Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بوتين واللعب على وتر أوروبي حساس

نقطة ضعف أوكرانيا ومن خلفها القارة العجوز لا تكمن في القدرات العسكرية والبنية التحتية بل في الإرادة السياسية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (رويترز)

ملخص

 الحرب المستمرة في أوكرانيا منذ أكثر من أربعة أعوام، أي لفترة أطول من الحرب العالمية الأولى، تسببت في خسائر فادحة لكلا الطرفين، من دون تحقيق نصر عسكري حاسم لأي منهما، ومن دون الوصول إلى تسوية مقبولة تسكت المدافع وصفير الصواريخ وهدير المسيّرات، بسبب الانهماك الأميركي في حرب إيران وانشغاله بإنهائها، لذلك صار الخروج من حال المراوحة أمراً ملحاً، مع تعقد وتراجع احتمالات التسويات السياسية والدبلوماسية.

فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجميع بإعلانه خلال اجتماع مع مسؤولين عسكريين روس، الجمعة الماضي، بأن موسكو تخطط لتكثيف هجماتها على البنية التحتية الأوكرانية، رداً على تصاعد هجمات كييف على بلاده، وذلك بعد أسابيع قليلة من تلميحه إلى قرب وضع الحرب في أوكرانيا أوزارها.

وأظهرت بيانات وزارة الدفاع الروسية أن الدفاعات الجوية اعترضت ودمرت ما 4188 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق أراضي البلاد خلال الأسبوع المنتهي في الـ 14 يونيو (حزيران) الجاري، ووفقاً لهذه البيانات فقد جرى إسقاط أكبر عدد من الطائرات المسيّرة المعادية فوق الجزء الأوروبي من روسيا يومي الـ 10 والـ 11 من يونيو الجاري، وبلغ عددها 766 و798 مسيّرة على التوالي.

وأعلن رئيس جمهورية لوغانسيك الشعبية، ليونيد باسيتشنيك، السبت الماضي أن قصفاً أوكرانياً استهدف السوق المركزية في سفاتوفو، وأسفر عن إصابة سبعة مدنيين"، وقال "هذه ليست حادثة عرضية، بل هجوم متعمد ضد المدنيين في الجمهورية، جرى خلاله استهداف مكان لا يحمل أية صفة عسكرية".

وفي إشارة إلى ضيقه من الهجمات اليومية التي تشنها مئات المسيّرات الأوكرانية على أهداف في عمق الأراضي الروسية، أكد بوتين أن المنشآت المتضررة في بلاداه من هذه الغارات "تجري إعادة تأهيلها في غضون فترة قصيرة"، وقال "كل شيء يعاد لوضعه الطبيعي بسرعة، ولا توجد أية تعقيدات، ولن يتمكنوا من إلحاق أي ضرر جسيم بنا، ومهمتنا التالية هي الرد عليهم رداً مناسباً، ونحن نعمل على ذلك بالفعل، فسنصعد هجماتنا على البنية التحتية للعدو حتى يفقدوا الرغبة في مهاجمة أهدافنا المدنية، ولن ينجحوا لا في تقسيم مجتمعنا ولا في إلحاق الضرر بالاقتصاد الروسي".

الرد بالمثل

بعد تصاعد هجمات المسيّرات الأوكرانية على أهداف في عمق الأراضي الروسية، نشرت موسكو أعداداً متزايدة من الطائرات المسيّرة لشن هجمات مماثلة ضد كييف، لأن دفاعاتها الجوية لا تتمكن من التصدي لهجمات المسيّرات الأوكرانية، نظراً إلى استهداف هذه المسيّرات أهدافاً متفرقة وكثيرة في مساحات وأعماق شاسعة، تمتد لآلاف الكيلومترات المربعة في طول البلاد وعرضها.

وعلى مدى الأشهر القليلة الماضية، خضعت هذه "الطائرات الانتحارية المسيّرة" الروسية لمراحل عدة من التحديثات، وقد أجبرت بعض هذه التغييرات بالفعل قوات الدفاع الأوكراني على إعادة النظر في نهجها للدفاع الجوي، وقال وزير الدفاع الروسي أندريه بيلاوسوف قبل أيام، خلال لقاء مع بوتين والمشاركين في العملية العسكرية الخاصة، إن القوات المسلحة الروسية ستتلقى خلال العام الحالي 20 ألف طائرة مسيّرة، قادرة على نقل حمولات تتراوح ما بين 10 و40 كيلوغراماً، وتعد هذه الطائرات من الفئة المتوسطة، وهي مصممة لحمل حمولات قتالية واستطلاعية، مما يجعلها قادرة على تنفيذ مهمات متنوعة في ساحة المعركة.

ويأتي هذا الإعلان في إطار الجهود الروسية المستمرة للرد على هجمات المسيّرات الأوكرانية وتطوير قدراتها في مجال الطائرات من دون طيار، والتي أثبتت فعاليتها خلال النزاع الأوكراني، إذ تسعى موسكو إلى تعزيز إنتاجها المحلي لمواكبة الحاجات المتزايدة للجيش في ساحة المعركة، ولذلك كثفت إنتاجها من الطائرات المسيّرة بأنواعها المختلفة، بدءاً من الطائرات الصغيرة الانتحارية، وصولاً إلى الطائرات الكبيرة بعيدة المدى.

استعادة زمام المبادرة

على رغم تحقيق مكاسب ميدانية إقليمية ملاحظة على خطوط الجبهة خلال عامي 2025 و2026، تواجه روسيا تحديات متزايدة على الصعيدين الميداني والداخلي، وفي ظل هذه الظروف فقد تسعى موسكو إلى استعادة زمام المبادرة من خلال اتخاذ إجراءات أكثر هجومية ضد أوكرانيا وداعميها في أوروبا، بحسب ما ورد في مقالة تحليلية نشرتها مجلة "فورين بوليسي" السبت الماضي، فالحرب المستمرة في أوكرانيا منذ أكثر من أربعة أعوام، أي لفترة أطول من الحرب العالمية الأولى، تسببت في خسائر فادحة لكلا الطرفين، من دون تحقيق نصر عسكري حاسم لأي منهما، ومن دون التوصل إلى تسوية مقبولة، تسكت المدافع وصفير الصواريخ وهدير المسيّرات، بسبب الانهماك الأميركي في حرب إيران وانشغاله بإنهائها، ولذلك صار الخروج من حال المراوحة أمراً ملحاً مع تعقد وتراجع احتمالات التسويات السياسية والدبلوماسية.

 

وبحسب تقديرات مجلة "فورين بوليسي" فإن الجيش الروسي يتكبد حالياً خسائر تقارب مستوى التعزيزات الشهرية، ووفقاً لتقديرات وزارة الدفاع الأوكرانية، استناداً إلى لقطات فيديو، فقد ألحقت القوات الأوكرانية بالروس خسائر فادحة لا يمكن تعويضها، بلغت نحو 35 ألف قتيل وجريح خلال الشهرين الأخيرين.

في الوقت نفسه بدأت أوكرانيا استخدام طائرات الهجوم الجديدة متوسطة المدى بصورة أكثر فعالية، وهي قادرة على العمل بعيداً خلف خطوط المواجهة، وتعطيل الخدمات اللوجستية الروسية، وتشير مقالة المجلة إلى أن الاقتصاد الروسي يتأثر بصورة متزايدة بآثار الحرب، ومن بين الأسباب المذكورة الإنفاق العسكري الضخم، والهجمات على البنية التحتية للطاقة، ونقص العمالة نتيجة التعبئة العامة، وحاجات الصناعات الدفاعية، وإضافة إلى ذلك تسببت محاولات السلطات تشديد الرقابة على الإنترنت في استياء عام، وعلى رغم بعض النمو في عائدات تصدير الطاقة، وسط الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لا يزال الكرملين غير راض عن عدم إحراز تقدم في إنهاء الحرب.

ما الذي قد تلجأ إليه موسكو؟

يعتقد المدير السابق للشؤون الأوروبية والروسية في مجلس الأمن القومي الأميركي، أندرو بيك، أن موسكو تبحث عن طرق أخرى للتأثير في الوضع، بسبب الصعوبات الميدانية التي تصطدم بها على الجبهة، مشيراً إلى أن الروس يبحثون عن طرق لاستعادة زمام المبادرة في التصعيد، إن لم يكن زمام المبادرة في الحرب كلها، وقد يكون أحد السبل المحتملة هو استفزاز دول في أوروبا تعدها موسكو من أشد داعمي أوكرانيا، ومصنعي المسيّرات التي تستهدف عمق الأراضي الروسية، ويشير كتّاب مقالة "فورين بوليسي" إلى الحادثة التي وقعت أواخر مايو (أيار) الماضي، عندما ضربت طائرة مسيّرة، يعتقد أنها روسية، مبنى في رومانيا قرب الحدود الأوكرانية، مما أسفر عن إصابة شخصين.

ولا يستبعد مدير "برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا" في "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية"، ماكس بيرغمان، أن تكون مثل هذه الإجراءات بمثابة إشارة للدول الأوروبية، وقال "أعتقد أنه من المحتمل جداً أنهم يحاولون الإظهار لأوروبا أن الوضع قد يزداد سوءاً".

الصواريخ الباليستية

"فورين بوليسي" لفتت إلى رد بوتين السلبي على رسالة مفتوحة من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إليه، حذر فيها الكرملين من المراهنة على تحقيق نصر باستخدام الصواريخ الباليستية، وكتب زيلينسكي "نعلم أيضاً أنكم تأملون بأن تحقق لكم الصواريخ الباليستية ما فشل كل شيء آخر في تحقيقه"، معرباً في رسالته عن ثقته بأن الدعم الدولي لكييف لا يزال قوياً، على رغم الحرب المطولة، وقال "العالم لم يملّ من أوكرانيا، كما كنت تأمل طويلاً، لكن الملل من روسيا يتزايد".

ولا تزال الصواريخ الباليستية واحدة من أنواع الأسلحة القليلة التي تمتلك أوكرانيا قدرات محدودة على اعتراضها، بسبب نقص الصواريخ لأنظمة الدفاع الجوي لديها، وإضافة إلى الضغط العسكري، تسعى روسيا إلى تعزيز أجندتها في الغرب، وهنا يشير التقرير إلى مشاركة كثير من الشخصيات العامة المحافظة الأميركية والبريطانية في "منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي" قبل أسبوعين، ويعتقد المراقبون أن الكرملين لا يزال يسعى إلى إيجاد طرق للتأثير في الأوساط السياسية داخل الولايات المتحدة وأوروبا، على رغم أن الانتخابات الأخيرة في عدد من البلدان أظهرت نجاحاً محدوداً للمرشحين الموالين لروسيا.

في الوقت نفسه يشكك المحللون في قدرة روسيا على تصعيد كبير، ويشير المحلل في "معهد بروكينغز"، ستيفن بايفر، إلى أن موسكو تستخدم بالفعل معظم أدوات الضغط المتاحة لها.

وعلاوة على ذلك، كما ورد في المقالة، تواصل الدول الأوروبية تعزيز دعمها لأوكرانيا، وتقدّر أنه في ظل التغيرات السياسية في الولايات المتحدة فقد ضاعفت أوروبا جهودها لمساعدة كييف، بما في ذلك تقديم دعم مالي يتجاوز 100 مليار دولار، ويقول بايفر "قد تكون هناك حملة إغراء، لكنني لست متأكداً من أنها تستهدف جمهوراً متقبلاً بصورة خاصة".

