Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين روسيا وألمانيا... استراتيجيات قديمة تتجدد

يعلن المستشار فريدريش ميرتس مع الرئيس الفرنسي عن "تعميق التعاون في مجال الردع النووي"

كشف وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس عن أول استراتيجية عسكرية لبلاده منذ عام 1945 (أ ف ب)

ملخص

"الاستراتيجية الألمانية الجديدة" تعتبر تحولاً هو الأكبر في العقيدة الدفاعية الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة، وهو ما تبادر الأوساط السياسية والعسكرية في موسكو إلى التحذير من مغبته.

مع اقتراب الذكرى الـ81 للنصر على "ألمانيا الهتلرية"، تعود روسيا إلى ذاكرتها الوطنية، وما اكتسبته من دروس الماضي تحسباً لما تواجهه من مؤامرات ومخططات على غرار ما أعلنته ألمانيا أخيراً حول استراتيجيتها العسكرية الجديدة. وثمة من يقول إن "الموقع من التاريخ" هو نقطة الخلاف الجوهرية بين موسكو وبرلين. وذلك ما يمكن أن يحدد مواقف العاصمة الروسية تجاه كثير من مشاهد وذكريات ذلك التاريخ.

ولعل أهم الدروس المستفادة من ذلك التاريخ ما تعود موسكو معه إلى استعراضه وترديده، تحذيراً من مغبة نسيان أن ألمانيا كانت سبباً في اندلاع حربين عالميتين إبان أعوام القرن الـ20 ومن هنا يأتي رفض روسيا وتحذيراتها من مغبة عودة "النازية الجديدة" التي سبق وأعلنتها في صدارة أسباب "عمليتها العسكرية الخاصة" في أوكرانيا في فبراير (شباط) عام 2022، وما تقوله اليوم حول إنها تحمي العالم من مغبة تكرار أخطار الماضي، وتتّهم النخب الألمانية الحالية بارتكاب ما تصفه بـ"الهوس العسكري" المشبوه "الذي يذكرنا بذلك الماضي الأليم".

ولكم يكن مثاراً للدهشة أن يأتي ذلك مواكباً لإعلان المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن استعدادات بلاده للحرب ضد روسيا، في الوقت الذي يكشف بوريس بيستوريوس وزير الدفاع الألماني عن أول استراتيجية عسكرية لبلاده منذ عام 1945. وهي الاستراتيجية التي فسرها بيستوريوس بأن ألمانيا تريد أن تكون "قوة مسؤولة" تضمن الأمن الأوروبي، وعليها العمل من أجل إعداد العدة، للرد على ما تقوله في شأن الاستعدادات الروسية لمواجهة عسكرية محتملة مع "الناتو" بحلول عام 2029، لأن "عدم الاستعداد" سيكون "إهمالاً تاريخياً لا يُغتفر".

ومن اللافت في هذا الصدد، أن ما صرح به ميرتس ووزير دفاعه بيستوريوس حول الاستراتيجية الجديدة لبلادهما، جاء مواكباً لما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن سحب 5 آلاف من جنود القوات الأميركية الموجودين في أوروبا، فضلاً عما سبق وقاله حول موقف بلاده من حلف "الناتو" الذي وصفه أخيراً بأنه "نمر من ورق".

"استراتيجية بيستوريوس"

ثمة من يقول إن المستشار الألماني ميرتس يقدم على مغامرة غير محسوبة من أجل "حرب مستقبلية بين ألمانيا وروسيا". وكان ميرتس سبق أن أعلن عن خطته الرامية إلى تعزيز الجيش الألماني ووضعه في أولويات بلاده بما يجعلها "الأقوى" في القارة الأوروبية، على حد تعبيره. وها هو وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس يعلن وضع أول استراتيجية عسكرية لبلاده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وصفها بقوله إنها "تُحدّد روسيا" باعتبارها "العدو الرئيس للقارة الأوروبية"، وتدعو إلى تعزيز القوة العسكرية لمواجهة ما يُزعم أنه "تهديد روسي"، كذلك تستهدف هذه الوثيقة "التاريخية"، تعزيز الجيش الألماني ليصبح الأكثر قوة في أوروبا.

