ملخص
الصراع الداخلي قد يكون الأخطر على مستقبل إيران ونظامها، بخاصة أنه قادر في اللحظات الحرجة وفي حال الإحساس بالخطر الشديد على وجوده، أن يعمد إلى إظهار ليونة كبيرة وتقديم تنازلات قاسية، ليس من الصعب تسويغها أيديولوجياً وعقائدياً تحت عنوان الحفاظ على النظام الإسلامي. لكن الخطر الذي قد يفتح الباب أمام صراعات مفتوحة على زعزعة أسس الاستقرار وتهديد مستقبل النظام، هي الصراعات الداخلية نتيجة طموحات كل طرف أو جماعة ترى أنها الأحق في استلام زمام الأمور والأهلية في تولي عملية التصحيح ومسار الخروج من الأزمة.
بالتوازي مع انشغال النظام الإيراني في البحث عن أية نافذة، أو قناة لفتح مسارات جديدة للحوار مع المجتمع الدولي، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية، للهرب من حافة الانهيار أو الغرق في حرب استنزاف طويلة على جميع المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، فإن الداخل الإيراني يعيش حالاً من الانقسام والتجاذب والصراع بين أكثر من اتجاه سياسي، وقد لا يبدو أن هناك احتمالات تقارب بينها في المدى المنظور، طالما أن طبيعة الصراع تعود لطموحات كل جهة للإمساك بمستقبل إيران والعملية السياسية، وقيادة المرحلة المقبلة، سواء في إعادة ترميم العلاقات الخارجية، الدولية أو الإقليمية، فضلاً عن قيادة عملية الإنقاض الداخلية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وعسكرياً.
الصراع الداخلي قد يكون الأخطر على مستقبل إيران ونظامها، بخاصة أنه قادر في اللحظات الحرجة، وفي حال الإحساس بالخطر الشديد على وجوده، أن يعمد إلى إظهار ليونة كبيرة وتقديم تنازلات قاسية، ليس من الصعب تسويغها أيديولوجياً وعقائدياً تحت عنوان الحفاظ على النظام الإسلامي، لكن الخطر الذي قد يفتح الباب أمام صراعات مفتوحة على زعزعة أسس الاستقرار وتهديد مستقبل النظام، هي الصراعات الداخلية نتيجة طموحات كل طرف أو جماعة ترى أنها الأحق في استلام زمام الأمور، والأهلية في تولي عملية التصحيح ومسار الخروج من الأزمة.
منظومة السلطة الجديدة التي تقوم هذه المرة على ثلاثية أساسية، موزعة بين شراكة وجودية وثنائية محورية، تضم المرشد الجديد مجتبى خامنئي مع مؤسسة "حرس الثورة"، بخاصة بعد انتهاء خامنئي من خطوة إعادة تنظيم وتركيب قيادة الحرس، بما يعزز هذه الشراكة ويضمن الانسجام والاتفاق حول الأهداف، في حين تشكل السلطة التنفيذية بقيادة رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، الأداة التنفيذية والعملية والواجهة السياسية والإدارية لهذه الشراكة.
ويبدو أن المرشد الجديد خامنئي الابن أكثر حسماً في مواقفه وقراراته من والده، بخاصة في ما يتعلق بمسألة القضاء أو سد الثغرات التي تسمح للأطراف الأخرى بالنفوذ إلى القرار، أو التأثير فيه أو إرباكه، وقد ظهر ذلك واضحاً من خلال بعض التعيينات ذات الطابع السياسي والإستراتيجي، ولا سيما في اختيار اللواء محسن رضائي لموقع الأمين العام لـ "المجلس الأعلى للأمن القومي" وممثلاً له في هذا المجلس، فهذا الاختيار لم يأتِ من فراغ، بل شكل مؤشراً إلى بداية مسار جديد لإعادة تعريف دور بعض مراكز القرار، ومدى ولائها وانسجامها مع توجهات المرشد الجديد.
وإضافة إلى أهمية وجود رضائي في هذا الموقع، وقدرته على لعب دور محوري في تنظيم العلاقة بين المرشد من جهة، و"مجلس الأمن القومي" والمؤسسات العسكرية والسياسية والاقتصادية والأمنية من جهة أخرى، إلا أنه يصب في سياق قطع كل قنوات النفوذ التي تملكها قيادات لا تخفي مواقفها المعارضة أو المختلفة مع المرشد، إذ يبدو أن المستهدف من هذه الخطوة قطع كل التأثيرات وقنوات النفوذ، التي عمل على تكريسها الرئيس السابق حسن روحاني داخل "مجلس الأمن القومي"، بخاصة أنه شغل المنصب لأكثر من 16 عاماً، إضافة إلى أنه كان على انسجام كبير مع الأشخاص الذين تولوا الموقع من بعده، مثل القويّين، كعلي شمخاني وعلي لاريجاني، أو الضعيفين، كمحمد باقر ذو القدر وعلي أكبر أحمديان، أو سعيد جليلي الذي يُجمع الإصلاحيون وروحاني على وصفه بـ "التخريبي والفاشل."
