Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ألمانيا من شريك لبوتين إلى خصمه الأول... فما الذي حدث؟

بعدما وجهت برلين اتهاماً لموسكو بالوقوف وراء هجوم بطائرة مسيرة وقع حديثاً في أحد المطارات في لايبزيغ، يقول الخبراء لـ"اندبندنت" إن الهجمات الهجينة التي ينفذها الكرملين هي استراتيجية متعمدة لزعزعة استقرار أكبر اقتصاد في أوروبا، وذلك قبيل انتخابات مفصلية

تدهورت العلاقات الثنائية بين الدولتين بسرعة (أ ف ب/غيتي)

ملخص

تنتقل ألمانيا من عقود من التعاون الاقتصادي والاعتماد على الطاقة الروسية إلى مواجهة مفتوحة مع موسكو، بعدما دفعتها حرب أوكرانيا إلى إعادة صياغة سياستها الأمنية والخارجية. ومع تصاعد الاتهامات بهجمات روسية هجينة واستهداف البنية التحتية، يرى خبراء أن الكرملين يسعى إلى زعزعة استقرار ألمانيا واستغلال الانقسامات السياسية فيها، خصوصاً مع تصدر اليمين المتطرف المؤيد لروسيا استطلاعات الرأي.

قبل 18 عاماً من دخول الدبابات الروسية إلى أوكرانيا، طُلب من المستشار الألماني آنذاك غيرهارد شرودر إبداء رأيه في الرئيس فلاديمير بوتين.

فقال عام 2004 "أنا مقتنع تماماً بأن الرئيس الروسي يريد تحويل روسيا إلى بلد ديمقراطي وأنه يفعل ذلك انطلاقاً من قناعة راسخة". وفي العام نفسه، أعيد انتخاب بوتين بأغلبية ساحقة في انتخابات زُعم على نطاق واسع أنها مزورة.

وعكست تلك التصريحات روح التعاون والصداقة التي نُسجت ونمت بين البلدين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد استفاد الاقتصاد الألماني بشكل كبير من واردات الغاز الروسي الرخيص، وبلغت هذه الفوائد ذروتها في بناء خط أنابيب الغاز "نورد ستريم" في قعر بحر البلطيق.

بيد أن هذه العلاقة وصلت حالياً إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق. يوم الأربعاء الماضي، هدد دميتري ميدفيديف، نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ألمانيا بشن ضربات عسكرية مباشرة رداً على اتهام برلين لروسيا بالوقوف وراء هجوم فاشل بطائرة مسيرة محملة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ الشهر الماضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت الطائرة المسيرة المحملة بالمتفجرات قد فشلت في الانفجار بالقرب من طائرة شحن أوكرانية.

وفي هذا السياق، أعلن الكرملين أن هذا الاتهام "لا أساس له" لكن ألمانيا ردت باستدعاء السفير الروسي، وأمرت بإغلاق القنصلية الروسية في بون، كما أغلقت المعهد الثقافي الروسي "البيت الروسي" في برلين.

وأشارت القيادة الألمانية أيضاً إلى خططٍ للتصدي للأسطول البحري الروسي السري، المعروف باسم "أسطول الظل" وأعلنت دعمها لتوسيع حزمة العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي.

ويقول المحللون إن تدهور العلاقات بين موسكو وبرلين سيشكل أمراً بالغ الأهمية بالنسبة إلى مستقبل أوكرانيا وأوروبا. في ما يلي، تستعرض صحيفة "اندبندنت" كيف تحول أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لبوتين إلى عدو.

العلاقة الألمانية مع روسيا قبل اندلاع الحرب

سعت الحكومات الألمانية المتعاقبة في عهد شرودر وأنغيلا ميركل إلى تحقيق اندماج اقتصادي عميق مع موسكو.

وهذه الاستراتيجية، التي تعود جذورها إلى عقيدة "أوستبوليتك" (Ostpolitik) أو السياسة الشرقية التي برزت بعد الحرب الباردة، قامت على الاعتقاد بأن الاعتماد التجاري المتبادل سيضمن الاستقرار ويردع بوتين عن تهديد أوروبا.

وفي هذا الإطار، شكل الاعتماد على الغاز الروسي أمراً أساسياً في هذه العلاقة، إذ كانت ألمانيا تستورد كميات هائلة من الوقود بأسعار زهيدة.

كما أدت الشراكة الاقتصادية بين الدولتين إلى إنشاء خطوط أنابيب الغاز "نورد ستريم" في عام 2011، التي نقلت الوقود الروسي عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا.

وفي سياقٍ متصل، اعتبر إيان بوند، نائب مدير "مركز الإصلاح الأوروبي" (CER)، أن توقيع اتفاقية مينسك الثانية لعام 2015 كان مؤشراً آخر على قوة العلاقات الروسية الألمانية في ذلك الوقت.

