Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فجوة التمويل تضيق خيارات اللاجئين السوريين في الأردن

معادلة معقدة بين ثقل المعيشة في بلد الاستضافة ومخاوف الاستقرار للبنية التحتية في الدولة الأم

الأردن يستعد لاستحقاقات اقتصادية وديموغرافية لمرحلة ما بعد اللجوء السوري (اندبندنت عربية - صلاح ملكاوي)

ملخص

تجد الحكومة الأردنية نفسها اليوم أمام استحقاق صياغة خطط استباقية لمرحلة تحول ديموغرافي واقتصادي، توازن فيه بين التزاماتها الإنسانية والدولية، وبين إعادة هيكلة اقتصادها الوطني ليتكيف مع المساعدات المتقلصة وتهيئة الموارد للمواطنين مع دخول ملف اللجوء مراحله الأخيرة.

اتسع نطاق برنامج المساعدة النقدية للعودة الطوعية للاجئين السوريين من مخيمي الزعتري والأزرق إلى المدن الأردنية بصورة مطردة، إذ سجلت الأرقام الرسمية عودة 220 ألف لاجئ منذ نهاية عام 2024.

وعلى رغم تواضع الأعداد وعدم نية غالبية من بقي في الأردن من اللاجئين السوريين العودة قريباً إلى بلادهم بسبب نقص التمويل، ودمار المنازل، ومخاوف الأمن والعمل، يبدو أن الأردن يتحول تدريجاً من إدارة أزمة اللجوء السوري إلى إدارة مرحلة العودة.

وتمثل هذه الخطوة رأس الجليد لقضية اجتماعية واقتصادية بالغة الحساسية، تفتح الباب واسعاً أمام التساؤل: هل وصل ملف اللجوء السوري في الأردن إلى بداية نهايته؟ أم أن الواقع في الداخل السوري لا يزال يفرض معادلات أكثر تعقيداً.

مرحلة جديدة

ودخل ملف اللاجئين السوريين في الأردن هذا العام مرحلة جديدة بتوسيع برنامج للمساعدة على العودة الطوعية الذي تديره المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وبموجب التحديث الجديد، أصبح اللاجئون السوريون المسجلون لدى المفوضية والمقيمون في مخيمي الزعتري والأزرق أو خارج المخيمات في المدن والمجتمعات المستضيفة مؤهلين للحصول على 100 دولار (70 ديناراً أردنياً) عن كل فرد لمرة واحدة للمساعدة في كلف العودة، كذلك تحصل بعض الأسر المصنفة ضمن الفئات الأكثر هشاشة على 210 دنانير إضافية للأسرة، فوق مبلغ الـ70 ديناراً لكل فرد.

 بدورها تؤكد المفوضية أن هذه المساعدة مشروطة بتوافر التمويل، وأن العودة قرار شخصي وطوعي وليس إجبارياً، موضحة أن مبلغ الـ70 ديناراً ليس جديداً تماماً، فقد أطلقته المفوضية في سبتمبر (أيلول) 2025 لفئات محددة من اللاجئين في مخيمي الزعتري والأزرق، فيما كان اللاجئون خارج المخيمات يحصلون أساساً على دعم النقل، لكن الجديد في سبتمبر 2026 هو توسيع الاستحقاق النقدي إلى المقيمين في المناطق الحضرية وخارج المخيمات.

هل الأرقام متواضعة؟

وفقاً لبيانات المفوضية في الأردن فقد عاد نحو 220 ألف لاجئ سوري مسجل لدى المفوضية طوعاً من الأردن إلى سوريا بين الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 إلـى الـ24 من أغسطس (آب) الماضي.

ومنذ بداية العام الحالي وحده بلغ عدد العائدين نحو 45 ألفاً، مع ارتفاع وتيرة العودة بعد انتهاء العام الدراسي وتحسن الأحوال الجوية، وبحسب التقديرات يبلغ متوسط العائدين نحو 1300 شخص أسبوعياً، مع تسجيل أيام وصلت فيها العودة إلى ما بين 200 و344 شخصاً، بحسب الوكالة السورية للأنباء "سانا".

كذلك تشير البيانات إلى أن 59 في المئة من عمليات العودة كانت عودة عائلية كاملة، مقابل 41 في المئة كانت عودة جزئية لأفراد من الأسر، وهو ما يعني بالنسبة إلى مراقبين أن الأسر السورية لا تغادر الأردن بأكملها وإنما تمهد لبدء حياة جديدة في سوريا.

