ملخص
قد يشكل الثالث من نوفمبر نقطة تحول في حرب إيران، ليس لأنه يضمن نهايتها، بل لأنه يزيل أحد أبرز القيود الداخلية على ترمب. فبعد الانتخابات قد يتسع هامشه بين مواصلة الحصار، أو العودة إلى التصعيد العسكري، أو الدفع نحو تسوية سياسية، فيما ستكشف قراراته بعد الـ3 من نوفمبر مدى تأثير الحسابات الانتخابية في طريقة إدارة الحرب.
دخلت حرب إيران حالاً من الجمود العسكري يبدو مرشحاً للاستمرار خلال الأسابيع الستة الفاصلة عن الانتخابات النصفية الأميركية في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. ولن يكون هذا التاريخ هامشياً فمن المرجح أن تختلف خيارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعده عما هي قبله.
ربط ترمب مصير الحرب بهذا التاريخ حين توقع نهايتها "مباشرة" بعد الانتخابات النصفية، في إشارة إلى أن إيران تراهن على الصمود حتى موعد الاقتراع، أملاً في أن تؤدي كلفة الحرب إلى إضعاف الجمهوريين ودفع واشنطن إلى قبول تسوية بشروط أقل صرامة. ولذلك، يتوقع الرئيس الأميركي أن إيران ستكون مجبرة على تقديم تنازلات بعد فقدان الورقة الانتخابية.
وبينما يعبّر هذا التقدير عن هامش مناورة يزداد ضيقاً أمام الإيرانيين بعد الثالث من نوفمبر، فإنه يكشف أيضا عن أن القيود الداخلية على الرئيس الأميركي ستتضاءل، بعدما جعلت كلفة الحرب وارتفاع أسعار الطاقة حسم الحرب بالتصعيد العسكري أكثر حساسية للجمهوريين.
ولذلك قد لا يمثل الثالث من نوفمبر بالضرورة موعداً لنهاية الحرب وإنما مرحلة جديدة منها، قد تتراوح خيارات واشنطن فيها بين استمرار الحصار لاستنزاف إيران اقتصادياً، والعودة إلى التصعيد العسكري لفرض تنازلات أكبر، أو استغلال تراجع الضغوط الانتخابية للدفع نحو التسوية.
خيارات ترمب قبل الـ3 من نوفمبر
أجبرت الحسابات الانتخابية واشنطن على الاعتماد بصورة متزايدة على الأدوات الاقتصادية لتقليص الكلفة الانتخابية الناجمة عن الضربات العسكرية، وهكذا أحكمت القوات الأميركية السيطرة على مضيق هرمز ورافقت الناقلات النفطية المارة بالتوازي مع تنفيذ الحصار على إيران.
إلا أن الأميركيين شعروا بتأثير الحرب في المتاجر حيث ارتفعت أسعار السلع، وعند مضخات الوقود الذي زاد متوسط سعره في سبتمبر (أيلول) الجاري بنسبة 30 في المئة خلال عام، وهي تداعيات عمقت مخاوف الجمهوريين من خسارة الغالبية في الكونغرس، التي عبر عنها رئيس مجلس النواب مايك جونسون بقوله إنه يأمل أن يصح توقع ترمب بانتهاء الحرب بعد الانتخابات.
وأقر مجلس النواب للمرة الثالثة في منتصف سبتمبر الجاري قراراً يطالب بإنهاء الأعمال القتالية ضد إيران بنتيجة 220 صوتاً مقابل 204، بعدما انضم سبعة جمهوريين إلى الديمقراطيين، مقارنة بأربعة فقط في محاولة سابقة، وسط تزايد الكلفة الانتخابية للحرب.
وتدل هذه المؤشرات على القيود التي واجهت إدارة ترمب خلال مرحلة ما قبل الثالث من نوفمبر، والتي تجلى تأثيرها في تفضيل واشنطن خلال الستة أشهر الماضية الحصار المادي والاقتصادي على إيران من دون استئناف الحملة الجوية التي قد تعمق التداعيات الاقتصادية.
ولا يمنح خفض وتيرة العمليات قبل الانتخابات ترمب مكسباً سياسياً فقط، إذ إن الهدوء النسبي يمنح الجيش أيضاً فرصة لإعادة بناء مخزونات الذخائر التي استنزفتها الحرب، وبخاصة أن أحدث تقرير للمفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية كشف عن "نقص استراتيجي" في الذخائر.
وأدى الجمود العسكري الحالي وظيفتين في آن، تقليص الكلفة الانتخابية للحرب ومنح القوات الأميركية وقتاً لاستعادة جزء من جاهزيتها إذا عادت المواجهة إلى مستوى أعلى. وهذا يجعل التهدئة الحالية أقل دلالة على أن ترمب استبعد الخيار العسكري، وأكثر تعبيراً عن محاولة لشراء الوقت.
ما بعد الـ3 من نوفمبر
ستبقى الكلفة الاقتصادية للحرب، لكن ستختفي الحاجة الفورية إلى حماية مرشحي الحزب الجمهوري من رد فعل الناخبين. وإذا كانت إدارة ترمب قد تعمدت بالفعل إبقاء الحرب أكثر هدوءاً حتى موعد الاقتراع، فإن انتهاء الانتخابات يزيل أحد القيود التي رفعت كلفة التصعيد.
وبعد الانتخابات، سيكون لدى ترمب هامش أوسع لاستئناف العمليات العسكرية لانتزاع تنازلات إيرانية كافية. وأفاد مسؤولون أميركيون في الثاني من سبتمبر بأن تكثيف العمل العسكري بعد الانتخابات مطروح للنقاش، وإن لم يُتخذ قرار نهائي في شأنه، وفق "رويترز".
وقال ترمب لـ"أكسيوس" أمس الخميس إنه يقترب من "مفترق طرق حاسم" في الحرب، وإن استئناف العمليات العسكرية لا يزال أحد الخيارات المطروحة. وفي الوقت نفسه، أبقى "البنتاغون" مستويات القوات الأميركية الحالية في الشرق الأوسط حتى نهاية العام، بما يحافظ على الجاهزية لاستئناف العمليات إذا قرر الرئيس العودة إلى التصعيد.
ولا تجعل تصريحات ترمب حول تسوية الحرب بعد الانتخابات النصفية مباشرة احتمال التصعيد مستبعداً بالضرورة، فقد اندلعت الحرب الجارية بينما كانت المفاوضات الدبلوماسية مع إيران قائمة. وهذه السابقة لا تثبت أن ترمب يحاول خداع إيران أو أنه قرر التصعيد بعد نوفمبر، لكنها تفرض الحذر في قراءة إشاراته عن قرب التسوية، لأن قراراته السابقة تظهر أن المسار الدبلوماسي والتهيؤ للعمل العسكري يمكن أن يتقدما بالتوازي.
ويضيف إيان بريمر، رئيس مجموعة أوراسيا للتحليلات الجيوسياسية، عاملاً شخصياً إلى حسابات الحرب، فهو يرى أن ترمب يقترب من وضع "البطة العرجاء" كونه في ولايته الأخيرة ولن يواجه استحقاقات انتخابية أخرى بعد الثالث من نوفمبر، لذا فإن اهتمامه في العامين الأخيرين من الرئاسة قد يتجه بصورة متزايدة نحو إرثه السياسي، مفضلاً حسم الحرب عسكرياً.
وإذا خسر الجمهوريون إحدى غرفتي الكونغرس، فلن يتغير ميزان السلطة فوراً فالكونغرس الجديد لا يتولى مهماته إلا في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2027، مما يترك نحو شهرين يبقى خلالها الكونغرس الحالي قائماً حتى لو فاز الديمقراطيون بالغالبية. وتنشأ بذلك فترة انتقالية يكون فيها ترمب قد تجاوز الضغوط الانتخابية، بينما لا يخضع بعد لرقابة كونغرس جديد أكثر معارضة للحرب، وهذا قد يمنحه هامشاً لاتخاذ قرارات مهمة قبل تغير ميزان القوة التشريعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما إذا احتفظ الجمهوريون بالكونغرس، فسيكون هامش ترمب أوسع، وحتى إذا واجه معارضة تشريعية، سيحتفظ الرئيس بقدرة على بدء عمل عسكري قبل تفويض جديد من الكونغرس، على أن يخطره خلال 48 ساعة، ثم ينهي العمليات خلال 60 يوماً إذا لم يحصل على تفويض.
ومع ذلك، فإن انتهاء الانتخابات قد يسهل التسوية السياسية أيضاً فترمب قال قبل يومين إن الإيرانيين يريدون اتفاقاً وإنه يأمل أن تكون الحرب قريبة من نهايتها، وبعد زوال الضغوط الانتخابية المباشرة قد تصبح لدى إدارته مساحة أوسع للتفاوض، من دون أن تكون كل التنازلات المحتملة مثقلة بالحسابات نفسها المتعلقة برد فعل الناخبين.
ويرى الدبلوماسي الأميركي السابق جيمس جيفري أن الجمود العسكري الحالي يمثل خياراً استراتيجياً قابلاً للاستمرار لأن الولايات المتحدة أقدر من إيران على تحمل الاستنزاف الاقتصادي، وواشنطن يمكن أن تستمر في إدارة الجمود مع الاستعداد في الوقت نفسه لرد عسكري واسع إذا صعدت إيران المواجهة أو أعادت بناء برنامجها النووي.