الرد الأوروبي

بحسب وزير الخارجية البولندي إغناسي نيمتشيكي، فإن تهديدات روسيا ضد أوكرانيا والدبلوماسيين الغربيين جزء من التكتيكات التقليدية للكرملين، والتي تهدف إلى ترهيب أوروبا لكنها لن تحقق نتائج، وقال "لست متفاجئاً من تهديد روسيا لأوكرانيا والدبلوماسيين الغربيين، وليس هذا الأمر بجديد، فبوتين يستخدم هذا التكتيك لبث الخوف بيننا هنا في أوروبا، وأود أن أقول أن هذا ينجح، وهذا أمر مفهوم تماماً، إنه مجرد تكتيك لن يُجدي نفعاً"، مذكراً بأن موقف بولندا في شأن حرب روسيا ضد أوكرانيا لم يتغير، وأضاف "يجب على أوروبا أن تزيد الضغط على روسيا مع دعم أوكرانيا في الوقت نفسه".

من جانبه صرّح السكرتير البرلماني لوزارة الخارجية اللاتفية، أرتيومس أورشولسكيس، بأن استخدام صاروخ "أوريشنيك" لم يغير من تقييم حرب روسيا ضد أوكرانيا، وقال "لم يطرأ أي تغيير لأن 'أوريشنيك' في نظر بوتين مجرد قصة دعائية رائعة، لا في نظرنا، ولقد شهدنا ضربات عدة وتغطية إعلامية واسعة النطاق، لكن في الواقع لا شيء يتغير".

 

وتابع "أعتقد أن روسيا تثبت نفسها، فهي تضعف في ساحة المعركة، ونرى أنها عاجزة عن إحراز أي تقدم، بل إنها لا تستطيع حتى تحقيق هدف واحد من أهدافها، وفي المقابل تزداد أوكرانيا قوة، ولا أرى أي مؤشر على أن الضربات الروسية، أو أية هجمات أخرى، ستغير هذا الواقع".

وفي وقت سابق قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافريو، تعليقاً على تهديدات روسيا بشن ضربات جديدة ضد كييف، إن "الإجلاء أمر مستبعد تماماً"، فيما صرحت سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى أوكرانيا، كاترينا ماثيرنوفا، بأن الدبلوماسيين والمواطنين الأجانب لا يعتزمون مغادرة كييف، على رغم التهديدات التي أطلقها الروس بشن هجوم ضخم آخر على العاصمة.

قلق ألماني

أما في ألمانيا فيتزايد القلق في شأن هجمات المسيّرات، وطالب وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت بحماية دائمة للـ "بوندستاغ"، بينما تعمل الحكومة الفيدرالية والولايات على تعزيز دفاعاتها المضادة للطائرات من دون طيار، فيما يرى الوزير دوبريندت، المنتمي لحزب "الاتحاد الاجتماعي المسيحي"، أن خطر هجمات الطائرات المسيّرة على البرلمان الألماني (بوندستاغ) والهيئات الدستورية الأخرى قد ازداد، وفي رسالة وجهها إلى رئيسة "بوندستاغ" جوليا كلوكنر، ونشرتها صحيفة "راينيشه بوست"، فقد دعا إلى إنشاء نظام دائم لمكافحة المسيّرات لحماية مؤسسات الدولة الرئيسة، وكتب دوبريندت أن "حماية الهيئات الدستورية تكتسب أهمية خاصة في مواجهة تهديد مجرّد ولكنه قائم"، وقد زاد عدد الطائرات المسيّرة التي رُصدت خلال الأشهر الأخيرة، مما دفع الأجهزة الأمنية الألمانية للتحذير، بينما انتقدت النائبة في "بوندستاغ"، سيفيم داغديلن، فكرة انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن هذه الخطوة قد تضع ألمانيا في مواجهة عسكرية مع روسيا.