أما آخر إحصاءات اللاجئين فتقول إن عدد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية في الأردن بلغ نحو 379 ألف لاجئ من مختلف الجنسيات حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، بينهم 356316 سورياً، أي نحو 94 في المئة من إجمال اللاجئين المسجلين.

العودة تتسارع... ولكن

لكن هؤلاء ليسوا جميع السوريين الموجودين في الأردن، بل السوريون المسجلون لدى المفوضية فقط، والأرقام الأكثر إثارة هي تلك التي تتعلق بمن لا يرغبون بالعودة.

فالمفوضية تقول إن غالبية اللاجئين السوريين في الأردن، في ظل استمرار حال عدم اليقين في سوريا، لا تخطط للعودة خلال المستقبل المنظور. وتشير في بياناتها الاجتماعية والاقتصادية لعام 2026 إلى أن 67 في المئة من اللاجئين يعيشون تحت خط الفقر، فيما يلجأ 9 من كل 10 إلى الاستدانة لتغطية حاجات أساسية مثل الإيجار والغذاء والدواء.

يقول مراقبون إن قرار العودة لا يحتاج إلى قرار شخصي فحسب، وإنما إلى خيارات أخرى مهمة كوجود منزل ووثائق، ونفقات نقل، ومصدر دخل، ومدارس للأطفال وخدمات صحية، وشبكة اجتماعية، والأهم الشعور بأن المكان الذي سيعود إليه قادر على استقباله.

وتروي المفوضية، في إحدى الحالات التي وثقتها، قصة أب سوري يرغب في العودة، لكنه لا يخطط لذلك لأن منزله في سوريا دمر بالكامل، ولأنه لا يملك المال الكافي حتى لتغطية كلف العودة.

وتؤكد المفوضية أن مبلغ الـ100 دولار يهدف إلى دعم كلف العودة الفورية، وليس إلى تمويل إعادة بناء حياة كاملة في سوريا.

وتوفر المفوضية أيضاً النقل المجاني للراغبين بالعودة، أما مبلغ الـ210 دنانير الإضافي فهو مخصص لفئات محددة من الأسر الأكثر هشاشة، ومن بينها أسر تضم أشخاصاً من ذوي الحاجات الخاصة أو حالات طبية خطرة، إضافة إلى أسر يعيلها والد واحد أو أسر كبيرة وفق معايير المفوضية.

ملف معقد

تؤكد المصادر الرسمية والأممية أن البرامج الحالية لا تعني إجباراً على الرحيل، بل تلتزم مبدأ "العودة الطوعية والآمنة"، ومع ذلك، يقرأ هذا التحول كإشارة واضحة إلى تغير أولويات المجتمع الدولي نحو إعادة الإدماج والحلول الدائمة، مما يضع الدولة الأردنية أمام ضرورة وضع خطة استباقية للتعامل مع التراجع التدريجي للمساعدات الدولية وإدارة مرحلة الانتقال الاقتصادي والديموغرافي المقبلة.

فلاجئ أمضى أعواماً في الأردن وبنى مصدر دخل، ولو كان محدوداً، قد ينظر إلى العودة على أنها انتقال من فقر معروف إلى مستقبل مجهول، كذلك تزداد المسألة تعقيداً بالنسبة إلى الأسر التي أصبح أطفالها مرتبطين بالمدرسة والحياة الاجتماعية في الأردن.

وتوضح المفوضية أن السلطات التعليمية السورية أبدت مرونة في تسجيل الأطفال العائدين، بما في ذلك السماح بالتسجيل المشروط في بعض الحالات، إلا أن الوثائق الدراسية والتصديق عليها تظل جزءاً من عملية الانتقال.

كلفة عالية

تأتي التحركات الأردنية بعد أعوام طويلة وأكثر من عقد تحملت فيه عمان كلفة اقتصادية واجتماعية وبنيوية كبيرة نتيجة استضافة اللاجئين.

ففي فبراير (شباط) الماضي، ناقش وزير الداخلية الأردني مازن الفراية مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دعم العودة الطوعية وتسهيل العودة الآمنة، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة دعم المجتمعات المستضيفة، مشيراً إلى الضغط الذي تركته استضافة اللاجئين على قطاعات مثل الصحة والتعليم والمياه والنقل والبنية التحتية.

