ملخص
تمتد العلاقة بين سوريا الجديدة وأوكرانيا إلى مرحلة تجمع "الثوار" في إدلب، حين دعمت كييف مسلحي المعارضة آنذاك في الوجود جواً للمرة الأولى منذ اندلاع معركتهم ضد نظام الأسد، مما أسهم في إسقاطه، واليوم تعود كييف لمحاولة منح نوع من الوجود الجوي لدمشق الساعية إلى وقف انتهاكات إسرائيل.
في ذروة حاجة سوريا الماسة إلى دفاعات جوية تتصدى لاعتداءات الطيران الحربي الإسرائيلي المتواصلة، ووقف التوغل الإسرائيلي البري في جنوبها، يلمع اسم أوكرانيا، الحليف الخفي لثوار الشمال السوري، وسط تكهنات عن استمرار الدعم مع وصول الحلفاء الجدد إلى سدة الحكم في دمشق، وما إذا كان هذا الدعم محدوداً أو جزئياً لتأثيره في العلاقة الأوكرانية - الإسرائيلية.
الحل الأقرب
الإمساك بالسماء هو ما تسعى إليه الإدارة السورية الجديدة بعد تدمير قسم كبير من الطائرات الحربية إثر سقوط النظام السابق، وقدم المقاتلات التي ما زالت تملكها، وفقدان قطع الغيار اللازمة لها. علاوة على التدمير الممنهج لكل مراكز القوة والسيطرة سواء المطارات أو منظومات الدفاع الجوي، ووسط كل هذا لا بد من حلول سريعة أو أقرب إلى أن تكون بأقل الكلف، واتضح أنه لا بد من الاعتماد على صناعة المسيرات.
وتشي معلومات توفرت لدى الاستخبارات الإسرائيلية بقلق تل أبيب حيال صفقة تعاون سوري - أوكراني في مجال الطائرات المسيرة بوساطة تركية، إضافة إلى إعداد منشأتين عسكريتين في ريف دمشق، من المرجح أن تكون إحداها في قرية يعفور التي تضم وحدات عسكرية ومراكز تدريب، والأخرى بمنطقة مصياف بريف حماة (وسط) بغرض تدريب عسكريين سوريين على تشغيل الطائرات من بعد.
وتطور التعاون السوري - الأوكراني بعد وصول المعارضة السورية إلى سدة السلطة، ليبدأ فصل جديد من التعاون ما بعد هيمنة عائلة الأسد (1970 - 2024). وبرزت زيارة الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلنيسكي، إلى دمشق في الخامس من أبريل (نيسان) الماضي ولقائه نظيره السوري، أحمد الشرع، مما أعطى الضوء الأخضر لمزيد من العلاقات وتوسيعها في مجالات الأمن والدفاع إلى جانب الطاقة والبنية التحتية. وقال زيلنيسكي في منشور على تطبيق "تيليغرام"، "اتفقنا على العمل معاً من أجل توفير مزيد من الأمن وفرص التنمية مع اهتمام كبير بتبادل الخبرات العسكرية والأمنية".
من التدريب إلى التصنيع
وقال الباحث السياسي التركي، علي أسمر، "أننا أمام تعاون يتجاوز شراء المسيرات إلى محاولة نقل خبرة ميدانية اكتسبتها أوكرانيا خلال واحدة من أكثر حروب الطائرات المسيرة تطوراً في العالم. وبالنسبة إلى سوريا، فالقيمة الحقيقية ليست في الحصول على طائرات جاهزة، وإنما في تعلم التصنيع والتعديل والحرب الإلكترونية واعتراض المسيرات وإدارة المعركة الجوية بكلف منخفضة".
"أما في ما يخص الوساطة التركية فهي المستفيد الاستراتيجي من هذا المثلث"، حسب وصف أسمر، "لأنها تساعد في إعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية، وفي الوقت نفسه تمتلك شراكة دفاعية قديمة ومتقدمة مع أوكرانيا، لذلك يمكن النظر إلى أنقرة بوصفها الجسر الذي يجمع الخبرة القتالية الأوكرانية مع الحاجات السورية ومع البنية الصناعية والتقنية التركية"، وأضاف "إلى الآن لا يوجد برنامج سري متكامل برعاية تركية، المؤكد هو التعاون الأمني والسياسي والتكنولوجي، أما التفاصيل العملياتية فما زالت غير مثبتة علناً، والمهم بالنسبة إلى إسرائيل أن سوريا التي كانت مكشوفة جوياً لأعوام قد تبدأ تدريجاً في اكتساب أدوات تسمح لها برفع كلفة حرية الحركة الإسرائيلية داخل أجوائها. وهنا تحديداً يبدأ القلق في تل أبيب".
أنظمة دفاعية
وتسعى تل أبيب إلى تحقيق اتفاق أو الضغط لمنع حصول أي تقدم تقني يصل للجيش السوري الجديد، لا سيما في ما يخص الدفاعات الجوية، بذريعة الخوف على أمنها القومي، ومخاوف من وصول السلاح النوعي إلى الحكام الجدد في دمشق.
وبعد حادثة استهداف الطائرة الروسية في غرب سوريا بصاروخ إسرائيلي عام 2018، ضعفت الأجواء السورية وتركت منتهكة، لا سيما بعدما تعهدت روسيا بالسيطرة المطلقة على غرفة قيادة الصواريخ في سوريا، إضافة إلى عدم وصول منظومة الصواريخ المتطورة "أس 400" إلى القوات الجوية السورية، منعاً لأي تفوق في نظام الدفاع الجوي الذي يرتكز حالياً على منظومة "أس 200" الروسية.
وزادت بعد هذه الحادثة هجمات سلاح الجو الإسرائيلي بصورة متقطعة، وتركزت على قصف مواقع إيرانية أو قوافل سلاح خاصة بإيران أو أحد أذرعها، لكن ذروة هذه الهجمات كانت خلال الأيام الأولى على سقوط النظام السابق، حين أشعلت هذه الغارات مستودعات السلاح الاستراتيجي وأنظمة الدفاع الجوية، مدمرة قرابة 80 في المئة من قدرات الجيش السوري.
وأوضح الباحث التركي أن "سوريا لا تستطيع خلال أشهر بناء دفاع جوي تقليدي متكامل ينافس إسرائيل، لأن ذلك يحتاج إلى رادارات بعيدة المدى وصواريخ اعتراض وقيادة وسيطرة وشبكات اتصالات وتدريب طويل ومكلف، كذلك فإن جزءاً كبيراً من البنية العسكرية السورية ومنظومات الدفاع الجوي التابعة للنظام السابق، تعرض للتدمير في الضربات الإسرائيلية الواسعة بعد سقوط الأسد".
ويردف "لكن الصورة تختلف تماماً في مجال المسيرات والحرب الإلكترونية، لأن هذه القدرات يمكن تطويرها بوتيرة أسرع بكثير ولا تحتاج إلى البنية المالية والتقنية التي تتطلبها منظومات الدفاع الجوي التقليدية".
ويجزم في الوقت ذاته باستطاعة أوكرانيا "نقل خبرتها في مجال المسيرات الاعتراضية والطائرات الانتحارية والاستطلاع والتشويش والحماية من المسيرات للجانب السوري، وهي خبرة تراكمت يومياً تحت ظروف حرب حقيقية منذ أعوام".
ويتوقع أسمر أنه "مع الخبرة الصناعية التركية يمكن خلال فترة ليست بطويلة، إنشاء طبقة دفاعية منخفضة الكلفة تجعل الاستطلاع أو الاختراق الجوي أكثر تعقيداً، حتى لو لم تمنع الطيران الإسرائيلي بالكامل، لذلك لا أتوقع أن تمتلك دمشق سريعاً مظلة دفاع جوي متكاملة، لكنني أتوقع أنها تستطيع خلال فترة أقصر بناء قدرة إزعاج وردع تكتيكي، وهذا وحده قد يغير جزءاً من قواعد اللعبة في أجواء سوريا".
"الشاهين" السوري
يذكر أن التنسيق الاستخباراتي والعسكري بين سوريا الجديدة وأوكرانيا ليس وليد وصول حكم جديد بعد إسقاط نظام الأسد في أواخر عام 2024، بل كثيراً ما تحدثت تقارير استخباراتية عن تعاون كييف مع مقاتلي المعارضة في إدلب، إذ أمدتهم بالتقنيات اللازمة والمسيرات للحضور جواً. وأسهمت مسيرات تسمى "شاهين" بقصف مواقع وتحصينات جيش النظام السابق، وبالوصول إلى أهداف له خلف خطوط النار.
وراقبت روسيا الدور الأوكراني بكثير من القلق والاستياء عند إمداد الثوار السوريين آنذاك بهذه المسيرات وتدريب مقاتلي "هيئة تحرير الشام" على استخدامها. وكشف حينها مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتيف عن "وجود متخصصين من استخبارات الجيش الأوكراني ينشطون في إدلب ويدربون الثوار على استخدام المسيرات وصناعتها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وركز الثوار في حينه على نوعية العمل والقدرات التقنية، ومنها تطوير مسيرة "الشاهين" التي كان لها دور بارز في إسقاط مدينة حلب أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بشكل كامل.
يذكر أن "الشاهين" طائرة مسيرة صنعت بأيدي سورية، وصمم لها محرك نفاث، تطلق آلياً أو عبر الدفع اليدوي في الهواء، وتحمل ذخيرة وحشوات متفجرة، ولهذا يمكنها أن تكون من النوع الانقضاضي أو الانتحاري، فضلاً عن أنواع أخرى، منها ما يمكنه إلقاء القنابل على الأهداف بشكل مباشر.
إدارة الأزمات
في الأثناء يمكن أن تفيد أوكرانيا في مجالات البنية التحتية، ويتوقع مراقبون دخولها مجال المشاركة في إعادة إعمار سوريا، وصيانة شبكات الطاقة والنقل، والمساهمة في المجال الغذائي باعتبارها من أبرز مصدري الحبوب والمنتجات الزراعية.
وكان رئيس الجالية السورية في أوديسا الأوكرانية، جابر حماد الأسعد كشف أبرز ملفات الزيارة الرئاسية الأوكرانية الأولى من نوعها إلى سوريا، قائلاً إنه "يمكن لأوكرانيا أن تقدم خبرات ميدانية متقدمة في مجالات التدريب، وإزالة الألغام، والدفاعات غير المباشرة، إضافة إلى الاستشارات في مجال تنظيم وإعادة هيكلة بعض القدرات الدفاعية، إلى جانب تبادل الخبرات في إدارة الأزمات. ويأتي ذلك ضمن إطار تعاون أوسع يهدف إلى تعزيز الاستقرار وبناء شراكات تخدم مصالح البلدين والشعبين".
ثلاثة سيناريوهات
ومع كل ما يحدث من تطورات، وفي حال مضي أوكرانيا في تعاونها العسكري في مجال الطائرات المسيرة، يبقى السؤال حول رد تل أبيب على ذلك، في ظل وجود تعاون عسكري أوكراني إسرائيلي أيضاً. وهناك سيناريوهات عدة محتملة لدى الباحث التركي علي الأسمر، الذي يرجح "اتباع إسرائيل سياسة المنع المبكر، أي محاولة تعطيل القدرة قبل أن تتحول إلى منظومة عسكرية مستقرة، وهو أسلوب استخدمته مراراً داخل سوريا خلال الأعوام الماضية"، وأضاف "السيناريو الأول سيكون الضغط السياسي والأمني على أنقرة وواشنطن لإبقاء نوعية السلاح الذي يصل إلى دمشق تحت سقف لا يمس التفوق الجوي الإسرائيلي. السيناريو الثاني هو تكثيف العمل الاستخباراتي لمراقبة مواقع التدريب والتخزين ونقل التكنولوجيا والمتخصصين، مع محاولة معرفة متى تتحول المشاريع من التدريب إلى قدرة عملياتية فعلية. أما السيناريو الثالث فهو توجيه ضربات محدودة إلى منشآت أو مخازن أو قواعد تعدها إسرائيل جزءاً من بناء قدرة استراتيجية جديدة، وقد رأينا نموذجاً قريباً لذلك في استهداف قواعد سورية ارتبط اسمها بالتوسع العسكري التركي".
ويتوقع الأسمر "تجنب إسرائيل قدر الإمكان ضرب أهداف تركية مباشرة، لأن المواجهة مع أنقرة مختلفة تماماً عن المواجهة مع قوة محلية سورية، ولهذا سيبقى هناك هامش واسع للتفاهمات والرسائل والوساطة الأميركية".