ملخص
تستعد أستراليا لإعادة صياغة عقيدتها العسكرية مستفيدة من دروس حروب أوكرانيا والشرق الأوسط، بعدما كشفت ساحات القتال الحديثة أن التفوق التكنولوجي والأسلحة المتطورة وحدهما لا يكفيان للصمود في نزاعات طويلة ومعقدة. ويركز خبراء على تعزيز إنتاج المسيرات منخفضة الكلفة والصناعة الدفاعية المحلية والقيادة اللامركزية وحماية الممرات البحرية، بما يمنح بلداً بحجم قارة قدرة أكبر على مواجهة حروب المستقبل بموارد محدودة.
تستعد أستراليا لإعادة النظر في الطريقة التي يمكن أن تخوض بها حروب المستقبل، وسط قناعة متزايدة لدى خبراء عسكريين وأمنيين بأن التفوق التكنولوجي وامتلاك الأسلحة المتطورة لم يعودا وحدهما كافيين لضمان القدرة على الصمود في نزاعات طويلة ومعقدة.
وتدفع الحروب الأخيرة في أوكرانيا والشرق الأوسط باحثين أستراليين إلى دراسة طبيعة التحولات التي طرأت على ساحات القتال، من الانتشار الواسع للطائرات المسيرة منخفضة الكلفة إلى أهمية الإنتاج العسكري المحلي والقيادة اللامركزية، مروراً بحماية الممرات البحرية والبنية التحتية وسلاسل الإمداد.
وبالنسبة إلى أستراليا، التي تمتد على مساحة جغرافية هائلة ولديها مداخل بحرية واسعة وقواعد ومنشآت حيوية متباعدة، يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة، إذ يطرح سؤالاً أساساً: كيف يمكن حماية بلد بحجم قارة بموارد عسكرية محدودة نسبياً في مواجهة تهديدات قد تكون أقل كلفة وأكثر عدداً؟
ويعتقد خبراء أن ما يتبلور في ساحات القتال ليس مجرد تحول تكنولوجي في القدرات العسكرية، وإنما تغيير هيكلي يعيد الاعتبار إلى الكلفة والحجم والقدرة الصناعية المحلية باعتبارها عوامل تحدد مدى فاعلية الجيوش وقدرتها على مواصلة القتال.
وفي هذا السياق، تبرز تجربتا أوكرانيا والحرب مع إيران باعتبارهما حالتين يدرسهما متخصصون أستراليون لاستخلاص ما يمكن تطبيقه على ظروف بلادهم، مع تأكيد اختلاف البيئة السياسية والعسكرية الأسترالية جذرياً، وضرورة الالتزام بالمعايير القانونية والأخلاقية.
بلد بحجم قارة
ضمن مقالة بعنوان "ما يجب أن تتعلمه أستراليا من أوكرانيا حول تكنولوجيا الطائرات المسيرة ومستقبل الحروب"، نشرت في الـ15 من أبريل (نيسان) 2026، طرح الأستاذ الزائر لدى كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة نيو ساوث ويلز كلايف ويليامز سؤالاً مباشراً حول أهمية التعلم من الحرب الأوكرانية بالنسبة إلى أستراليا.
وقال ويليامز إنه "مع كشف أستراليا عن استراتيجيتها الدفاعية المقبلة، يجب عليها التركيز على كيفية حماية مساحات شاسعة بموارد محدودة".
وتملك أستراليا حالياً قدرات متطورة في مجال الطائرات المسيرة تركز على أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISTAR)، بما في ذلك طائرات "Shadow" و"Triton" المسيرة، كما تتجه بصورة متزايدة نحو استخدام الطائرات المسيرة التكتيكية منخفضة الكلفة.
لكن ويليامز يشير إلى ثغرة يرى أنها مهمة في الاستعداد الأسترالي، إذ تفتقر البلاد، مقارنة بأوكرانيا، إلى إنتاج محلي واسع النطاق للطائرات المسيرة، ولا تمتلك فرعاً متخصصاً في أنظمة الطائرات المسيرة.
وتكشف هذه المقارنة إحدى المعضلات التي تواجه الجيوش المتقدمة، إذ لم تعد المسألة مرتبطة بامتلاك المنظومات الأكثر تطوراً فقط، وإنما أيضاً بالقدرة على إنتاج أعداد كبيرة من الأنظمة الأقل كلفة وتعويض ما يفقد منها خلال نزاع طويل.
دروس الشرق الأوسط
وبالتوازي مع دراسة التجربة الأوكرانية، ينظر خبراء أستراليون إلى الحروب الأخيرة في الشرق الأوسط بحثاً عن دروس تتعلق بالردع واللامركزية والقدرة على الاستمرار في القتال في مواجهة خصم يتفوق تكنولوجياً.
ومن بين هؤلاء أستاذ الدراسات الدولية والسياسية في جامعة نيو ساوث ويلز ديفيد كيلكولين، وهو جندي ودبلوماسي سابق وباحث في حرب العصابات والإرهاب.
ويشدد كيلكولين منذ البداية على الفارق الكبير بين أستراليا وإيران، قائلاً إن "دولة مثل أستراليا تختلف اختلافاً كبيراً عن إيران، والحرب فيها ليست وشيكة. لكن هذا لا يعني أنها لا تستطيع الاستفادة من تجربة إيران، إضافة إلى تجربة أوكرانيا".
وبحسب الباحث، لا يتعلق الأمر بنقل النموذج الإيراني إلى أستراليا، وإنما بفهم التغيرات التي طرأت على طبيعة الحرب، وكيف تستطيع قوة متوسطة الاستعداد بصورة أفضل للدفاع عن نفسها.
وطرح كيلكولين في مقالة نشرت في الـ23 من يونيو (حزيران) 2026 سؤالاً حول ما يمكن أن تستخلصه أستراليا من مواجهة خاضتها إيران مع الجيش الأميركي، في ظل التفاوت الكبير في القدرات العسكرية والتكنولوجية.
وأشار إلى أن المواجهة لم تنته بحسم عسكري نهائي بعد حرب دامت قرابة أربعة أشهر، مع استمرار الهجمات في المنطقة على رغم ما تكبدته إيران من كلفة عسكرية واقتصادية.
ومن هذه التجربة، حدد كيلكولين مجموعة من القضايا التي تستحق الدراسة أسترالياً، من بينها "الردع غير التقليدي، ومواصلة الدفاع حتى أثناء الحرب، وتهديد ما يحتاج إليه عدوك".
لكنه يضع فاصلاً واضحاً بين دراسة بعض الأساليب العسكرية وتبني ممارسات الجماعات المسلحة، مؤكداً أن "أستراليا لن تدعم الإرهاب أبداً"، وأن أي استراتيجية ردع غير تقليدية يجب أن تلتزم المعايير الأخلاقية والقانونية.
الردع لا ينتهي ببدء الحرب
إحدى الأفكار التي يركز عليها النقاش الأسترالي هي إعادة النظر في المفهوم التقليدي للردع.
فالافتراض التقليدي يقوم على أن الردع أداة لمنع الحرب، وأن اندلاع القتال يعني بالضرورة فشله. لكن كيلكولين يشير إلى أن محللين عسكريين باتوا يتحدثون بصورة أكبر عن "الردع أثناء الحرب"، أي استمرار محاولة حرمان الخصم من تحقيق أهداف معينة حتى بعد بدء العمليات العسكرية.
وفي الحالة الأسترالية، يعني ذلك بناء قدرة تستطيع الاستمرار في إظهار إمكان منع الخصم من تحقيق أهدافه أو استخدام أسلحة ووسائل معينة حتى خلال الحرب.
وهنا تبرز أهمية امتلاك أدوات متنوعة لا تعتمد فقط على المنظومات التقليدية الباهظة الكلفة.
ويقترح كيلكولين، على سبيل المثال، إمكان استخدام أستراليا قدرات للحرب غير النظامية، مثل فرق إنزال برمائي صغيرة ومجهزة جيداً، إلى جانب الطائرات المسيرة الجوية والبحرية وتحت سطح البحر، للتأثير في حسابات أي خصم محتمل عند التفكير في مهاجمتها.
الممرات البحرية وسلاسل الإمداد
تفرض الجغرافيا الأسترالية بعداً آخر على الاستعداد لحروب المستقبل.