لكن عودة اللاجئين على رغم أنها قد تخفف الضغط عن بعض الخدمات، لكنها في المقابل تعني أيضاً خروج مستهلكين وعمال ومستأجرين وأصحاب مشاريع من الاقتصاد المحلي.

إذ تظهر بيانات سوق العمل الأخيرة جانباً من هذه المعادلة، إذ انخفض عدد تصاريح العمل الصادرة للسوريين خلال النصف الأول من عام 2026 بنسبة 64.9 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025.

وهو ما يثير سؤالاً عريضاً عنوانه من سيدفع فاتورة "ما بعد اللجوء"؟ بالنظر إلى أن الاستجابة الإنسانية في الأردن تواجه أزمة تمويل كبيرة، إذ تظهر أرقام 2026 فجوة تمويلية كبيرة في حاجات المفوضية الخاصة بالأردن، بينما تؤكد المفوضية أن نقص التمويل يضغط على قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية للاجئين والمجتمعات المستضيفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بسبب ذلك، يتجه الأردن اليوم إلى التركيز أكثر على الحلول الدائمة ودعم الراغبين في العودة، وفي الوقت ذاته حماية حقوق من سيبقى في المملكة.

فقد شغل السوريون على مدى أعوام القطاعات غير المنظمة أو القطاعات الحرفية كالإنشاءات والزراعة والمطاعم، لذا من المحتم أن ترتبط عودتهم التدريجية مع وضع العمالة الوافدة والمحلية أو تتيح الفرص لتنظيم سوق العمل، لكنها في الوقت ذاته قد تسبب نقصاً موقتاً في الأيدي العاملة الماهرة بكلف منخفضة.

كذلك شهدت مدن مثل عمان وإربد والزرقاء ضغطاً هائلاً على العقارات السكنية الشعبية، لذا فإن أي انخفاض في أعداد اللاجئين قد يتبعه تراجع في أسعار الإيجارات وخفض الضغط على المساحات السكنية.

"الزعتري" بعد أكثر من عقد

في شمال الأردن تحول مخيم الزعتري أكثر من مجرد مخيم للاجئين السوريين، إذ نشأت فيه أجيال، وظهرت أعمال صغيرة، وتطورت بنية خدمية كاملة، وأصبح جزءاً من الجغرافيا الاقتصادية والاجتماعية لمدينة المفرق.

إلا أن انخفاض أعداد اللاجئين يطرح مستقبلاً جديداً لمخيمات اللجوء، وإعادة تعريف دور وحجم المدارس والخدمات الصحية والمياه والطاقة وبرامج المساعدات والمنظمات الإنسانية فيها.

وفي هذا الشأن، تشير "اليونيسيف" على سبيل المثال، إلى أن نحو 83 ألف شخص في مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن يعتمدون بالكامل على خدمات المياه والصرف الصحي التي توفرها المنظمة.

وأخيراً مولت اليابان مشروعاً بنحو 250 ألف دولار لدعم خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة في الزعتري، وهو مشروع يمتد حتى عام 2027، بما يؤكد أن مرحلة العودة لا تعني أن حاجات من بقي في المخيمات انتهت.

لا تشير المعطيات الحالية إلى أن الأردن دخل مرحلة نهاية مفاجئة لملف اللجوء السوري، وإنما إلى انتقال تدريجي من مرحلة اللجوء الطويل الأمد إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعايش فيها ثلاثة مسارات في وقت واحد ما بين لاجئين يعودون، وآخرين يقررون البقاء وطرف ثالث ينتظر معرفة ما إذا كانت العودة إلى سوريا أصبحت قابلة للحياة فعلاً.

إذ يفضل كثير من اللاجئين السوريين الذين استطلعت "اندبندنت عربية" آراءهم الفقر والديون وارتفاع كلفة الحياة في الأردن، مقابل الأمن النسبي وشبكة العلاقات والخدمات التي اعتادوا عليها خلال أعوام اللجوء.

وفي الوقت ذاته، تحاول الجهات الدولية الانتقال من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى دعم حلول أكثر استدامة، بينما يواجه التمويل الدولي تراجعاً واضحاً.

وتجد الحكومة الأردنية نفسها اليوم أمام استحقاق صياغة خطط استباقية لمرحلة تحول ديموغرافي واقتصادي، توازن فيه بين التزاماتها الإنسانية والدولية، وبين إعادة هيكلة اقتصادها الوطني ليتكيف مع المساعدات المتقلصة وتهيئة الموارد للمواطنين مع دخول ملف اللجوء مراحله الأخيرة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير