باري في "العالم الأحدث" The Newer World الصادرة عن دار "فيبر"، إلى جانب "محطات" Stations الصادرة عن دار "بلومزبري" لـلويز كينيدي، وهي حكاية مؤثرة عن الحب والصداقة تدور أحداثها في ريف إيرلندا.
وأخيراً، سيجد محبو المغني وكاتب الأغاني الراحل، والعظيم حقاً، جون براين، متعة لا تنضب في كتاب توم بيازا "العيش في الحاضر مع جون براين" Living in the Present with John Prine الصادر عن دار "أومنيبس برس"، الذي يزخر بالحكايات الطريفة. وقد قام بيازا، وهو الكاتب الرئيس لمسلسل "تريم" Treme البارز الذي تعرضه منصة "إتش بي أو"، بإنصاف صديقه وإيفائه حقه.
في ما يأتي مراجعات كاملة لرواية الشهر، وكتاب الشهر غير الروائي، ومذكرات الشهر:
سيرة الشهر: "أنيتا بروكنر: الفن والحياة" Anita Brookner: Art & Life بقلم هيرميون لي ★★★★☆
كانت أنيتا بروكنر تنتمي إلى ذلك النوع من العائلات المختلة، التي تصلح تماماً لتكون وقوداً لمسيرة كاتبة. ولدت عام 1928 في أسرة يهودية بولندية تضم جدة متسلطة، وخالاً متنمراً، وعمات لا يتوقفن عن السخرية، وأباً خجولاً، وأماً غير محبة ومحتاجة إلى الاهتمام، كانت تقول لـبروكنر إنها "ليست جميلة بما يكفي". ولم تكن بروكنر الشابة متدينة قط، وكانت تصف اليهودية بأنها "دين فظيع بإله سيئ المزاج".
في كتاب "أنيتا بروكنر: الفن والحياة"، تستهل هيرميون لي حكايتها بالسنوات الأولى لكاتبة المستقبل، التي كانت طفلة قارئة بنهم، ومدمنة على زيارة المتاحف. وقد شعرت بروكنر بأقصى درجات السعادة والحرية، حين تمكنت في الـ21 من الهرب إلى باريس والعيش فيها.
لاحقاً، وبعد أن رسخت مكانتها من خلال عملها في معهد كورتولد، حيث درست تاريخ الفن بين عامي 1964 و1988، وجدت ملاذاً حقيقياً آخر في كتابة الأدب. وأصبحت كتابة الروايات، جزئياً، وسيلة للتعامل مع اكتئابها. أما روايتها الرابعة "فندق دو لاك" The Hotel du Lac، الصادرة عام 1984، فقد أوصلتها إلى الشهرة وهي في الـ56، وأشعلت موجة من كراهية النساء. وبعد إعلان فوزها بجائزة بوكر، اقترب منها جيه جي بالارد، الذي كان متوقعاً أن يفوز بالتكريم عن "إمبراطورية الشمس" Empire of the Sun، وقال لها: "لقد سرقت جائزة بوكر الخاصة بي".
وعلى رغم أنها بدأت مسيرتها الأدبية في سن متأخرة، أنجزت 25 رواية، وكتبت كتباً عن الفن ودراسات في النقد الأدبي، من بينها كتابات لصالح صحيفة "اندبندنت". ومن الطريف على نحو غريب حكاية اتصال الروائي والناقد البريطاني البارز مارتن أميس بها ليوبخها بسبب مراجعة "سيئة"، ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة للضحك، على نحو صادم، ما تورده بروكنر كسبب لإحجامها عن العلاج النفسي، إذ كانت تقول: "لا يعرف المرء مدى ذكاء الشخص الذي يستجوبه"، ثم تستطرد مستمتعة بحكاية صديقة لها كانت مستلقية على الأريكة تفتح قلبها للمعالج في شأن أفراد عائلتها الذين لقوا حتفهم في الهولوكوست. وفجأة بدأ المعالج بالبكاء، فاعتذرت صديقتها عن الأشياء الفظيعة التي اضطرت إلى الحديث عنها. فجاءها الرد: "لا، لا أبكي لهذا السبب، لقد مات كلبي للتو".
تعرضت بروكنر للانتقاد بسبب شخصياتها السلبية الكئيبة، لكن لي، صاحبة السير الممتازة السابقة لكل من فرجينيا وولف وإديث وارتون، تقدم بروكنر بصورة مختلفة: امرأة جريئة ومرحة وحاسمة. كما أنها لم تكن شخصاً يسهل وضعه في قالب محدد، فقد أحجمت عن الزواج وقيوده، وعلى رغم أنها أبقت حياتها العاطفية سرية إلى حد كبير، فقد اعترفت ذات مرة لابن عم لها بأن عشيقها الأخير "كان يمارس الجنس بخشونة".
تكتب لي أن بروكنر "كانت ستكره وجود سيرة ذاتية عنها"، لكن الكاتبة الفائزة بجائزة بوكر كانت ستدرك، على الأرجح، قيمة هذا البورتريه الدقيق والمتزن والشامل، الذي يرسم صورة لشخصية متناقضة، متذبذبة وفريدة من نوعها. فقد كانت بروكنر أشياء كثيرة في آن واحد، تستطيع أن تكون ساخرة بطريقة لاذعة، سخية وداعمة، أو باردة، متعالية ومتجاهلة للآخرين. وأتوقع أن كثيرين وجدوها عصية على التهذيب والترويض. وعندما توفيت، لم يحضر مراسم حرق جثمانها سوى شخصين، فقد أوصت بألا يحضرها أحد. ولا يمكن للمرء أن يعرف ما إذا كانت هذه السيرة الممتازة ستدفع قراء جدداً إلى الالتفات إلى أعمال بروكنر، وإن كانت لي تقدم حجة قوية للغاية تفيد بضرورة حدوث ذلك.
تصدر مذكرات "أنيتا بروكنر: الفن والحياة" للكاتبة هيرميون لي عن دار "شاتو آند ويندوس" في الـ10 من سبتمبر وتباع النسخة الواحدة بسعر 28 جنيهاً استرلينياً.
كتاب الشهر غير الروائي: "كيفية إبقاء طائرة في السماء: حكايات من العالم الجامح والخفي لهندسة الاختبارات" How to Keep a Plane in the Sky: Tales from the Wild, Unseen World of Test Engineering بقلم أليكس ديفيز ★★★★☆
تحسنت اختبارات السلامة كثيراً منذ أربعينيات القرن الماضي، حين كان يباع "موقد ليتل ليدي" Little Lady Toy Stove كلعبة للأطفال، على رغم أنه كان قادراً على بلوغ درجة حرارة تصل إلى 600 فهرنهايت (نحو 316 مئوية). وفي كتاب "كيفية إبقاء طائرة في السماء"، يتناول الصحافي المتخصص في شؤون التكنولوجيا أليكس ديفيز المخاطر الخفية في الأشياء التي نستخدمها يومياً، وكيف ندين بالفضل في موثوقية المنتجات الاستثنائية، في معظم الأحيان، للعمل الخفي والمنهجي الذي يتسم بقدر من الهوس، الذي يؤديه مهندسو اختبارات فائقو الذكاء.
قد يبدو كتاب يتناول هندسة الاختبارات ميالاً لأن يكون جافاً ورتيباً، لكن ديفيز يملأ روايته بأمثلة لافتة وغريبة الطابع، تستعرض نجاحات وإخفاقات تثير الدهشة. وقد يكون تأثير الاختراعات البارعة في تحسين السلامة والقضاء على مصادر الخطر مذهلاً. فعلى سبيل المثال، أسهم المهندس الذي ابتكر أغطية زجاجات يصعب على الأطفال فتحها في خفض حالات تسمم الصغار بنسبة 91 في المئة. كما يوضح ديفيز كيف أدى تصميم زجاج "آمن للطيور"، لكن لا يزال بإمكان البشر الرؤية من خلاله، إلى تحسين وضع كان يتسبب في نفوق أكثر من مليار طائر سنوياً في الولايات المتحدة نتيجة اصطدامها بالنوافذ.
تتميز كتابة ديفيز بطابع تقني، لكنها في الوقت نفسه سهلة الفهم، كما أنه يجيد التوقف عند أدق التفاصيل. وحتى القارئ الأقل اهتماماً بالعلوم، مثلي مثلاً، يجد نفسه منجذباً إلى حكايات تتناول آلية عمل جزازات العشب. ويسلط الكاتب الضوء بالتفصيل على الأخطار الناجمة عن جشع الشركات وركود الحكومات، كما يوضح بجلاء الأخطار التي تنتظرنا إذا لم نختبر أنظمة الذكاء الاصطناعي على النحو الصحيح، أو إذا لم نفرض متطلبات صارمة للسلامة على المركبات ذاتية القيادة.
ولعل أكثر فصول الكتاب بشاعة، وإن كان بطريقة ما الأكثر إثارة للاهتمام، يتناول استخدام الجثث في عمليات الاختبار هذه. يقول جون بولتي، مدير مركز أبحاث الميكانيكا الحيوية للإصابات في جامعة ولاية أوهايو: "من الصعب العثور على جثة مناسبة"، ولا سيما أن "الدماغ يتحلل سريعاً بعد الوفاة". وينقل ديفيز أن إحدى مجموعات المختبرين أطلقت طائرات مسيرة صغيرة بسرعة تقارب 50 ميلاً في الساعة (نحو 80 كلم/ساعة) باتجاه رؤوس جثث لاختبار قوة الاصطدام، ولعل هذه تجربة نستطيع جميعاً توقع نتيجتها.
يصدر كتاب "كيفية إبقاء طائرة في السماء: حكايات من العالم الجامح والخفي لهندسة الاختبارات" للكاتب أليكس ديفيز عن دار "إليوت آند طومسون" في الـ10 من سبتمبر، وتباع النسخة الواحدة بسعر 16.99 جنيه استرليني.
رواية الشهر: "دودج سيتي" Dodge City بقلم باتريك دي ويت ★★★★★
"كان رجال الكهف يخوضون الحروب، وكذلك سيفعل رجال الفضاء. هذا مجرد جزء من التجربة التي يعيشها الرجل الأميركي"، يقول والد لي كلارك في رواية "دودج سيتي". ويأتي هذا الحديث تحديداً في عام 1967، في اللحظة التي كان فيها ابنه البالغ 23 سنة، وبعد تلقيه إشعاراً باستدعائه للخدمة العسكرية في حرب فيتنام، قد فر من لوس أنجليس متجهاً إلى الحدود الكندية.
باتريك دي ويت، مؤلف رواية "الإخوة الأخوات" The Sisters Brothers التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر عام 2011، مولود في عام 1975، وهو العام الذي انتهت فيه الحرب. وينحدر من جزيرة فانكوفر، ولا بد أنه كان على دراية بتاريخ المدن الكندية باعتبارها ملاذاً للفارين من التجنيد العسكري في الولايات المتحدة.
يقود كلارك سيارته الجديدة من علامة جاغوار إلى كندا، ويتناول حبوب الأمفيتامين المنبهة، بينما ينحرف عن الطريق في رحلة برية جامحة عبر البلاد لزيارة عائلته المضطربة قبل مغادرة أميركا نهائياً. أما المشاهد الأربع الرئيسة فهي آسرة وكاشفة في آن معاً، إذ يزور فيها والده الجندي السابق المدمن على الكحول، ووالدته وشقيقها غريب الأطوار، وشقيقه هاري المندفع والمثير للنفور، وتوأمته غريس. وتقول غريس، وهي ممرضة في مستشفى للأمراض النفسية في مانهاتن، فيما تعيش هي نفسها حياة عاطفية كارثية: "القلب البشري عضو مريض".
وتجري أحداث الرواية في 15 فصلاً مكثفاً ومحكم الإيقاع، وتتيح بنية الرحلة البرية لـ دي ويت أن يرسم صوراً للحياة في البلدات الصغيرة والمدن الكبرى خلال مرحلة مضطربة. كما أن الكتابة فاتنة، وتتألق الرواية بأوصاف حادة ولاسعة، إذ يلاحظ لي أن سكان إحدى البلدات يمتلكون "وجوهاً أشبه بالجثث"، فيما يعمل فتى يافع في صالة للبولينغ بوجه تغطيه "حبوب شباب ملتهبة وأسنان كأنياب حصان". لكن خلف هذه اللغة الأنيقة، تكمن معالجة موجعة لمعنى أن يبلغ الإنسان سن الرشد في خضم أزمة وطنية كبرى.
ويتمثل محرك هذه الرواية الآسرة في علاقة لي الغريبة بفتاة "هيبي" شابة تدعى كال، وتخبر لي - الذي يتمتع بطابع رسمي نوعاً ما - بأنه "فلاح أرستقراطي". وحين يسألها عما يعنيه ذلك، تجيب "أنت تكوي قمصانك". وقد علمت أم كال ابنتها أنه "يجب طحن كل المشاعر حتى تصبح مسحوقاً، ثم تلقى في البئر". ويكمن جزء من السحر العميق لهذه الحكاية في انتظار معرفة ما إذا كانت تلك المقولة صحيحة. "دودج سيتي" رواية صاخبة، حكيمة ورائعة، وهي أيضاً رواية تحذر من الانغماس في شرب "ترياق الأسطورة الأميركية".
تصدر رواية "دودج سيتي" للكاتب باتريك دي ويت عن دار "فورث إستيت" في 29 سبتمبر، وتباع النسخة الواحدة بسعر 18.99 جنيه استرليني.
© The Independent