ملخص
تنظر دمشق إلى الخطوة التالية في مشوارها بالنسبة إلى "النووي" وترنو إلى مستقبل أفضل لهذا الملف بعد التخلص من إرث الماضي، وهنا أعلن رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية مضر العكلة أن "توفير الوصول الكامل للوكالة إلى المواقع المرتبطة بموقع الكبار في دير الزور حسم القضايا العالقة في هذا الخصوص، والرؤية السورية تقوم على توسيع الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، في إطار دعم التنمية المستدامة وتعزيز الثقة الدولية".
بعد مرور قرابة أكثر من عام ونصف العام على رحيل بشار الأسد عن الحكم ومع وصول قوات المعارضة إلى السلطة، فتحت دمشق أبوابها أمام المجتمع الدولي والفريق الفني لوكالة الطاقة الذرية والمنظمات الأممية للتخلص من إرث البرنامج النووي العائد للحقبة السابقة.
وظلت المواقع السرية النووية طي الكتمان على رغم شهرة موقع "الكبار" وهو مفاعل نووي قيد الإنشاء في دير الزور، قصفته إسرائيل في السادس من سبتمبر (أيلول) عام 2007 بعملية أطلقت عليها "البستان" عقب رصدها لنشاط داخل بناء يشبه إلى حد كبير تصميم المفاعلات النووية، ولم تفصح بعدها دمشق عن نتائج الضربة، في وقت رجحت مصادر إسرائيلية تدمير جزء من المفاعل وسقوط فنيين بينهم مهندسون من كوريا الشمالية.
اليوم يعود الحديث عن مصنع لإنتاج الوقود النووي، وموقع فيه تخزين الوقود المصنع إضافة إلى خردة ونفايات اليورانيوم، وكشفت الحفريات في موقع المفاعل عن وجود بنية تحتية للتبريد، وجاء ذلك الكشف نتيجة أعمال الحفر التي اخترقت لوح الأساس الخرساني، بينما كشف معهد العلوم والأمن الدولي عن المنشأة السرية بموقع "مرج السلطان" في الغوطة الشرقية، بريف دمشق جنوب سوريا، التي ظلت مرتبطة بمفاعل "الكبار" وتمده بإنتاج الوقود النووي، وعثر بداخله على نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي.
هذا الكشف جاء بعد تقرير سري للوكالة الذرية عن موقع "الكبار" في الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري حول ضمانات معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في سوريا وتفاصيل جديدة تتعلق بمشروع المفاعل الذي يعمل بقدرة تقريبية تراوح ما بين 20 و25 ميغاواط والمخصص لإنتاج البلوتونيوم للأسلحة النووية.
وأشار التقرير الذي أورده الموقع الرسمي لمعهد الأمن والعلوم الدولي إلى أن "سوريا صنعت وقود المفاعل النووي في أحد هذه المواقع قبل أعوام، تحت اسم ’مرج السلطان‘".
وأضاف أن "تقرير الوكالة لا يفصل عملية التحويل، لكنه يلفت إلى أن تحويل اليورانيوم وتصنيع الوقود وتغليف المفاعلات جرت في الموقع نفسه، كما لا يحدد التقرير مصادر المعدات والمواد الرئيسة المستخدمة في العمليات المختلفة من الخارج عام 2013، إذ نشر الموقع صوراً لما يزعم أنه داخل بناء تتطابق مع المبنى الذي زاره فريق الوكالة عام 2005 قبل بدء العمليات في مرج السلطان، وتبدو أنها تظهر تركيب معدات تتوافق مع التحويل الكيماوي لمركز خام اليورانيوم إلى رباعي فلوريد اليورانيوم".
الأغراض السلمية
ويجزم الباحث السياسي عمار إسماعيل في حديثه إلى "اندبندنت عربية" بأهمية الكشف عن موقع "مرج السلطان"، ويوضح أن من خلاله "تتمكن سوريا من إحراز تقدم في الملف النووي، وإنهاء الشك الدولي الذي امتد لعقود حول هذا البرنامج السري، في وقت تكسب الحكومة الجديدة نقاطاً لمصلحتها ولمصلحة مزيد من الانفتاح والتعاون الدولي من خلال تقديم المعلومات والوصول إلى المواقع".
ويعتقد بأن الجولات والمواقع التي زارها الفريق الفني للطاقة الذرية وما نتج منها من الكشف عن صلات المفاعل النووي في دير الزور وإتاحته للخبراء بعد أكثر من 18 عاماً وارتباط مواقع عدة به، وعثور الفريق على أطنان من المواد، ستتيح السماح لدمشق بإعادة إنتاج هذه المواد لأغراض سلمية وبإشراف أممي منضبط ومراقبة من قبل المتخصصين الدوليين لدى الطاقة الذرية، إضافة إلى إطلاق عملية تدمير.
وحول أهمية الكشف عن موقع "مرج السلطان" ومدى ارتباطه بموقع "الكبار" في دير الزور، يرى إسماعيل أن الكشف يوحي باتباع دمشق الطريق الصحيحة في التعامل مع الملف النووي، وطي صفحته بصورة نهائية، ويضع سوريا أمام بداية جديدة من التعاون المثمر مع الوكالة الذرية.
وأردف "لا يمكن تصور أن هذا الموقع القريب من العاصمة دارت حوله معارك عدة عامي 2015 و2016 بين جيش النظام السابق وقوات المعارضة السورية في الغوطة، حيث ظلت قرية مرج السلطان من بين المواقع الاستراتيجية لقربها من مطار عسكري، وكانت لسنوات طويلة بمثابة خط دفاعي أول لنظام الأسد لأن البلدة تشكل المدخل الشمالي الشرقي للغوطة الشرقية".