فالبلاد محاطة بمساحات بحرية هائلة وتعتمد على خطوط التجارة والإمداد، مما يجعل حماية المداخل البحرية والقواعد العسكرية الشمالية والبنية التحتية الحيوية جزءاً أساساً من أي استراتيجية دفاعية طويلة المدى.
وفي هذا السياق، يناقش كيلكولين فكرة "تهديد ما يحتاج إليه عدوك"، أي تحديد الموارد أو الممرات أو شبكات الإمداد التي يعتمد عليها الخصم واستخدام القدرة على التأثير فيها ضمن استراتيجية الردع.
وأظهرت الحرب مع إيران مدى حساسية الممرات البحرية عندما تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز للتهديد، وردت الولايات المتحدة وإسرائيل بتصعيد حملاتهما الجوية وفرض حصار مضاد على الموانئ الإيرانية، فيما بدأت سفن حربية أميركية بمرافقة ناقلات النفط عبر المضيق.
ولا تكمن أهمية هذه التجربة بالنسبة إلى أستراليا في استنساخ ما جرى في هرمز، وإنما في إدراك أن خصومها المحتملين يعتمدون بدورهم على مواد خام وممرات بحرية وسلاسل إمداد وموارد مالية وروابط بيانات يمكن أن تدخل ضمن حسابات الردع.
ويكرر كيلكولين في هذا السياق أن أستراليا "ليست إيران"، وأن أي إجراءات من هذا النوع يجب أن تخضع للمعايير القانونية والأخلاقية، ولا يجري التفكير فيها إلا في ظروف قصوى تتعلق بالدفاع عن البلاد.
الجيران جزء من الدفاع
ويمتد التفكير الأسترالي إلى ما وراء القدرات العسكرية المباشرة ليشمل العلاقات الإقليمية.
ويرى كيلكولين أن العلاقات مع الدول المجاورة يمكن أن تتحول إلى مصدر دعم مهم خلال الأزمات والحروب، مستشهداً بالأدوار الدبلوماسية التي لعبتها دول في الشرق الأوسط خلال الحرب مع إيران.
وعلى رغم علاقات طهران المضطربة مع عدد من جيرانها، فإن علاقاتها مع باكستان وعُمان أتاحت للبلدين استضافة مفاوضات لإنهاء الحرب والمساهمة في ضبط النزاع.
أما بالنسبة إلى أستراليا، فيرى كيلكولين أنها "تغفل أحياناً عن جيرانها"، في وقت يمكن أن تتحول فيه العلاقات الإقليمية إلى عنصر مهم في قدرتها على التعامل مع أي أزمة عسكرية واسعة.
قيادة تستمر تحت الضغط
ومن بين الأسئلة التي تفرضها حروب السنوات الأخيرة أيضاً: ماذا يحدث للجيش إذا تعرض مركز قيادته لضربة قاسية في الساعات الأولى للحرب؟
وتقدم الحرب مع إيران مادة لدراسة هذا السؤال، بعدما أدت الضربات الإسرائيلية - الأميركية إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول للحرب.
وعلى رغم الضربة التي تعرض لها مركز النظام، استمرت العمليات العسكرية الإيرانية، من دون أن تتمكن طهران من تسجيل ضربات موجعة.
ويربط الباحثون القدرة على استمرار العمليات جزئياً بما يعرف بالاستراتيجية "الدفاعية الفسيفسائية"، التي أتاحت انتقال السلطة العسكرية إلى 31 قائداً إقليمياً ومنحتهم حرية التعامل مع أهداف كانت محددة قبل الحرب.
ولا تعني دراسة هذا النموذج تبنيه كما هو، لكن بالنسبة إلى أستراليا، التي تتميز بمساحتها الشاسعة وتوزع سكانها وقواعدها ومنشآتها على مناطق متباعدة، تطرح التجربة سؤالاً حول جدوى الاعتماد على هياكل قيادة أكثر لامركزية تستطيع مواصلة العمل إذا تعطلت مراكز القيادة الرئيسة.
درس المسيرات الأوكراني
لكن أوكرانيا تقدم لأستراليا ربما المثال الأكثر مباشرة في مجال التكنولوجيا العسكرية منخفضة الكلفة.
فبعد سنوات من الحرب، أظهرت ساحة القتال الأوكرانية كيف يمكن لأعداد كبيرة من الأنظمة البسيطة نسبياً أن تشكل ضغطاً على منظومات دفاعية أكثر تطوراً وكلفة.
ويرى ويليامز أن هذه المعضلة مهمة بصورة خاصة لأستراليا، بالنظر إلى اتساع مداخلها البحرية وحاجتها إلى حماية قواعدها العسكرية الشمالية وبنيتها التحتية الحيوية.
وتتمثل إحدى القضايا التي يطرحها في احتمال استخدام الخصم أعداداً كبيرة من الأنظمة البسيطة نسبياً بطريقة ترهق الدفاعات الأسترالية.
ومن هنا تبرز الحاجة، وفق الباحث، إلى فهم أفضل لما يعرف بـ"استراتيجيات فرض التكاليف"، التي يستخدم فيها الخصم تقنيات رخيصة نسبياً لإجبار الطرف الآخر على إنفاق مبالغ أكبر بكثير للتصدي لها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الصناعة جزء من القوة العسكرية
لا تنتهي المشكلة عند امتلاك السلاح، بل تمتد إلى القدرة على تعويضه.
وتكشف تجربة أوكرانيا أهمية امتلاك قاعدة صناعية تستطيع إنتاج الأنظمة العسكرية وتجديد المخزونات خلال حرب طويلة، وهو جانب يراه الخبراء مهماً بالنسبة إلى أستراليا.
فأنظمة الدفاع الجوي التقليدية والمتطورة تظل ضرورية، خصوصاً في مواجهة صواريخ "كروز" والصواريخ الباليستية، لكن حروب أوكرانيا والشرق الأوسط أظهرت، وفق هؤلاء الخبراء، أن أستراليا لا تستطيع الاعتماد على تلك المنظومات وحدها.
وتزداد أهمية هذا الأمر مع الانتشار السريع للطائرات المسيرة والأسلحة الأقل كلفة، إذ يمكن أن يصبح العامل الحاسم في حرب استنزاف طويلة ليس فقط مدى تطور السلاح، وإنما أيضاً عدد الوحدات المتاحة وسرعة إنتاج البدائل والذخائر محلياً.
وهنا يعود النقاش إلى التحول الأوسع الذي يراه خبراء في طبيعة الجيوش الحديثة: فحروب المستقبل قد لا تفرض تغييراً تقنياً فحسب، وإنما تحولاً هيكلياً في طريقة تنظيم القوات وتسليحها وقيادتها وإمدادها.
عقيدة لحروب مختلفة
بالنسبة إلى أستراليا، لا تقدم أوكرانيا أو إيران نموذجاً جاهزاً يمكن نقله إلى قواتها المسلحة، كما تختلف التهديدات والأنظمة السياسية والبيئات الجغرافية والقانونية اختلافاً جذرياً.
لكن ساحات القتال تلك تضع أمام المخططين العسكريين مجموعة من الأسئلة التي يصعب تجاهلها: هل تستطيع الجيوش المتطورة تحمل كلفة حرب طويلة ضد أعداد هائلة من الأسلحة الرخيصة؟ وهل تمتلك قاعدة صناعية قادرة على تعويض خسائرها؟ وهل تستطيع منظومة القيادة الاستمرار إذا تعرض مركزها لضربة؟ وكيف تحمي بلداً شاسعاً وممراته البحرية وبنيته التحتية بموارد محدودة؟
وتدفع الإجابات عن هذه الأسئلة خبراء أستراليين إلى المطالبة بعقيدة دفاعية تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والأنظمة منخفضة الكلفة، وبين القيادة المركزية والقدرة على العمل بصورة لامركزية، وبين الردع العسكري والقدرة الصناعية والعلاقات الإقليمية.
فالدرس الذي تستخلصه أستراليا من الحروب الأخيرة لا يتعلق بمن انتصر فيها بقدر ما يتعلق بما كشفته من تغير في قواعد الحرب نفسها، وما يتطلبه ذلك من دولة متقدمة تستعد لنزاعات قد تختلف جذرياً عن الحروب التي بنت قواتها المسلحة لمواجهتها.