وقال بيستوريوس "سنحول الجيش الألماني إلى أقوى جيش تقليدي في أوروبا على المدى القصير، مما يزيد من قدراتنا الدفاعية. وعلى المدى المتوسط فنحن نسعى جاهدين إلى زيادة قدراتنا العسكرية بصورة كبيرة، أما على المدى الطويل فإننا سنكون قادرين على ضمان التفوق التكنولوجي". وكانت السلطات الألمانية سبق وأعلنت عن زيادة تعداد قواتها المسلحة من 185.4 ألف إلى 260 ألفاً، فضلاً عن قرارها حول زيادة عدد جنود الاحتياط من 70 ألفاً إلى 200 ألف، مما يعني إعداد 460 ألفاً من الأفراد العسكريين للقتال، وثمة من يقول إن "الاستراتيجية الألمانية الجديدة" تعتبر تحولاً هو الأكبر في العقيدة الدفاعية الألمانية منذ نهاية الحرب الباردة، وهو ما تبادر الأوساط السياسية والعسكرية في موسكو إلى التحذير من مغبته.

كيف كان رد موسكو؟

في تعليقه على هذه الاستراتيجية، أعرب الناطق الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف عن أمله في ألا تنجرّ ألمانيا إلى مسار سبق وسلكته مراراً وتكراراً عبر التاريخ، في إشارة إلى أن ألمانيا كانت سبباً في حربين عالميتين خسرتهما خلال القرن الـ20. ويعتقد بيسكوف "أن الأوروبيين سيشعرون بقشعريرة عندما يعلمون بمثل هذه الخطط"، وهو ما قد يودي بهم إلى "المصير ذاته"، على حد تعبيره.

وإذ أشار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أن المستشار الألماني يتجاوز القيود التي يحددها الدستور الألماني بالنسبة إلى الاحتياجات العسكرية للبلاد، بإعلانه عن هدفه نحو بناء جيش يكون "الأقوى في أوروبا"، قال إنه يعكس جاداً ما يدور بخلده من أفكار نحو الاستعداد للحرب، في إشارة إلى ما جرى الإعلان عنه من مخططات ونوايا حول "الاستراتيجية العسكرية الألمانية الجديدة".

وذلك في الوقت الذي أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفضه ما وصفه بـ"مزاعم" السياسيين الغربيين في شأن الخطط "المزعومة" لروسيا تقضي بمهاجمة أوروبا، واصفاً إياها بأنها لا أساس لها من الصحة. وكان بوتين سبق وقال إن هذه الأحاديث إما صادرة عن "أشخاص غير أكفاء"، أو عن "محتالين يسعون إلى التربّح من التصعيد"، على حد تعبيره.

وفي حديث لصحيفة "أزفيستيا"، قال نائب وزير الخارجية الروسي دميتري لوبينسكي "إن روسيا تأخذ على محمل الجد رغبة ألمانيا في تعزيز قدراتها العسكرية والاضطلاع بأعباء القيادة في أوروبا، وذلك ما يدركه أيضاً حتى أقرب حلفاء ألمانيا في القارة الأوروبية. ومن المعروف أن لوبينسكي يعد من الأصوات الروسية المنتقدة للسياسات الأوروبية، وهو الذي صرح في بداية عام 2026 أن أوروبا تؤدي "دوراً تدميرياً" في المفاوضات الأوكرانية و"لا تظهر أي تعقل".

وفي هذا الصدد أشارت وكالة "رويترز" خلال الأيام القليلة الماضية إلى أن ألمانيا أعلنت عن استراتيجية عسكرية جديدة تُبقي على هدف نشر 260 ألف جندي و200 ألف جندي احتياط في الجيش الألماني (البوندسفير)، وذلك ما علقت عليه رئيسة الوفد الروسي إلى منتدى التعاون الأمني التابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا يوليا جدانوفا، بقولها إن الدول الأوروبية لا تسعى إلى سلام مستدام في منطقة المنظمة، بل على العكس، تستعد لنزاع واسع النطاق مع روسيا.

وكانت صحيفة "فايننشيال تايمز" سبق وذكرت أن الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) على خلاف حول من سيتولى زمام السياسة العسكرية الأوروبية. ووفقاً للصحيفة البريطانية، فإن أحد الجوانب الرئيسة للنقاش، هو الدور الذي ينبغي أن تؤديه الأسلحة الأميركية في إعادة تسليح أوروبا، إذ يعارض حلف "الناتو" نهج الاتحاد الأوروبي "شراء المنتجات الأوروبية".

