ملخص
أخيراً، تحول ملف تهجير الغزيين "طوعاً" من مجرد مبادرات مستقلة تطرحها أحزاب ومراكز دراسات استراتيجية في تل أبيب، إلى موضوع حاضر وثابت في النقاشات السياسية والأروقة الأمنية لإسرائيل الرسمية، ولم يعد الأمر مجرد "شعار انتخابي" وأداة للحشد الحزبي، وإنما صار فكرة تعمل الأجهزة التنفيذية عليها، فما تفاصيل هذا المخطط؟ وكيف تتداخل الخطط الحزبية مع أروقة وزارة الدفاع لتمريره؟
منذ اندلاع الحرب على غزة، لم يعد النقاش مقتصراً على العمليات العسكرية أو المساعدات الإنسانية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية وتأثيراً، من سيعيش في غزة بعد الحرب؟
وفي الواقع، تتجهز أرض غزة رويداً لطرد سكانها، حيث تحولت الأحياء إلى ركام، وأعمدة الدخان ما زالت تلتهم ما تبقى من معالم الحياة، ليرسم الميدان واقعاً يعيد صياغة القطاع بالتجويع والحصار والتدمير الممنهج للبنية التحتية، محولاً المدينة المنكوبة إلى بيئة طاردة لساكنيها.
وسط هذا الواقع، جاء إعلان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير عن خطته الشاملة التي تحمل اسم "انفصال 710"، وتتحدث علناً عن "الهجرة الطوعية" أو إعادة توطين سكان القطاع خارج حدوده، ليمهد لأكبر تغيير ديموغرافي في الأراضي الفلسطينية.
عادت هذه القضية بقوة إلى الواجهة تزامناً مع تحضيرات الائتلاف الحاكم لخوض الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، إذ يطرح ملف تهجير الغزيين بإطار ترويجي يتضمن أرقاماً وجداول زمنية وموازنات ضخمة ليكون عنواناً للحملات السياسية المقبلة.
أخيراً، تحول ملف تهجير الغزيين "طوعاً" من مجرد مبادرات مستقلة تطرحها أحزاب ومراكز دراسات استراتيجية في تل أبيب، إلى موضوع حاضر وثابت في النقاشات السياسية والأروقة الأمنية لإسرائيل الرسمية، ولم يعد الأمر مجرد "شعار انتخابي" وأداة للحشد الحزبي، وإنما صار فكرة تعمل الأجهزة التنفيذية عليها، فما تفاصيل هذا المخطط؟ وكيف تتداخل الخطط الحزبية مع أروقة وزارة الدفاع لتمريره؟
توسع جبهة المشجعين
مع كشف بن غفير عن خطته الشاملة الممتدة لسبعة أعوام والمعروفة باسم "انفصال 710"، لم يعد ملف ترحيل سكان قطاع غزة مقيداً في حدود المبادرة، فالخطة التي صاغها وزير الأمن القومي بعد أشهر من العمل لتقديمها كبرنامج انتخابي لحزبه "القوة اليهودية"، تسعى رسمياً لتنظيم مسارات مغادرة نحو 1.86 مليون فلسطيني تحت عنوان "الهجرة الطوعية".
في وثيقته التي جاءت ضمن 20 صفحة وحملت عنوان "الخطة العملياتية الوطنية للهجرة الطوعية من قطاع غزة"، اعتبر بن غفير أن هذا المشروع يمثل الحل الجذري والوحيد للصراع، يقول "هذه الخطة هي نتاج عام ونصف العام من العمل، وهي خطة ملموسة وعملية تقدم حلاً نهائياً".
زاد عدد الوزراء الإسرائيليين المؤيدين علناً لتهجير الغزيين، إذ أدلى وزير الدفاع يسرائيل كاتس بتصريحات أكد فيها أن فكرة نقل السكان من غزة تحظى بجاهزية هيكلية ولوجيستية داخل المؤسسة الأمنية، وقال "لا يوجد في نهاية المطاف حل حقيقي لقطاع غزة من دون التهجير".
كاتس تطرق ليحدد آليات الإجلاء التي تقع ضمن اختصاصات وزارته، وأضاف "الحكومة الإسرائيلية مستعدة عبر مديرية الهجرة لتسهيل مغادرة الفلسطينيين وإخراجهم من قطاع غزة عبر البحر أو الجو أو بأية طريقة ممكنة".
وأوضح أن خطة التهجير من قطاع غزة لم تلغ، وإنما جرى تجميدها موقتاً، بانتظار نيل الضوء الأخضر والتنسيق الدبلوماسي مع الولايات المتحدة الأميركية التي تملك القدرة على توفير الدعم والضمانات للدول المستعدة للاستقبال.
ويعتقد المراقبون أن تهجير الكثافة الديموغرافية لقطاع غزة بات قناعة تتجاوز حدود الدعاية الحزبية، لتثبت أن الفكرة تحولت إلى ملفات وبنى تحتية يجري النقاش حول تفعيلها وإعدادها في كواليس القرار الإسرائيلي.
موقف نتنياهو
تشير التطورات السياسية في تل أبيب إلى أن الموقف الرسمي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينت) يعتمد على استراتيجية مزدوجة تفصل بين المداولات الداخلية والخطاب الدبلوماسي الموجه للمجتمع الدولي.
فخلف الكواليس وفي الغرف المغلقة، لم تكن فكرة تقليص الوجود البشري في قطاع غزة بعيدة من النقاشات البنيوية، إذ كشفت تسريبات اجتماعات "الكابينت" أن نتنياهو طرح في جلسات متعددة مسألة الهجرة الطوعية وبحث سبل تسويقها دولياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ووفقاً لما نقلته صحيفة "إسرائيل اليوم"، فقد أقر نتنياهو في مداولات حزبية سابقة بدعم التهجير قائلاً "مشكلتنا تكمن في إيجاد الدول المستعدة لاستيعاب اللاجئين، ونحن نعمل على هذا الملف".
وعلى رغم هذا التحرك الداخلي، تفرض محددات السياسة الخارجية على ديوان رئيس الوزراء تبني تحفظ دبلوماسي علني، ونتيجة لذلك يحرص الخطاب الرسمي لنتنياهو على النأي بنفسه عن الطروحات العلنية الحادة لوزرائه مثل بن غفير.
الشرط الاستباقي
في الواقع، تعد خطة "انفصال 710" مقترح حزبي من إيتمار بن غفير الذي يتزعم تنظيم "القوة اليهودية" في إسرائيل، ومادة للدعاية الانتخابية يشترط تطبيقها ضمن برنامج حكومي رسمي، لكن كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
في إسرائيل يعتمد نظام الحكم على التمثيل النسبي في "الكنيست"، مما يجعل من المستحيل تاريخياً على أي حزب منفرد الفوز بالغالبية المطلقة المتمثلة في 61 مقعداً من أصل 120.
هذا الواقع البرلماني يفرض على الأحزاب الكبيرة التي تسعى لتشكيل الحكومة اللجوء إلى بناء تحالفات مع أحزاب صغيرة ومتنوعة لتجميع مقاعد الغالبية، مما يفتح الباب واسعاً أمام ما يُعرف سياسياً بـ"الابتزاز الائتلافي".
يستغل زعيم حزب "القوة اليهودية" هذا الموقف لفرض شروطه مسبقاً قبل معركة انتخابات الكنيست المقررة في أكتوبر المقبل، فبدلاً من الانتظار إلى ما بعد إعلان النتائج سارع بن غفير إلى طرح خطته لتهجير سكان غزة كشرط إلزامي لا غنى عنه للدخول في أي ائتلاف حكومي مقبل، موجهاً رسالة واضحة للكتل الكبيرة بأن حزبه لن يمنح مقاعده لأي رئيس وزراء مستقبلي من دون تبني هذا المشروع رسمياً.
وتنص القواعد السياسية الإسرائيلية على صياغة وثائق قانونية ملزمة تعرف بـ"الاتفاقات الائتلافية"، وهي بمثابة خطة عمل للحكومة، ويسعى بن غفير من خلال شرعنة خطته إلى فرض بند صريح يقضي بإنشاء وزارة متخصصة بالهجرة الطوعية لإدارة ملف إجلاء الفلسطينيين وتجهيز الهياكل الإدارية والدبلوماسية والمالية التابعة لها برأس مال أولي ضخم.
يقول بن غفير "في السابع من أكتوبر 2023 انهارت الفكرة التي تقول إنه يمكن الانسحاب والاحتماء خلف الجدار وشراء الهدوء بالمال والتسهيلات ’انفصال 710‘ ليس عودة للانسحاب عام 2005 بل هو تصحيح له".
لغز التسمية
لم تكن تسمية خطة "انفصال 710" مجرد اختيار عابر من قبل طاقم بن غفير الحزبي، وإنما تستهدف الوعي الجمعي داخل المجتمع الإسرائيلي، يقول الباحث في التاريخ أسامة سعد "تكمن الدلالة الأولى في الشق الرقمي للخطة ’710‘، وهي إشارة رمزية مباشرة وصريحة إلى تاريخ السابع من أكتوبر ’7/10‘".
ويضيف "يسعى بن غفير من خلال هذا الرقم إلى دغدغة عواطف الشارع اليميني والمستوطنين، مستغلاً جرح الصدمة الأمنية والوجودية الأكبر في تاريخ الدولة لإعادة صياغة مسار الترحيل بوصفه الرد الرديكالي الاستراتيجي الحتمي".
ويوضح أن الرقم (710) يحمل في الدعاية الحزبية معنى "التصحيح الشامل للتاريخ"، إذ تروج الماكينة الإعلامية لليمين المتطرف لأن إفراغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين هو الضمانة الوحيدة والمطلقة لعدم تكرار أحداث ذلك اليوم إلى الأبد.
أما الدلالة الثانية والأكثر عمقاً، فتتبلور في استخدام لفظ "الانفصال" (أو فك الارتباط)، وهي تسمية تحيل الذاكرة السياسية الإسرائيلية مباشرة إلى عام 2005، حين نفذ رئيس الوزراء السابق أرئيل شارون خطته الشهيرة لإخلاء المستوطنات وقوات الجيش الإسرائيلي أحادي الجانب من داخل قطاع غزة.
ويعقب سعد "هنا تبرز المفارقة العكسية، فبينما كان انفصال شارون يعني خروج الإسرائيليين وترك غزة للفلسطينيين، يأتي انفصال بن غفير ليعكس المعادلة كلياً عبر فصل غزة عن سكانها الأصليين وإخراجهم هم من الأرض لتمهيد الطريق لعودة الاستيطان".
هذا الانقلاب على إرث شارون عبر عنه بن غفير في تصريحاته، إذ قال "لقد أدارت الدولة ظهرها لغزة عام 2005، وتخيلت أن الجدران والتكنولوجيا ستجلب الأمن، لكن ’7/10‘ أثبتت خطأ هذه الفرضية الكارثية".
وأضاف "خطة ’انفصال 710‘ ليست تكراراً للهرب، بل هي التصحيح التاريخي له، لن ننفصل عن الأرض بل سنفصل السكان عنها، لأن الأمن لا يتحقق إلا بالسيطرة الكاملة وإعادة البناء والاستيطان".
7 أعوام لتفريغ القطاع
ترسم خطة "انفصال 710" جدولاً زمنياً تحدد من خلاله آليات الإجلاء التدرجي على مدار سبعة أعوام، مستهدفة ترحيل نحو 1.86 مليون فلسطيني، وتقوم على فكرة الترقيع التراكمي للأعداد لمنع إحداث صدمة ديموغرافية مفاجئة قد تثير حفيظة المجتمع الدولي أو تضاعف القيود القانونية.
ووفقاً للجدول الزمني الموزع على ثلاث مراحل رئيسة، تضع الخطة الأهداف التالية كل عام، في العام الأول تكون مرحلة "كسر الجمود" وتستهدف مغادرة 250 ألف فلسطيني كخطوة أولية لإثبات قابلية المشروع للتطبيق وتدشين ممرات الإجلاء، ثم المرحلة المتوسطة (خلال ثلاثة أعوام) ويتم فيها رفع السقف التراكمي ليصل إلى 1.11 مليون مواطن، مما يعادل تفريغ نحو نصف التعداد السكاني الحالي للقطاع، وأخيراً السقف النهائي (العام السابع) وهو الوصول إلى الهدف الاستراتيجي بترحيل 1.86 مليون فلسطيني، مما يمثل نقل نحو 85 في المئة من إجمال سكان غزة خارج حدودهم.
وتعتمد هذه الصياغة الحسابية على قناعة اليمين المتطرف بإمكانية تحويل الأرقام إلى واقع ملموس إذا ما توفرت الإرادة السياسية. وقال بن غفير "يجب أن ننتهز هذه الفرصة التاريخية لصياغة حل تاريخي، مغادرة 250 ألف شخص في العام الأول أمر ممكن تماماً، والوصول إلى 1.1 مليون خلال ثلاثة أعوام، ثم ما يقارب 1.9 مليون خلال سبعة أعوام هو أمر واقعي، وفي متناول أيدينا، وضمن قدراتنا التنفيذية".
المبادئ الـ12 التنفيذية
تفكك الوثيقة التي صاغها طاقم بن غفير الحزبي مسار التهجير المقترح عبر 12 مبدأً تنفيذياً في محاولة لضبط حركة المغادرين وإدماجهم في مسارات دولية معقدة عبر ثلاث ركائز أساس، تتمحور الأولى حول أدوات الفحص والتوثيق الصارمة، إذ تنص الخطة على فتح ملف فردي ورقمي لكل مواطن أو عائلة تتقدم بطلب المغادرة لتتبع مراحل انتقالهم.
وتشترط الوثيقة مبدأ "التماسك الأسري"، بحيث لا يسمح بسفر الأفراد منفردين بل ترحل العائلات ككتلة واحدة لضمان تجفيف الجذور الاجتماعية داخل القطاع. ويبرز "الفحص الأمني المسبق" كأداة سيادية أساس، إذ تخضع كل معاملة لتدقيق منفصل ومكثف من قبل جهاز الأمن العام (الشاباك) لضمان عدم خروج أية عناصر تنتمي للفصائل المسلحة إلى وجهات خارجية.
أما الركيزة الثانية، فتعتمد على منظومة الحوافز المالية والدمج المعيشي، المقترحة لإغراء السكان بالرحيل، إذ تلزم الخطة الكيان التنفيذي بتقديم تمويل كامل لبطاقات السفر وتوفير حزم سكن واستيعاب أولية في بلدان المقصد. ولضمان الاستقرار الطويل الأمد للمهجرين، تقترح الوثيقة تقديم "مرافقة ودعم مالي ممتد" يصل إلى 24 شهراً في البيئة الجديدة، بالتوازي مع إلحاق المغادرين ببرامج دورات مهنية وتأهيلية مصممة لتسهيل انخراطهم في أسواق عمل الدول المستضيفة كعمالة منتجة.
وتتجلى الهندسة السياسية الأكثر تعقيداً في الركيزة الثالثة، عبر آليات التشغيل الدبلوماسي المشروط مع الشركاء الدوليين، فالخطة لا تبحث عن ملاذات إنسانية للاجئين، بل تصيغ معادلة قائمة على الدفع مقابل الأداء. وبموجب هذا البند، تلتزم الحكومة الإسرائيلية بتقديم حزم من المساعدات الاقتصادية، والدعم المالي، والامتيازات الدبلوماسية للدول المستقبلة أو الوكالات الوسيطة، بشرط أن يرتبط صرف هذه الدفعات والموازنات طردياً بالأعداد الفعلية للفلسطينيين الذين يجري استيعابهم وتوطينهم بنجاح داخل حدود تلك الدول.
وعبَّر بن غفير عن هذه الرؤية خلال حفل إطلاق خطته، قائلاً إنها "لا تقوم على الفوضى بل على النظام والدقة، كل عائلة ستملك مساراً شخصياً محدداً يرافقها من لحظة التدقيق وحتى إيجاد العمل والسكن، منظومة التعويضات المالية والدفعات المشروطة بمؤشرات الاستيعاب ستجعل من هذا المشروع صفقة مربحة وجذابة لدول عدة تبحث عن إنعاش موازناتها وخلق الشراكات مع إسرائيل".
وزارة متخصصة
تضع خطة "انفصال 710" تصوراً دقيقاً لإنشاء وزارة رسمية تتولى تسييل مشاريع الترحيل وتحويلها إلى معاملات يومية مستدامة تمولها الدولة، ويتبلور هذا التحول في المطالبة بإنشاء "وزارة للهجرة الطوعية" تمتلك مواصفات وبنية وظيفية متكاملة تشمل تعيين وزير ومدير عام وتخصيص موازنات وهيئات فنية وفريق متخصص للتفاوض الدولي إلى جانب جهاز مستقل للتنفيذ مجهز لوجيستياً على الأرض.
ووفقاً للتشريح المالي للمشروع، قسم الموازنة المقترحة إلى مستويين، الأول يمثل استثماراً إسرائيلياً أولياً بقيمة 3.1 مليار دولار يخصص بالكامل لتأسيس الوزارة، وإطلاق حملاتها الإعلانية والترويجية للمشروع داخل إسرائيل وفي دول عدة مستهدفة. أما المستوى الثاني، فيضع سقفاً لتمويل إضافي يصل إلى 15.6 مليار دولار، وهو إطار مالي ترهن إسرائيل تمريره وإقراره بمدى النجاح في حشد مشاركة دولية وإبرام اتفاقات رسمية مع الدول والجهات المعنية بالاستيعاب.
وعلى مستوى المقاصد والوجهات، ترصد الخطة بالاسم دولاً عدة جرى إدراجها كوجهات نهائية لاستقبال المرحلين، وتشمل القائمة كلاً من تركيا وإثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية إضافة إلى الإشارة الصريحة لخيارات ومسارات مغادرة تدرس استهداف دول عربية عدة.
أصل الفكرة
منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب ولدت مشاريع تقليص الكثافة السكانية في غزة، إذ بدأت المرحلة الأولى في أكتوبر 2023، واتخذت طابعاً عسكرياً مباشراً عبر إصدار أوامر نزوح كثيفة وشاملة أجبرت مئات الآلاف من سكان شمال القطاع على التوجه نحو الجنوب.
وترافقت هذه التحركات الميدانية مع الكشف عن وثيقة رسمية مسربة تحمل شعار "وزارة الاستخبارات الإسرائيلية" جرى تداولها في المناقشات الداخلية للحكومة، إذ أوصت الوثيقة بوضوح بـ"إجلاء السكان المدنيين من غزة إلى سيناء كمحطة أولى"، وعدت أن هذا الخيار "هو المفضل الذي سيحقق نتائج إيجابية استراتيجية طويلة الأمد لإسرائيل".
ومع اصطدام هذه المحاولات الميدانية برفض إقليمي، انتقل الملف إلى المرحلة الثانية في بدايات عام 2025، إذ قدمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقترح "ريفييرا غزة الشرق الأوسط"، وهو مشروع يقوم في جوهره على فكرة ترحيل نحو مليوني فلسطيني إلى دول ثالثة لتفريغ القطاع بالكامل، وفرض سيطرة إدارية مشتركة لإعادة بنائه كمنطقة سياحية وتجارية.
أما المرحلة الثالثة والواقع الحالي، فتشكل المنعطف الأخطر، إذ عاد الملف بقوة ليتجاوز الطروحات السياسية النظرية ويتحول إلى خطوة مؤسساتية بالغة الخطر داخل بنية الدولة، تمثلت في التأسيس الرسمي لـ"مديرية الهجرة" داخل وزارة الدفاع.
وطرحت فكرة تهجير الغزيين كشعار عقائدي وحل ديموغرافي حتمي وجذري، إذ صرحت وزيرة الاستخبارات السابقة جيلا غامليل "في نهاية الحرب سيعتمد السكان المدنيون بصورة كاملة على المساعدات، ولن يكون هناك عمل، وسيكون البقاء في غزة بلا أفق، لذا فإن فتح الأبواب للهجرة هو الحل الإنساني الأفضل".
قضية ديموغرافية
لم يعد الدمار الواسع الذي طاول أكثر من 80 في المئة من مباني قطاع غزة، والنزوح المتكرر لنحو 1.9 مليون فلسطيني، مجرد تداعيات كارثية للحرب الحالية، بل جرى توظيف هذه المعاناة والظروف المعيشية الصعبة كأداة ضغط طاردة للسكان.
ويتجلى هذا التوظيف الممنهج في تصريحات وزراء الائتلاف الإسرائيلي، إذ يقول وزير المالية بتسلئيل سموتريتش "خلق واقع خانق يعد خياراً منطقياً لفرض الشروط السياسية".
من جهتها، تؤكد القوى الفلسطينية أن إسرائيل تسعى لاستغلال غياب مقومات الحياة الأساس في الخيام لتمرير الهندسة الديموغرافية، إذ تؤكد الفصائل أن استمرار تشديد الحصار وعرقلة منظومة العلاج ومنع مستلزمات القطاع الصحي يهدف في جوهره إلى إيصال المجتمع لحال الإنهاك التام ودفع السكان قسراً للبحث عن أي منفذ بحري أو جوي للمغادرة، والقبول بصيغ التهجير المقنعة كخيار وحيد للنجاة.
مخاوف الغزيين
ينظر إلى خطة "الانفصال 710" داخل القطاع كأداة لتصفية القضية الوطنية وإلغاء ملفات الدولة والحدود وحق العودة، وترتبط الحساسية المفرطة لمفهوم "الترحيل" في الوعي الجمعي الفلسطيني بذاكرة النكبة عام 1948، وما تلاها من لجوء طويل ومرير.
يقول المواطن محمد أبو جبل "كيف يمكن للتهجير أن يكون طوعياً ونحن نعيش بين الأنقاض وفقدنا كل شيء؟ يريدون تدمير المكان ثم يخبروننا أن من غادر فقد فعل ذلك باختياره"، مضيفاً "لن أترك غزة، وحتى لو دمر بيتي سأبقى هنا وأعيد بناءه، المشكلة ليست في الفلسطيني بل في إسرائيل التي تريد جعل الحياة مستحيلة ثم تقدم الرحيل كخيار وحيد".
من جانبه، صرح الناطق باسم حركة "حماس" حازم قاسم، قائلاً "تصاعد تصريحات وزراء تل أبيب في شأن التهجير يكشف أنهم لم يتخلوا عن هذا المخطط، بل يسعون إلى إعادة ترويجه لخدمة حساباتهم السياسية والانتخابية".
ويضيف "هذه التصريحات تفسر استمرار الحرب وتشديد الحصار والتجويع وعرقلة الإعمار لإيصال الغزيين لواقع معيشي قاسٍ يدفعهم إلى المغادرة، مما يتطلب حراكاً عربياً حازماً لقطع الطريق أمام تصفية القضية".
مواقف دول المقصد
يصطدم المسعى الإسرائيلي برفض دولي، لا سيما من جانب الدول التي أُدرجت أسماؤها في مسودات الترحيل كمقاصد محتملة لاستيعاب المهاجرين، إذ يقول ووزير الاتصالات والإعلام في الحكومة الكونغولية باتريك مويايا "خلافاً لما نشرته وافتعلته بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإنه لم يكن هناك على الإطلاق أي صورة من صور التفاوض، أو المناقشة، أو المبادرة بين كينشاسا وتل أبيب في شأن ما يسمى استقبال المهاجرين الفلسطينيين على الأراضي الكونغولية".
هذا الرفض والإنكار نفسه تبنته العواصم الأفريقية الأخرى التي زج بأسمائها في خطة بن غفير، إذ أكدت وزارتا خارجية رواندا وتشاد التزمهما بقرارات الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي التي تدين التهجير وتدعم الحقوق المشروعة للفلسطينيين، واعتبرتا أن العروض المالية أو الأمنية المقترحة لا يمكن أن تشكل غطاءً للمشاركة في صياغة واقع ديموغرافي قسري في غزة.