وأصبحت المسيّرات المجهولة تشكل مشكلة أمنية خطرة لأوروبا، ويأتي هذا التحذير في ظل تزايد المخاوف حول حوادث المسيّرات في أوروبا، فمنذ أشهر عدة باتت تلك التي تنتهك المجال الجوي للـ "ناتو" تستقطب اهتماماً متزايداً من أجهزة الأمن التابعة للحلف، وأظهر الوضع في دول البلطيق أخيراً مدى خطورة هذا التهديد، ففي ليتوانيا اضطر القادة السياسيون إلى الاختباء موقتاً بعد دخول طائرة مسيّرة مجالها الجوي، وتعزو أجهزة الأمن عدداً من الحوادث المماثلة إلى التشويش الروسي على إشارات "نظام تحديد المواقع العالمي" (جي بي أس)، مما يتسبب في انحراف الطائرات المسيّرة الأوكرانية، واحتمال دخولها أراضي دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ووفقاً لقيادة عمليات الجيش الألماني فإن رحلات الطائرات المسيّرة، غير القانونية والمتكررة فوق البنية التحتية الحيوية والمنشآت العسكرية في ألمانيا، تشير إلى محاولات استطلاع محتملة من قبل قوات أجنبية.

تصاعد الحرب الروسية الهجينة

"لا يزال أمامنا وقت قبل أن تكون روسيا مستعدة لحرب كبرى، لكن هذا الوقت يتقلص باستمرار"، وهذا التحذير الذي أطلقه القائد العسكري السابق لحلف شمال الأطلسي، الأدميرال روب باور، عند استقالته، يعد بمثابة تصحيح قاتم للنشاط الدبلوماسي المتجدد، حول الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية سلمية محتملة، فبينما تعلق الإدارة الأميركية مساعيها وخططها للسلام، يشير المراقبون إلى أنها تهدد بإطالة أمد الحرب بدلاً من تقصيرها، وتلوح في الأفق فترة من الغموض الإستراتيجي يستغلها الكرملين بنشاط، وتؤكد تصريحات الكرملين الأخيرة، ولا سيما تعليقاً على توقف مفاوضات السلام، نيته كسب الوقت مع توسيع نطاق طموحاته الإقليمية.

وقد استغل بوتين المفاوضات المتوقفة بنشاط، لا للبحث عن وسطاء سلام آخرين بدلاً من الأميركيين المنشغلين بحربهم مع إيران، بل لكسب الوقت وتعزيز خططه للضغط على الغرب، ومواجهته عبر تصعيد الحرب الفعلية مع أوكرانيا، وتلك الهجينة في أوروبا، بهدف بث الخوف وخلق الفوضى وتقويض الدعم لكييف، مع البقاء دون عتبة المواجهة العسكرية المباشرة، وحتى في الحالات التي تظهر فيها المفاوضات تقدماً إجرائياً، لا تزال هناك معضلات جوهرية عالقة ترتبط بالتنازلات عن الأراضي، والسيطرة على محطة زابوروجيا النووية، والضمانات الأمنية، مما يطيل أمد المحادثات، بينما يحتفظ الكرملين بحرية التصرف.

 

إن المسار واضح لا لبس فيه، إذ تؤكد التقارير الاستخباراتية الغربية زيادة بأربعة أضعاف في عمليات الحرب الهجينة الروسية في جميع أنحاء أوروبا خلال العامين الأخيرين، وتشير التقارير إلى أنه لمواجهة التحديات الأمنية خلال العام الحالي، يجب على أوروبا تجاوز مجرد الاعتراف الخطابي، والبدء في تحديد التهديد بدقة كأساس للعمل، إذ لم تعد الحرب الهجينة منطقة رمادية غامضة، بل أصبحت إستراتيجية منسقة للتصعيد التدريجي، تهدف إلى زعزعة الإرادة السياسية، ومن دون تعريف مشترك فإن أوروبا تكافح لوضع خطوط حمر أو فرض كُلف ملموسة.

وينبع احتمال تصعيد موسكو للحرب الهجينة خلال العام الحالي من عوامل ثلاثة تخلق نافذة ضعف غير مسبوقة لأوروبا، أولها أن الكرملين يضاعف جهوده في استخدام التكتيكات دون العتبة تحديداً، لأنه لا يستطيع الاستمرار في العمليات التقليدية عالية الكثافة إلى أجل غير مسمى، وفي ظل هذه الظروف تصبح العمليات الهجينة ضد أوروبا إستراتيجية لإضعاف المساعدات العسكرية لأوكرانيا، والإنتاج الدفاعي الأوروبي بكلفة وأخطار أقل.

وثانيها أن الكرملين يسعى أيضاً إلى استغلال الوضع الناجم عن توقف مفاوضات السلام الجارية، فمن خلال إطالة أمد حال عدم اليقين المحيطة بأحكامها وتنفيذها، يقلل الكرملين من احتمال وجود ردود فعل غربية منسقة، ويبطئ عملية صنع القرار في جميع أنحاء أوروبا، ويهيئ الظروف المواتية لتصعيد هجين خلال العام الحالي.

وثالثها أن أوروبا لا تزال تفتقر إلى ردع هجين ذي صدقية، وقد أدى فشل الغرب في وضع عتبات ردع للحرب الهجينة إلى خلق فراغ إستراتيجي تستغله روسيا، في ظل عجز القارة العجوز هيكلياً عن فرض كُلف ملموسة دون عتبة "المادة الخامسة"، ولا تزال حوادث التخريب والهجمات الإلكترونية، وعمليات التضليل، تعامل في كثير من الأحيان كجرائم معزولة، بدلاً من كونها عناصر من عقيدة روسية متماسكة.

أوروبا تلعب بالنار

عبر رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيتسو عن إحباطه "من مواصلة الاتحاد الأوروبي تأجيج الصراع في أوكرانيا حتى آخر جندي وآخر يورو، متجاهلاً الأزمات التي تؤرق مواطنيه"، وذكر خلال تسجيل مصور بُث الأحد الماضي عبر صفحته الرسمية على موقع "فيسبوك"، أنه بحث الجمعة الماضي مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوشتا، الاستعدادات والترتيبات الخاصة بقمة المجلس الأوروبي المرتقبة، وقال "أبديت مجدداً إحباطي من أن نتائج القمة تتسم بالطابع الفضفاض والعام، وتفضح عجزنا عن كسر الجمود في ملفات مثل تدهور التنافسية للاتحاد الأوروبي، والارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة، لكن حين يتعلق الأمر بأوكرانيا يبدو كل شيء واضحاً، ويجب الاستمرار في الحرب حتى آخر جندي أوكراني وآخر يورو".

وذكر المحلل العسكري البريطاني ألكسندر ميركوريس إن اجتماع فلاديمير زيلينسكي مع قادة دول الاتحاد الأوروبي الثلاث انتهى بمطالبة جديدة لتوريد الأسلحة لأوكرانيا، وقال "كان من المفترض أن يجري في هذا الاجتماع بحث ومناقشة الاتصالات الدبلوماسية مع روسيا، لكنني أظن أن جزءاً كبيراً من النقاش خُصص في الواقع لبحث مطالب زيلينسكي بالحصول على صواريخ الدفاع الجوي، والمشكلة أن احتياطات الغرب قد استُنفدت".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونوّه ميركوريس بأن الولايات المتحدة تبقى الدولة الغربية الوحيدة القادرة على إنتاج منظومات الدفاع الجوي وصواريخها الاعتراضية على نطاق واسع، ولكن واشنطن لا تملك حالياً العدد الكافي من صواريخ "باتريوت" التي يمكن نقلها إلى أوكرانيا، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تبدي أي استعداد، لنقل أنظمة الدفاع الجوي القليلة الباقية في حوزتها إلى كييف، وقال "هذا هو تقييمي العام للوضع العسكري، أو بالأحرى الوضع المتعلق بصواريخ الدفاع الجوي في أوكرانيا، ومن الآن فصاعداً لن يزداد وضع كييف إلا سوءاً، ولا أرى أن الأحداث هناك يمكن أن تتطور بشكل مختلف".