وإذا ما كان الصراع واضحاً في أهدافه حول أحقية أي طرف يجب أن يتولى قيادة المؤسسات الرسمية في مؤسسات الدولة، ورسم السياسات العامة الاجتماعية والاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، وهو الصراع أو المعركة التي تخوضها الجماعة الراديكالية المتشددة المحسوبة على "التيار المحافظ"، في مواجهة قيادة السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتحديداً مسعود بزشكيان ومحمد باقر قاليباف، ولا تتردد في الدفع لإسقاطهما بكل الوسائل، بغض النظر عن تداعيات مثل هذه الخطوة، مثلما لم تتردد بالتشكيك في قدرة المرشد على اتخاذ القرار، من خلال التشكيك في القرارات التي أصدرها، واتهام "الحرس" و"المجلس الأعلى للأمن القومي" بمحاصرته، ومصادرة قراره.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، هناك صراع آخر بدأ يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً، وهذه المرة يأتي من جهة من المفترض بها، وبناء على موازين الأمور القائمة في هذه المرحلة، أن تكون أكثر انسجاماً واتساقاً مع مواقف المنظومة التي تقود هذه المرحلة الدقيقة، سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً، والى حد ما عسكرياً، إلا أن ما تقوم به من أنشطة وتحركات، وما تعلنه من مواقف، يكشف عن أن خلافها أو صراعها لا يستهدف أو يصوّب على السلطة التنفيذية أو الفريق المفاوض، إلا بالقدر الذي يخدم هدفها الإستراتيجي الذي يضع في دائرته موقع المرشد الأعلى.
وليس مستغرباً أن يكون رئيس الجمهورية السابق، حسن روحاني، على رأس هذا التيار في التوجه، فروحاني لم يتردد خلال رئاسته بين عامي 2013 و2021، من اتخاذ مواقف سياسية وفكرية ودينية على تعارض واضح مع توجهات المرشد السابق علي خامنئي، وهو ما عزز التقديرات بأن طموحات روحاني لا تقف عند حدود السعي إلى الاستقلال بقرارات وقيادة السلطة التنفيذية، والسياسيات الخارجية والدبلوماسية، والتخفيف من قبضة المرشد عليها، بل تتجاوزها أيضاً لتضعه في دائرة الشخصيات الساعية إلى فرض نفسها كخيار لشغل منصب المرشد، في حال حصول فراغ في هذا الموقع، فالمؤشرات توحي إلى أن هذا الطموح لدى روحاني أصبح أكثر وضوحاً بعد تولي مجتبى القيادة خلفاً لوالده، فالظهور المتكرر لروحاني، والحرص على عقد لقاءات دورية مع فريق عمله في رئاسة الجمهورية، والكشف عن مواقف ومحادثات خاصة بينه وبين المرشد السابق ترتبط بالسياسات الإستراتيجية للنظام، يتجاوز إمكان محاولته ممارسة دور "حكومة الظل"، التي سبق أن اتهم روحاني منافسه وخصمه السياسي الراديكالي، سعيد جليلي، بإنشاء "حكومة ظل" لعرقلة حكومته، ليدخل في مواجهة مفتوحة مع منظومة القرار ومؤسسة المرشد الجديد، من خلال التشكيك غير المباشر في قدرة هذه المنظومة على قيادة مرحلة الصراع مع واشنطن، وعجزها عن اتخاذ قرار مصيري وإستراتيجي، بتفضيل خيار السلم والتسوية على خيار الحرب والمواجهة، وأن مستقبل النظام لا يمكن جعله رهينة لعملية انتقام لمقتل المرشد، ملوحاً بصورة مواربة إلى أن المرشد ليس أفضل من الإمام الحسين بن علي، الإمام الثالث للشيعة، عندما اختار ابنه الإمام علي بن الحسين الذهاب إلى تسوية مع الخليفة يزيد بن معاوية، تهدف للحفاظ على الجماعة والأمة من تبعات استمرار الصراع.