Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بالأرقام... كم تخسر إيران بسبب الحصار والعقوبات الأميركية؟

الخناق يشتد وسط تبخر المليارات والبلاد تدخل في مرحلة حرجة

تظهر المؤشرات المتاحة أن البتروكيماويات تعرضت لضربة أشد (غيتي)

ملخص

نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر إيرانية وإقليمية أن الحصار والعقوبات الجديدة يقيدان الوصول إلى العملات الأجنبية، ويرفعان كلفة استيراد السلع والمواد الخام، ويضعان ضغوطاً متزايدة على احتياطات الدولة. 

دخلت إيران مرحلة اقتصادية شديدة الحساسية مع تشديد الولايات المتحدة حصارها البحري على الصادرات الإيرانية، وتوالي حزم العقوبات التي تعلنها وزارة الخزانة الأميركية بقيادة الوزير سكوت بيسنت.

وبينما تواصل طهران التعامل مع آثار المواجهة العسكرية والضربات التي أصابت منشآت إنتاجية وبنى تحتية وشبكات نقل، تتسع جبهة موازية لا تقل خطورة تتمثل في تراجع الإيرادات النفطية وغير النفطية، وتعطل قنوات التمويل والتجارة، وانخفاض الإنتاج المحلي، وتسارع التضخم واتساع الفقر.

وتكشف المؤشرات المتاحة عن أن الأزمة لم تعد مقتصرة على خسارة بعض الشحنات النفطية أو صعوبة إجراء تحويلات مصرفية دولية، بل بدأت تتحول إلى ضغط متكامل يطاول مالية الدولة والمصانع والأسواق والأسر في وقت واحد.

وتراهن واشنطن على أن الجمع بين القوة العسكرية والحصار البحري والعقوبات الثانوية سيغلق المنافذ التي استخدمتها إيران لعقود للالتفاف على القيود، فيما يحاول النظام الإيراني إظهار قدرته على الصمود والاعتماد على الاحتياطات والمسارات البرية وشبكات الوساطة غير الرسمية.

أقر مسؤولون إيرانيون بأن التجارة الخارجية انخفضت بما يراوح ما بين 25 و35 في المئة، بينما باتت واردات الوقود والقمح وبعض السلع الأساس مصدر قلق متزايد

لكن بيانات تتبع الناقلات والتجارة الخارجية والإنتاج الصناعي والأسعار تشير إلى أن قدرة النظام على امتصاص الصدمة أصبحت أضعف، فقد نقلت وكالة "رويترز" عن مصادر إيرانية وإقليمية أن الحصار والعقوبات الجديدة يقيدان الوصول إلى العملات الأجنبية، ويرفعان كلفة استيراد السلع والمواد الخام، ويضعان ضغوطاً متزايدة على احتياطات الدولة. 

وأقر مسؤولون إيرانيون بأن التجارة الخارجية انخفضت بما يراوح ما بين 25 و35 في المئة، بينما باتت واردات الوقود والقمح وبعض السلع الأساس مصدر قلق متزايد.

صادرات النفط: خسارة تصل إلى 150 مليون دولار يومياً

يمثل النفط القناة الأسرع التي انتقلت عبرها آثار الحصار إلى المالية الإيرانية، فوفق تقرير لـ"رويترز" نُشر في الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري، انخفضت تحميلات النفط الخام والمكثفات الإيرانية من نحو مليوني برميل يومياً في مارس (آذار) إلى ما بين 220 ألفاً و255 ألف برميل يومياً في أغسطس (آب) الماضيين.

وذكرت الوكالة، استناداً إلى تقديرات شركتي "كبلر" و"فورتيكسا" وموقع "تانكر تراكرز"، أن إيران أمضت نحو سبعة أسابيع من دون تصدير كميات ذات شأن من النفط الخام عبر مضيق هرمز.

وبذلك تكون إيران فقدت القدرة على تصدير نحو 1.75 مليون برميل يومياً مقارنة بمستوى مارس الماضي. وإذا احتسبت الكميات المفقودة على أساس متوسط يقارب 85 دولاراً لبرميل "برنت"، فإن قيمة الإيرادات النفطية الإجمالية المحتملة التي لم تتحقق تصل إلى نحو 149 مليون دولار يومياً. لكن النفط الإيراني يُباع عادة بخصم، كما أن طهران واصلت بيع جزء من النفط المخزن على ناقلات في آسيا، ولذلك يبدو نطاق 130 إلى 150 مليون دولار يومياً تقديراً أكثر تحفظاً لخسارة الإيرادات المحتملة.