واجتمع زيلينسكي الأحد الماضي في لندن مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وأعلن بيان مشترك صدر عقب الاجتماع نية المشاركين فيه التعاون في إنتاج أسلحة بعيدة المدى، وأنظمة دفاع جوي لمصلحة أوكرانيا، وقد حذرت روسيا الدول الغربية مرات عدة من أن ضخ الأسلحة إلى أوكرانيا لن يغير شيئاً، ولن يؤثر في ساحة المعركة بل سيطيل أمد الصراع، وأكد وزير الخارجية سيرغي لافروف أن أية شحنات من هذا القبيل ستكون هدفاً مشروعاً للجيش الروسي.

بوتين وبث شعور بالضعف

الهدف الأساس من تهديدات بوتين ليس عسكرياً فقط بل نفسي وسياسي، إذ يسعى الكرملين إلى إقناع القيادة الأوكرانية والقادة الأوروبيين بأن تقديم دعم أكبر لأوكرانيا ينذر بتصعيد مباشر مع روسيا، وهو ما يشجع على توخي الحذر ويؤخر وصول المساعدات، وتعزز هذه النظرة ردود الفعل المحدودة على انتهاكات المجال الجوي الروسي المتكررة من قبل الطائرات والمسيّرات منذ أواخر عام 2025، إضافة إلى غياب خطوط حمر واضحة، أو نهج موحد على مستوى الاتحاد الأوروبي، وفي ظل أن هذه الإجراءات القسرية المختلطة التي لا تكبد سوى كُلف ضئيلة وتثير قلقاً سياسياً غير متناسب، فإن الكرملين سيظل متحفزاً لمواصلة هذه الإجراءات وتكثيفها.

ومن الواضح أن الكرملين يسعى إلى بث شعور بالضعف داخل أوكرانيا وأوروبا، وجعل بنيتها التحتية عرضة للاضطراب في جميع الأوقات، والهدف من ذلك هو فرض كُلف أقل بكثير من عتبة الصراع التقليدي، مع تجنب تحديد المسؤولية.

وبعد أن أثار الكرملين قلقاً سياسياً بأقل كلفة ممكنة، بات لديه حافز لتوسيع نطاق هذه العمليات خلال العام الحالي، ومن المرجح أن يستهدف عملاء تابعون للكرملين ووكلاء من أطراف ثالثة منشآت الإنتاج الدفاعي، وممرات النقل، وسلاسل الإمداد التجارية والدفاعية، بهدف تعطيل المساعدات العسكرية لأوكرانيا، ورفع الكُلف الأمنية والاقتصادية في جميع أنحاء أوروبا.

إن حسابات موسكو معقدة، وتحقيق أهداف العملية العسكرية في أوكرانيا على رأس أولويات بوتين، وهو لن يوفر جهداً في سبيل ذلك، حتى لو اضطره الأمر إلى بحث الموضوع الأوكراني مع ترمب، فالتهديد بالتصعيد يضعف العزيمة في أوكرانيا وأوروبا، والقصف وتوجيه المسيّرات في شتى الاتجاهات يظهر القدرة، والإكراه يردع الرد، وتشكل هذه الركائز مجتمعة حملة ضغط متكاملة تهدف إلى استغلال الفجوة بين الالتزامات التعاقدية والإرادة السياسية المتصدعة في أوروبا وأوكرانيا، ونقطة الضعف الحقيقية في أوكرانيا ومن خلفها أوروبا لا تكمن في القدرات العسكرية والبنية التحتية، بل في الإرادة السياسية، وفي نهاية المطاف يطلق الكرملين تهديداته، على افتراض أن الضعف الملاحظ في أوكرانيا وأوروبا وعدم رغبتهما في الرد بصورة كاملة حتى الآن سيستمر، فيما تجري موسكو تجربة آنية، فتختبر مدى استعداد حلف شمال الأطلسي، الداعم الأول لأوكرانيا، للرد على تهديداتها بالقوة، بدلاً من الاحتجاجات الدبلوماسية.

المزيد من تحقيقات ومطولات