وتم التوصل إلى هذه الاتفاقية بوساطة ميركل، وقد تعرضت لانتقادات واسعة لأنه كان يُنظر إليها على أنها إشارة ضمنية إلى قبول الغرب بالضم الروسي غير القانوني لشبه جزيرة القرم.

ومع هذا، رفضت برلين قطع علاقاتها الاقتصادية مع الكرملين على رغم أن عملية الضم أثارت إدانة دولية، متجاهلة مراراً وتكراراً مخاوف واشنطن وحلفائها في أوروبا الشرقية من أن علاقة البلدين تشكل خطراً على الأمن.

وعشية الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، كانت ألمانيا تعتمد على روسيا في أكثر من 50 بالمئة من وارداتها من الغاز الطبيعي.

ما كان رد فعل ألمانيا على الحرب؟

انهارت الشراكة في مجال الطاقة في شباط (فبراير) 2022 بعد أن غزت روسيا أوكرانيا، مع توقف أعمال إنشاء خط أنابيب "نورد ستريم 2"، لتنتهي بذلك عقود من سياسة ألمانيا التجارية مع موسكو، وتجد برلين نفسها مضطرة إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة.

ورداً على الغزو، أعلن المستشار الألماني آنذاك أولاف شولتز عن تحول جذري في سياسة بلاده الخارجية والأمنية، في خطوة عُرفت باسم "تسايتنفينده" (Zeitenwende)، أي "نقطة التحول التاريخية".

شهد هذا التحول إعادة صياغة لعقود من التحفظ العسكري الذي ساد ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ خصصت برلين صندوقاً بقيمة 100 مليار يورو لتحديث قواتها المسلحة، وإرسال مساعدات عسكرية إلى كييف، ووضع حد منهجي لاعتماد الاقتصاد الألماني على موسكو.

ويرى بوند أن الحرب أحدثت تحولاً في الوعي الجماعي داخل ألمانيا، قائلاً: "أدرك الألمان أن طموحات بوتين لا تقتصر على القرم وأجزاء من دونباس. روسيا قوة إمبريالية... وأعتقد أن الألمان احتاجوا إلى بعض الوقت ليستوعبوا أن أوروبا تواجه مشكلة روسية خطرة".

لماذا أصبحت ألمانيا الآن العدو الأول لبوتين؟

يوضح بوند أن الدوافع وراء الهجمات الهجينة الروسية الأخيرة ذات دوافع استراتيجية في جانب منها، إذ تسعى موسكو إلى استغلال الانقسامات داخل ألمانيا حول مواصلة دعم كييف.

وتستعد ألمانيا لانتخابات محلية، فيما يتصدر حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف والمؤيد لروسيا استطلاعات الرأي.

وقال بوند: "يبدو أن بوتين يحاول، من خلال هذه الهجمات، تخويف الألمان ودفعهم إلى التصويت لحزب يستطيع أن يظهر لهم أنه لن يواجه مشكلة مع روسيا".

وأضاف أن اختيار الناخبين لحزب متعاطف مع الكرملين يمثل "لغزاً" يميز ألمانيا عن غيرها، إذ لا نجد ظاهرة مماثلة في دول أوروبا الشرقية.

ولكن بوند حذر من أن استهداف بوتين لألمانيا ليس أمراً استثنائياً.

فقد تعرضت دول عدة ومؤسسات أيضاً لأعمال عدوانية من جانب الكرملين، بما في ذلك بولندا ودول البلطيق.

وقال: "ألمانيا تتحمل وطأة الهجمات الأخيرة، لكن الكثير من هذه الهجمات يحدث أيضاً في أماكن أخرى".

وأضاف: "الرسالة التي يحملها هذا الأمر لسائر الدول الأوروبية ولحلف ’الناتو‘ هي أنه، على رغم أن روسيا قد لا تكون قوية بما يكفي لشن هجمات مباشرة، فإنها تبذل كل ما بوسعها لزعزعة استقرار أوروبا، فضلاً عن محاولة ترهيب الدول ودفعها إلى التراجع عن دعم أوكرانيا".

وحذر بوند من احتمال قيام ألمانيا باسترضاء بوتين.

واختتم بوند حديثه باقتباس عبارة لوِنستون تشرشل: "يأمل كل شخص أنه إذا أطعم التمساح بما يكفي، فسيكون آخر من يلتهمه". وبالتالي "يأمل بوتين أن تعتقد بقية أوروبا أنه إذا سلمت أوكرانيا لروسيا كفريسة، فسيكون ذلك نهاية الأمر كله".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل