ملخص
في مهرجان البندقية السينمائي الـ83 (من الثاني إلى الـ12 من سبتمبر- أيلول الجاري)، فيلمان يعودان للاتحاد السوفياتي باعتباره كيان قمع واستبداد، حاول أن يجعل من الاختلافات الهائلة بين أفراده وشعوبه ومناطقه وحدة سياسية وأيديولوجية.
في "داو"، أروع أفلام المسابقة في المهرجان، نرى هذه المحاولة من الداخل، عبر فرد يحاول الاحتفاظ بخصوصيته في مواجهة سلطة تتسلل إلى كل شيء. أما "إمبيريوم"، فيبتعد من المواطن لمصلحة صورة أوسع، إمبراطورية شاسعة تخفي تحت خطاب الوحدة عالماً متعدداً.
كيف يمكن للعبقرية العلمية أن تنتعش داخل نظام يريد التحكم بها وبصاحبها؟ هذا أحد الأسئلة التي يضعها المخرج الروسي الطموح إيليا خرجانوفسكي في قلب "داو"، الفيلم المنافس على "الأسد الذهبي". وهذه الملحمة ليست عن سيرة الفيزيائي ليف لانداو (1908-1968) المعروف اختصاراً بـ"داو" التي "يؤفلمها" بتصرف، بقدر ما هي عن حياته كمختبر لفحص العلاقة الملتبسة بين الموهبة والسلطة، وبين الحرية والثمن الذي يُطلب في مقابلها.
بإمكانات كبيرة ومشروع تطلب خروجه إلى الضوء أعواماً، يعيد الفيلم إحياء الاتحاد السوفياتي بين الثلاثينيات والستينيات. ويضع المخرج كاميراه وسط عالم تحكمه الرقابة والخوف والعنف والعسف، عالم يحاول فيه العلماء الاحتفاط بمساحتهم الخاصة، فيما تسعى الدولة إلى تحويل المعرفة إلى أداة في مشروعها السياسي والعسكري، وصولاً إلى القنبلة النووية.
لا يضع "داو" بطلاً مثالياً في مواجهة طغيان واضح. فشخصيته الرئيسة أكثر التباساً، إذ إن "داو" متعجرف وأناني وشديد الثقة بعبقريته (نال "نوبل" الفيزياء عام 1962 لكن الفيلم لا يذكرها)، ومتمرد حين يتعلق الأمر بحريته. ومع ذلك، فإن النظام الذي يحاصره يعرف كيف يروّضه من دون القضاء عليه. ويمنحه هامشاً من التصرف بحياته الخاصة، ثم يستعيده في اللحظة المناسبة، ليصبح الامتثال عملية طويلة وبطيئة، وغير كاملة في أية حال. والسلطة في "داو" تتسلل إلى كل شيء، حتى العلاقات الحميمة. وما يتعرض له داو سيعيد إنتاجه بدوره على الآخرين، ولا سيما النساء اللواتي يتحولن إلى ضحايا لصراعاته وانكساراته.
بصرياً، يبني خرجانوفسكي عالماً مدهشاً، تتجاور فيه الواقعية التاريخية مع نزعة تشكيلية، فالألوان والملابس والديكور تجعل الحقبة السوفياتية مسرحاً ذهنياً بقدر ما هي بقعة تاريخية. واستعان الفيلم بثلاثة مديري تصوير لتكوين مشهدية ذات طابع ليريكي يحدث قطيعة مع الواقعية، مستلهماً كبار الرسامين الروس، علماً ان خرجانوفسكي نفسه يرفض حصر فيلمه في هوية وطنية، قائلاً إن السينما شأنها شأن العلم "لا جنسية لها"، ولكن لا يخفي تأثير الطليعة السوفياتية في فيلمه.
سبق الفيلم صيته إلى البندقية، محمّلاً بسلسلة من الجدال لا تقل حجماً عن طموحه الفني. وأثيرت تساؤلات حول أخلاقيات صناعة الفيلم، ولا سيما طريقة خرجانوفسكي في إدارة بعض المشاهد، وما نُقل عن أسلوب شديد السلطوية في التعامل مع الممثلين، فضلاً عن ممارسات في موقع التصوير تبدو اليوم، بمعايير الصناعة السائدة، موضع مساءلة.