ويعادل ذلك نحو 900 مليون إلى مليار دولار أسبوعياً، أو 4 إلى 4.5 مليار دولار شهرياً إذا استمر مستوى التعطل نفسه، ومنذ إعادة فرض الحصار في الـ14 من يوليو (تموز) الماضي حتى مطلع سبتمبر الجاري، يمكن أن تكون قيمة الإيرادات النفطية المحتملة المفقودة قد بلغت 7 إلى 8 مليارات دولار، مع التأكيد أن هذا حساب تقريبي للإيرادات الإجمالية وليس صافي الخسائر بعد خصم كلفة الإنتاج والنقل.

ويشير تقرير "رويترز" إلى أن الحصار لا يغطي الساحل الإيراني بأكمله، لكنه يعمل عند نقطة جغرافية شديدة الفاعلية بين خليج عمان وبحر العرب، حيث تدقق السفن الأميركية في الناقلات المغادرة من الموانئ الإيرانية أو المتجهة إليها. 

وتواجه الناقلات الفارغة الموجودة خارج منطقة الحصار صعوبة في العودة إلى الموانئ الإيرانية، في حين تتراكم عشرات الملايين من البراميل على سفن داخل المضيق أو في مناطق التخزين العائم.

وتكمن أهمية هذه الخسارة في أن النفط ليس مجرد سلعة تصديرية، بل أحد أهم مصادر العملة الصعبة وتمويل الإنفاق العام. وكل انخفاض في عائداته يحد من قدرة البنك المركزي على توفير الدولار وتمويل الواردات ودعم العملة. ولهذا حذر محللون تحدثوا إلى "رويترز" من أن استمرار تراجع الإيرادات قد يدفع الحكومة إلى زيادة التمويل النقدي وطباعة مزيد من الأموال، بما يؤدي إلى موجة تضخمية أشد.

الصادرات غير النفطية: نحو 40 إلى 45 مليون دولار مفقودة يومياً

لم تقتصر الخسائر على الخام، فقد أفاد تحليل نشرته "إيران إنترناشيونال" في الـ31 من أغسطس الماضي، بالاستناد إلى بيانات الجمارك، بأن إيران صدرت نحو 15 مليار دولار من السلع المصنفة رسمياً ضمن الصادرات غير النفطية حتى الـ16 من أغسطس الماضي، أي خلال قرابة خمسة أشهر من السنة الإيرانية، وكان هذا الرقم أقل بنحو 30 في المئة من الفترة المقابلة من العام السابق.

وباحتساب قيمة صادرات الفترة السابقة عند نحو 21.4 مليار دولار، يكون الفرق قرابة 6.4 مليار دولار خلال نحو 149 يوماً، بما يعادل في المتوسط نحو 43 مليون دولار يومياً من الإيرادات التصديرية غير النفطية المفقودة، ويسمح ذلك بوضع نطاق تقريبي يراوح ما بين 40 و45 مليون دولار يومياً.

لكن وصف هذه التجارة بأنها "غير نفطية" يحتاج إلى توضيح، لأن التصنيف الجمركي الإيراني يشمل الغاز الطبيعي والغاز المسال والبتروكيماويات وأحياناً بعض المشتقات النفطية. لذلك فإن الرقم لا يعكس فقط صادرات الصناعات التحويلية أو الزراعة، كما لا يمكن فصله تماماً عن قطاع الطاقة.

وبحسب "إيران إنترناشيونال"، بلغت قيمة الصادرات غير النفطية الإيرانية في العام المالي السابق نحو 45 مليار دولار، كانت حصة البتروكيماويات والصلب منها قرابة 17 مليار دولار، أو 37 في المئة، وهذا يجعل أي تعطل في هذين القطاعين ذا تأثير مباشر في إمدادات العملة الأجنبية والميزان التجاري وفرص العمل.

وبجمع التقدير النفطي، البالغ 130 إلى 150 مليون دولار يومياً، مع انخفاض إيرادات الصادرات غير النفطية، البالغ 40 إلى 45 مليون دولار، يمكن القول إن إيران تخسر أو لا تحقق إيرادات تصديرية محتملة تراوح ما بين 170 و195 مليون دولار يومياً.