وكانت قوات المعارضة سيطرت عام 2012 على مطار مرج السلطان العسكري الذي يقع على بعد 15 كيلومتراً، شرق دمشق وعاد الجيش النظامي وقتها للموقع، واستحوذ عليه مجدداً في منتصف ديسمبر (كانون الأول) 2015 بعد اشتباكات مع فصائل عدة أبرزها "جيش الإسلام" و"أجناد الشام".
مستقبل أفضل
تنظر دمشق إلى الخطوة التالية في مشوارها بالنسبة إلى "النووي" وترنو إلى مستقبل أفضل لهذا الملف بعد التخلص من إرث الماضي، وهنا أعلن رئيس هيئة الطاقة الذرية السورية مضر العكلة إغلاق ملف عدم الامتثال، وقال في معرض تعليقه أمام ممثلي سفراء الدول الأعضاء لدى وكالة الطاقة الذرية أن "توفير الوصول الكامل للوكالة إلى المواقع المرتبطة بموقع الكبار في دير الزور حسم القضايا العالقة في هذا الخصوص، والرؤية السورية تقوم على توسيع الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية في مجالات الصحة والطاقة والغذاء والمياه، في إطار دعم التنمية المستدامة وتعزيز الثقة الدولية".
وكانت الوكالة الذرية زارت في الـ17 من يوليو (تموز) الماضي أحد المواقع المرتبطة بنشاط نووي وتبين لها احتواء الموقع على معدن يورانيوم طبيعي في صورة قضبان وقود مغلفة، وبعد التحقق من المواد تبين وجود 73 طناً من المادة ذاتها (اليورانيوم).
حظر الأسلحة الكيماوية
وتحدثت الممثلة السامية للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو عن مواصلة التشاور مع دمشق بخصوص بقايا برنامج الأسلحة الكيماوية وحول تطبيق القرار الأممي رقم 2118 في شأن القضاء على برنامج الأسلحة الكيماوية السوري الذي طورته الحكومة السابقة، وأضافت خلال إحاطة لها في جلسة مجلس الأمن أن الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية والحكومة السورية الجديدة حاولتا معالجة القضايا العالقة المثيرة للقلق والمتعلقة بكميات كبيرة محتملة من عوامل الحرب والذخائر الكيماوية غير المعلنة أو التي لم يجرِ التحقق منها.
وذكرت المسؤولة الأممية أن الفريق الفني زار مواقع مهمة وأجرى مقابلات وجمع كثيراً من العينات بتعاون كامل مع الحكومة السورية التي حشدت موارد كبيرة لتسهيل ودعم عمليات نشر منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.
في المقابل يُنظر إلى التعاون الحاصل بين دمشق والوكالة الذرية على أنه بادرة لإظهار "حسن النوايا" أو إشارات يطلقها العهد الجديد في سوريا أمام كل المخاوف التي لا تزال عالقة تجاه الحكام الجدد وخلفياتهم المتشددة، ولا سيما ذرائع تل أبيب التي دفعت نحو احتلال قواتها المسلحة أجزاء من جنوب سوريا ومن بينها قمم جبل الشيخ الاستراتيجية.
النووي والأيادي الخطأ
تعتبر حكومة دمشق الجديدة هذا التعاون تحولاً سياسياً عميقاً في التعاطي السوري، ويرى السفير السوري إبراهيم العلبي خلال إحاطة له أمام مجلس الأمن الدولي أن بلاده تعمل على حماية الشعب السوري من وقوع أية مخلفات لهذه الأسلحة في الأيادي الخاطئة، لكنها بهذا العمل تحمي العالم والإقليم أيضاً، فكل موقع يتم تأمينه وكل ذخيرة يتم تحديدها يضيقان مساحة التهديد على العالم كله.
وأضاف "تعمل سوريا نيابة عن المنظومة الدولية لعقد المحاكمات الأولى في التاريخ لمستخدمي الأسلحة الكيماوية، مما يكرس مبدأ مكافحة الإفلات من العقاب كركيزة أساسية لضمان عدم تكرار وقوع أية حوادث أخرى في العالم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشدد العلبي على أهمية استقرار سوريا، محذراً من أن ما تتعرض له من اعتداءات إسرائيلية متواصلة، يعرقل نجاح المهمة وتصبح معه عمليات البحث والتدمير مستحيلة، كما اعتبر أن هذه التصرفات لا تمس أمن سوريا فقط، بل تؤدي إلى أخطار تتجاوز الحدود السورية لتطاول أمن المنطقة واستقرارها، وقال "لا نستطيع صون أمن المنطقة، وأمننا يتعرض للخطر من إسرائيل".
وكان مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية قام بزيارة لدمشق ليومين متتالين في الـ17 من أغسطس (آب) الماضي شملت جولات على مواقع محددة في دير الزور شرق البلاد، وزار موقعاً ثابتاً متصلاً بالمواد النووية التي اكتشفتها سوريا أخيراً واطلع على أعمال حفر فيه وعاين معالم ذات صلة بتقييم الوكالة للأنشطة المتصلة بالمجال النووي التي كانت تجري فيه سابقاً.
واتفقت سوريا والوكالة على تنفيذ خطوات من شأنها معالجة مسائل الضمانات العالقة الناشئة عن أنشطة جرت خلال عهد النظام السابق، مع التفاهم على توسيع التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للعلوم والتكنولوجيا النووية دعماً لأولويات التنمية الوطنية في بلد عاش حرباً لـ14 عاماً، وانتهى الصراع الداخلي بعد سقوط نظام بشار الأسد وهربه إلى روسيا في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 في حين ظل إرث السلاح الكيماوي حاضراً.