إضافة إلى ذلك، اعترضت جهات أوكرانية على إدراج فيلم روسي في المسابقة، في وقت ينأى المخرج بنفسه بوضوح عن سياسات موسكو، فهو معارض لبوتين وحربه على أوكرانيا، وتخلى عن جنسيته الروسية ويعيش في المنفى الأوروبي. وأمام الاعتراضات الأوكرانية على حضور الفيلم في البندقية، اختار خرجانوفسكي لهجة هادئة، مقرّاً بحجم المأساة التي تعيشها أوكرانيا، ومؤكداً ارتباطه بها وتمنيه انتصارها في الحرب. أما مدير المهرجان ألبرتو باربيرا، فردّ على الانتقادات الموجهة إلى اختيار الفيلم، رافضاً اختزاله في جنسيته أو في هوية مخرجه، وقال "فيلم ‘داو‘ ليس روسياً، وليس دعاية مؤيدة لبوتين. إنه فيلم يدين الأنظمة الشمولية وتدخلها في حياة الأفراد، ساعية إلى تطويق حرياتهم وإخضاع تفاصيل وجودهم. وهو أيضاً عمل لمخرج روسي معارض انتهى به الأمر إلى قوائم النظام، مصنَّفاً ’إرهابياً‘ و’عدواً للدولة‘، واتخذ منذ الأيام الأولى للغزو الروسي لأوكرانيا موقفاً صريحاً ضده. فلماذا، إذاً، كل هذا الالتباس الذي يلحق الضرر بفيلم لم يشاهده، على ما يبدو، من يوجهون إليه هذه الاتهامات؟ ولماذا يُزجّ ببينالي البندقية في مواجهة أخرى، بلا مبرر واضح، لمجرد أنه أتاح للفيلم مكاناً في برنامجه؟ لعل السبب أن بينالي البندقية لا يزال واحداً من المؤسسات الثقافية القليلة في العالم التي تتمسك بحرية التعبير والاستقلالية الفنية، من دون أن تجعل الأصل الجغرافي أو الجنسية معياراً للحكم على العمل. فلندافع عن الاستقلالية وعن حرية الفن“.
فيلم "إمبيريوم"
بعد "داو" الذي غاص في العلاقة المسمومة بين الفرد والسلطة داخل الاتحاد السوفياتي، يأتي ”إمبيريوم“ (معروض خارج المسابقة) للمخرج الأوكراني الشهير سيرغي لوزنيتسا (معارض آخر لنظام بوتين) ليغيّر زاوية النظر، منتقلاً من الإنسان المحاصر داخل النظام إلى المساحة الهائلة التي حاول ذلك النظام أن يوحّدها. الفيلم ليس عن شخصية واحدة، وإنما يقتفي أثر معظم أفلام لوزنيتسا الوثائقية، اللجوء إلى الأرشيف. فنجد أنفسنا أمام صور قديمة، التقطها سينمائيون إيطاليون بين أعوام 1970 و1973، تعود لتفتح نافذة على الاتحاد السوفياتي. وهؤلاء السينمائيون جابوا أكثر من 20 منطقة، من سواحل القطب الشمالي إلى صحارى آسيا الوسطى، ومن الكاربات إلى المحيط الهادئ. ويبدأ الفيلم من موسكو، مركز السلطة، ثم يبتعد تدريجاً نحو القرى والأطراف، حيث تقاليد ضاربة في القدم احتفظت بمساحتها الخاصة، ذلك أن المسافة عن المركز تمنحها قدرة أكبر على البقاء.
الصور في الفيلم تنطق، ولها قدرة عالية على التعبير. من دون تعليق صوتي، نكتشف كيف أن دولة تقدم نفسها باعتبارها كياناً واحداً متجانساً، تخفي داخل حدودها عوالم شديدة الاختلاف في الثقافة والمعتقد والعادات وأنماط الحياة. ويستعيد الفيلم وجوهاً وأماكن وحيوات يومية، لتجعل من اللقطات القديمة شهادة على تنوع كانت السلطة المركزية تسعى إلى صهره.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لوزنيتسا وجد هذا الأرشيف المحفوظ في روما عن طريق الصدفة، مادة تاريخية عثر فيها على فرصة لإعادة النظر في ذلك الكيان الذي اختفى عام 1991، وفي الطريقة التي عاشت بها شعوب متعددة داخل تركيبة سياسية واحدة. ويستحضر المخرج في خلفية مشروعه تجربة دزيغا فيرتوف الشهيرة ”السادس من العالم“، إحدى المحاولات السينمائية الكبرى لرسم صورة الاتحاد السوفياتي. لكن المقاربة بين العملين مختلفة، ففيرتوف نظر إلى الاتحاد السوفياتي من منظار الأيديولوجيا والتجارة والجغرافيا، أما لوزنيتسا فيترك التفاصيل الصغيرة تتكفل بإظهار التناقض بين المركز والأطراف، ذلك أنه كلما ابتعدت الكاميرا من موسكو، ازداد وضوح ما عجزت السلطة عن محوه.