غير أن هذا الرقم لا يساوي الخسارة الصافية الكاملة للاقتصاد، كما لا يشمل كلفة التأخير والتأمين والتخزين والوساطة وإعادة توجيه التجارة.

ونقلت "رويترز" في الثالث من سبتمبر الجاري عن ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة أن الحملة الأميركية الجديدة جعلت الوصول إلى شبكات التمويل الدولية أكثر صعوبة، وأن الوسطاء إما ينسحبون وإما يطلبون أسعاراً أعلى. وقال تاجر إيراني للوكالة إن المورد بات يطلب الدفع نقداً، وإن الصفقة تمر عبر دولة إضافية وتصل الشحنة متأخرة وبسعر أعلى.

وتكمن الخطورة الحالية في التراكم، فالعقوبات المالية تضيق قنوات الدفع، والعقوبات الثانوية تخيف المشترين والوسطاء، والحصار يمنع الحركة المادية للسفن، بينما ترفع الضربات العسكرية كلفة إعادة بناء المنشآت. وقد تتمكن إيران من استبدال ناقلة أو تأسيس شركة واجهة جديدة، لكنها تواجه صعوبة أكبر عندما تستهدف الناقلة ومالكها وشركة التأمين والبنك والمشتري في وقت واحد.

خسائر الإنتاج المحلي

يدل مسار الناتج المحلي على أن الضرر لم يعد محصوراً في التجارة الخارجية، فوفق أحدث صفحة بيانات خاصة بإيران لدى صندوق النقد الدولي، يتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 في المئة خلال العام الحالي، مع بلوغ متوسط تضخم أسعار المستهلكين 68.9 في المئة.

وكان تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" الصادر في أبريل (نيسان) الماضي أكثر تشاؤماً، إذ توقع انكماشاً بنسبة 6.1 في المئة، قبل أن يعدل الصندوق الرقم قليلاً في تحديث يوليو الماضي.

وإذا قدر الحجم الاسمي للاقتصاد الإيراني بنحو 300 إلى 320 مليار دولار، فإن انكماشاً حقيقياً بنسبة 5.4 في المئة يعادل، على سبيل التقريب، انخفاضاً سنوياً في النشاط والقيمة المضافة يراوح ما بين 16 و17 مليار دولار، أو 44 إلى 47 مليون دولار في المتوسط اليومي. وإذا أجريت المقارنة مع المسار الذي كان متوقعاً قبل الحرب، حين كان من المفترض تسجيل نمو محدود بدلاً من الانكماش، فقد تصل الفجوة إلى نحو 20 مليار دولار سنوياً، أي نحو 55 مليون دولار يومياً.

لكن لا يجوز إضافة هذا الرقم مباشرة إلى خسائر الصادرات، لأن الناتج المحلي يتضمن جزءاً من الإنتاج النفطي والصناعي الذي ظهر أيضاً في حساب الإيرادات التصديرية المفقودة. والجمع المباشر بين الرقمين يؤدي إلى احتساب جزء من الخسارة مرتين، والأدق النظر إلى رقم الصادرات بوصفه خسارة في الإيرادات الخارجية، وإلى الناتج المحلي بوصفه مقياساً أوسع لتراجع قيمة السلع والخدمات المنتجة داخل البلاد.

وتظهر بيانات فصل الشتاء السابق أن الناتج المحلي انكمش بنسبة 4.9 في المئة مع احتساب النفط، وبنحو أربعة في المئة عند استبعاده، وفق أرقام نقلها تحليل اقتصادي استند إلى بيانات إيرانية، وهذه المقارنة مهمة لأنها تثبت أن الركود لا يقتصر على صادرات الخام، بل يمتد إلى الصناعة والبناء والخدمات والاستهلاك.

الصلب: خروج ربع القدرة الإنتاجية تقريباً

نشرت "رويترز" في الـ27 من أبريل الماضي تقريراً يفيد بأن نحو 10 ملايين طن من الطاقة الإنتاجية السنوية للصلب الإيراني خرجت من الخدمة بعد تضرر منشآت رئيسة، وهو ما يمثل ما بين 25 و30 في المئة من إجمال إنتاج البلاد. وشملت الأضرار شركتي "فولاد مباركة" و"فولاد خوزستان"، بينما أشارت تقديرات إيرانية إلى أن إعادة تشغيل بعض المنشآت قد تستغرق ما بين 6 و12 شهراً.

وأوقفت السلطات تصدير ألواح وصفائح الصلب لفترة بهدف توفير الإنتاج المتبقي للسوق المحلية، لكن هذا الإجراء على رغم أنه قد يخفف النقص الداخلي موقتاً، يحرم البلاد من إيرادات تصديرية ويهدد حصتها في الأسواق الخارجية.

وأظهرت بيانات الشركات، التي تناولها تقرير لمؤسسة "ميدل إيست فوروم" مستنداً إلى إفصاحات إيرانية، أن إنتاج "فولاد مباركة" انخفض بنحو 67 في المئة خلال شهر، بينما تراجع إنتاج "فولاد خوزستان" 76 في المئة. وانخفض إنتاج "ذوب آهن أصفهان" 46 في المئة على رغم عدم استهدافها مباشرة، بسبب اضطراب الطاقة والنقل وسلاسل التوريد.

وإذا احتسبت 10 ملايين طن من القدرة المتعطلة بسعر تقريبي بين 450 و550 دولاراً للطن، فإن قيمة الإنتاج الإجمالية المعرضة للخطر قد تراوح ما بين 4.5 و5.5 مليار مليار دولار سنوياً، أو 12 إلى 15 مليون دولار يومياً. وهذا تقدير لقيمة المبيعات المحتملة وليس صافي الربح، لكنه يوضح حجم الصدمة التي تنتقل من مصانع الصلب إلى البناء وصناعة السيارات والبنية التحتية والعمالة.

البتروكيماويات: انخفاضات تصل إلى أكثر من 90 في المئة

تظهر المؤشرات المتاحة أن البتروكيماويات تعرضت لضربة أشد، وبحسب بيانات شركة صناعات البتروكيماويات الإيرانية، التي تمثل نحو 38 في المئة من إجمال إنتاج البتروكيماويات داخل إيران، أنتجت ستة مجمعات كبرى تعرضت للاستهداف نحو 410 آلاف طن فقط خلال مارس وأبريل الماضيين، بما يعادل 13 في المئة من إنتاج الفترة نفسها من العام السابق. ويعني ذلك انخفاضاً يقارب 87 في المئة.

وتراجع إنتاج "بتروكيماويات برديس"، وهي من أكبر الشركات المدرجة في بورصة طهران من حيث الطاقة الإنتاجية، بنحو 93 في المئة خلال شهر، فيما توقفت عمليات "بتروكيماويات جم" بصورة شبه كاملة. وينتج من ذلك أثر مزدوج، خسارة إيرادات التصدير وحرمان المصانع المحلية من البوليمرات والأسمدة والمواد الداخلة في التعبئة والتغليف والصناعات الدوائية والغذائية.

وكان قطاع البتروكيماويات يحقق في الظروف العادية نحو 14 مليار دولار من الإيرادات التصديرية كل عام. وإذا افترض انخفاض إنتاج القطاع كله بنسبة 50 في المئة لفترة ممتدة، فإن قيمة الإنتاج أو المبيعات المعرضة للخطر قد تبلغ 7 مليارات دولار سنوياً أو نحو 19 مليون دولار يومياً. لكن هذا السيناريو تقريبي، لأن إيران لم تنشر بعد بيانات موحدة ومدققة تشمل جميع مجمعات القطاع.

انتقال الصدمة إلى السوق الداخلية

في قطاع السيارات، تشير بيانات أكبر شركتين إلى انخفاض إنتاج "إيران خودرو" بنسبة 16 في المئة، وتراجع إنتاج "سايبا" بنسبة 58 في المئة خلال شهر. وبلغ مجموع إنتاجهما نحو 57 ألف سيارة، مقارنة بـ82 ألفاً في الشهر المقابل من العام السابق، أي نقص يقارب 25 ألف سيارة أو 30 في المئة.

وإذا قدرت قيمة السيارة الواحدة بصورة تحفظية بما بين 8 آلاف و12 ألف دولار، فإن قيمة الإنتاج الشهري المفقود قد تراوح ما بين 200 و300 مليون دولار، أو ما يعادل 7 إلى 10 ملايين دولار يومياً. ومرة أخرى، يتعلق الأمر بقيمة إنتاج إجمالية لا بصافي الأرباح.

ويمتد الأثر إلى سوق العمل، إذ أفادت "رويترز" بأن عدد المشتغلين في إيران انخفض بنحو 450 ألف شخص مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 في المئة خلال الربيع، وانخفضت المشاركة في سوق العمل، وهو ما يعني أن الأرقام الرسمية قد لا ترصد كل من فقدوا أعمالهم وتوقفوا عن البحث عن وظيفة.

4 من كل 10 إيرانيين في عداد الفقراء

تكشف تقديرات البنك الدولي عن حجم انتقال الأزمة إلى الأسر، ففي موجز الفقر والإنصاف الخاص بإيران، استخدم البنك خط الفقر المعتمد للدول ذات الدخل المتوسط الأعلى، والبالغ 8.30 دولار يومياً وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2021. وبحسب التقديرات، ارتفعت نسبة السكان تحت هذا الخط من 33.2 في المئة عام 2024 إلى 35.4 في المئة عام 2025، ويتوقع أن تصل إلى 38.8 في المئة خلال عام 2026.

وبالاستناد إلى عدد سكان يقارب 88 مليون نسمة، يعني ذلك ارتفاع عدد الفقراء من نحو 29.2 مليون شخص عام 2024 إلى 31.1 مليوناً عام 2025، ثم إلى نحو 34.1 مليون شخص عام 2026، أي إن نحو 3 ملايين شخص إضافي قد يدخلون دائرة الفقر خلال عام واحد، ونحو 5 ملايين مقارنة بعام 2024.

يُذكر أن هذه الأرقام تستخدم خط فقر دولياً للمقارنة ولا تطابق بالضرورة خط الفقر الوطني الإيراني، كما أنها تقديرات وليست نتيجة مسح شامل أُجري بعد الحصار. لذلك، لا يمكن القول إن الحصار وحده دفع 3 ملايين شخص إلى الفقر، لكن المؤشرات تدل بوضوح على أنه سرع اتجاهاً قائماً عبر خفض الدخل وفرص العمل وزيادة كلفة الغذاء والسكن والدواء.

التضخم: من 50.9 إلى 68.9 في المئة

وفق جدول صندوق النقد الدولي الصادر في أبريل الماضي، بلغ متوسط التضخم في إيران 50.9 في المئة خلال عام 2025، ويتوقع أن يصل إلى 68.9 في المئة عام 2026. وهذا يعني ارتفاعاً بمقدار 18 نقطة مئوية، أو زيادة نسبية تقارب 35 في المئة في معدل التضخم نفسه.

أما البيانات الشهرية الإيرانية التي نقلتها "رويترز" فترسم صورة أشد قسوة، فقد بلغ متوسط التضخم خلال 12 شهراً نحو 69.9 في المئة، بينما كانت أسعار المستهلكين في يوليو الماضي أعلى بنحو 87.9 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، ووصل تضخم الغذاء إلى نحو 128 في المئة.

ولا تمثل هذه الأرقام ثلاثة قياسات متناقضة، فمتوسط التضخم السنوي يقارن متوسط الأسعار خلال 12 شهراً بمتوسط الفترة السابقة، في حين يقيس التضخم على أساس سنوي سعر شهر محدد مقارنة بالشهر نفسه قبل عام، أما تضخم الغذاء فيرصد فئة السلع الأكثر حساسية بالنسبة للأسر.

ويعني تضخم غذائي بنسبة 128 في المئة أن سلة كانت تكلف مليون تومان قبل عام أصبحت تكلف في المتوسط نحو مليونين و280 ألف تومان. وكان تضخم الغذاء بلغ نحو 105 في المئة في فبراير (شباط) الماضي، قبل اندلاع الحرب مباشرة، ثم ارتفع إلى نحو 128 في المئة في يوليو الماضي، أي بزيادة 23 نقطة مئوية. وهذا يبين أن إيران دخلت الأزمة وهي تعاني أصلاً تضخماً مرتفعاً، لكن الحرب والحصار والعقوبات فاقمت الارتفاع.

ويرتبط جزء من ضغط الأسعار بتعطل الواردات، فإيران تحتاج إلى كميات كبيرة من القمح والذرة وفول الصويا والزيوت والأعلاف والأدوية والمواد الصناعية. وعندما تتوقف السفن أو ترتفع أسعار التأمين أو تتحول التجارة إلى مسارات برية أطول، تنتقل الكلفة إلى المستورد ثم إلى المنتج والمتجر والمستهلك. وأشارت تقارير إلى أن كلفة نقل البضائع براً من الصين قد تبلغ أربعة أمثال كلفة نقلها بحراً.

الريال والأجور: اتساع فجوة المعيشة

تكشف حركة العملة عن أثر فوري للعقوبات وتوقعات الأسواق. ووفق "رويترز"، ارتفع سعر الدولار في السوق الحرة من نحو مليون ريال قبل عام إلى أكثر من 2.2 مليون ريال، مما يعني أن سعر الدولار ارتفع 120 في المئة، بينما فقد الريال الإيراني قرابة 55 في المئة من قيمته الخارجية.

وبالمقارنة مع ديسمبر (كانون الأول) 2025، عندما اقترب سعر الدولار من 1.25 مليون ريال، يكون الدولار قد ارتفع بنحو 76 في المئة، فيما انخفضت قيمة الريال بنحو 43 في المئة. وهذه الخسارة لا تبقى محصورة في سوق الصرف، بل تظهر سريعاً في أسعار الدواء وقطع الغيار والمواد الغذائية المستوردة والآلات ومدخلات الزراعة والسلع المنزلية.

ونقلت "رويترز" أرقاماً رسمية تفيد بأن متوسط الدخل الشهري يعادل نحو 125 دولاراً، بينما تبلغ الحاجات الأساس للأسرة نحو 450 دولاراً. وبهذا لا يغطي متوسط الراتب سوى 28 في المئة تقريباً من النفقات الأساس، مع فجوة تقارب 325 دولاراً شهرياً، ويشرح ذلك كيف أصبح العمل بحد ذاته غير كافٍ للخروج من الفقر، ولماذا اضطرت أسر إلى تقليل استهلاك اللحوم والدجاج، وتأجيل العلاج، والعمل في أكثر من وظيفة أو استخدام مدخراتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وارتفعت الإيجارات، وفق بيانات مركز الإحصاء الإيراني التي نقلتها "رويترز"، بنحو 31 في المئة على أساس سنوي في مارس الماضي، بينما أشارت وسائل إعلام محلية إلى ارتفاع أسعار المساكن في طهران بنحو 50 في المئة. ويؤدي الجمع بين تضخم الغذاء والإيجار وانهيار العملة وفقدان الوظائف إلى تقليص الطبقة الوسطى ودفع مزيد من الأسر إلى الهشاشة.

مرحلة حرجة للنظام

لا يعني تدهور المؤشرات أن الاقتصاد الإيراني على شفا انهيار فوري، فقد راكم النظام خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات، ولا يزال يمتلك احتياطات ومخزونات وشبكات تجارة برية وبحر قزوين وشركات وسيطة، ويمكنه فرض قيود على الاستيراد، وتوجيه الإنتاج إلى السوق الداخلية، وزيادة الكتلة النقدية لتغطية جانب من الإنفاق.

لكن هذه الأدوات لا تلغي الكلفة، بل تؤجلها أو تنقلها إلى المجتمع، فطباعة النقود تغذي التضخم، وتقييد الواردات يسبب النقص، وتوجيه البتروكيماويات والصلب إلى السوق المحلية يخفض العملات الأجنبية، واستخدام الوسطاء يرفع العمولات والخصومات. ومع استمرار الحصار، تصبح البدائل أكثر كلفة وأقل قدرة على تعويض القنوات البحرية والمصرفية التقليدية.

ونقلت "رويترز" عن ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة إقرارها بأن الحملة الأميركية أصبحت صعبة الاحتمال بصورة متزايدة، وتحدثت مصادر أخرى عن مخاوف داخل القيادة من أن يؤدي تراجع المعيشة إلى تجدد الاحتجاجات. ولا تقتصر المسألة على حجم الضرر الاقتصادي، بل على قدرة النظام على توزيعه واحتوائه سياسياً ومنع تحوله إلى أزمة ثقة وغضب اجتماعي.

وفي هذا السياق، توازي الجبهة الاقتصادية الهجوم العسكري، لكنها قد تكون أطول أثراً، فالضربة العسكرية تدمر منشأة يمكن حصرها وإعادة بنائها، أما العقوبات والحصار فيصيبان بصورة يومية قنوات التمويل والتجارة والعملة والأسعار. وتظهر آثارهما تدريجاً داخل كل مصنع يتوقف بسبب فقدان المواد الخام، وكل أسرة تعجز عن شراء الغذاء، وكل عامل يفقد وظيفته، وكل مستورد يضطر إلى دفع كلفة إضافية للوسيط والنقل.

اقرأ المزيد