ومن اللافت في هذا الشأن ما تطرحه أوكرانيا من مبادرات تتمثل في استعدادها لتقديم ما قد يحتاج إليه الجيش الألماني من خبرات للتحضير بشكل أفضل للقيام بالعمليات القتالية مع القوات المسلحة الروسية. وما قد تتبعه دعوة الضباط الألمان إلى أوكرانيا، حتى يتمكنوا من فهم تفاصيل ما يدور الآن من معارك على الأراضي الأوكرانية، بما يعني أن ألمانيا تستعد عملياً للحرب مع روسيا الاتحادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ميرتس والأسلحة النووية

توقفت وكالة أنباء "تاس" عند ما قاله المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول أن "القوة الدبلوماسية الأوروبية لا تُجدي نفعاً إلا بوجود قدرات عسكرية". ونقلت الوكالة الروسية الرسمية عنه قوله، رداً على سؤال حول ما إذا كان يُشير إلى "مظلة نووية" أوروبية: "وهذا أيضاً، كل ما هو ضروري لأمن أوروبا".

وقال ميرتس في حديثه إلى مجلة "دير شبيغل"، "هناك مقولة رائعة لفريدريك الثاني الإمبراطور الألماني الأسبق، مفادها بأن الدبلوماسية بلا أسلحة كالموسيقى بلا آلات. ومن هذه المقولة، أستخلص دائماً المعادلة التالية: نريد أن نكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا، حتى لا نكون مضطرين إلى الدفاع عن أنفسنا، فلن تُحقق القوة الدبلوماسية الأوروبية كامل إمكاناتها إلا إذا دعمناها بقدرات عسكرية، ولهذا السبب أتوجه إلى الفرنسيين وأقول: دعونا نتحدث عن كيفية حماية أوروبا".

وكان ميرتس سبق وأقر في مارس (آذار) الماضي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إعلاناً مشتركاً تعهدا فيه بتعميق التعاون بين البلدين في مجال الردع النووي. ويشير ذلك الإعلان إلى أن الطرفين اتفقا على "اتخاذ الخطوات العملية الأولى هذا العام، بما في ذلك مشاركة القوات المسلحة الألمانية التقليدية في المناورات النووية الفرنسية، والزيارات المشتركة للمواقع الاستراتيجية، إضافة إلى تطوير الأسلحة التقليدية بالتعاون مع الشركاء الأوروبيين"، وذلك ما يتناقض مع ما سبق وتعهدت به ألمانيا الغربية بموجب البند الثالث من معاهدة التسوية النهائية في شأن وحدة الألمانيتين، التي دخلت حيز التنفيذ في الـ15 من مارس 1991، بالتخلي عن إنتاجها وحيازتها والتخلص من الأسلحة الذرية والبيولوجية والكيماوية. وبحلول نهاية يونيو (حزيران) 1991، سحب الاتحاد السوفياتي السابق جميع مكوناته النووية العسكرية من ألمانيا الشرقية السابقة. ومع ذلك، لا تزال الأسلحة النووية الأميركية موجودة على الأراضي الألمانية كجزء من "المفهوم الاستراتيجي لحلف الناتو" لردع الخصوم المحتملين. وثمة من يقول وفقاً لتقارير غير رسمية، بوجود ما يصل إلى 20 رأساً نووياً أميركياً في قاعدة بوشيل الجوية.

مناورات ميرتس "الكلامية"

وتحسباً لما قد يكون سبباً لما يُثار من لغط نتيجة ما أدلي به من "تصريحات نووية"، عاد المستشار الألماني ميرتس إلى محاولة دحض ما سبق وأشار إليه من نوايا امتلاك ألمانيا الأسلحة النووية، وإذ قال إنه لا ينبغي لألمانيا التفكير في امتلاك أسلحة نووية خاصة بها، دعا نظراءه الأوروبيين إلى مناقشة نشر القوات النووية الفرنسية أو البريطانية على الأراضي الألمانية. وأرفق ذلك بقوله في مناسبة أخرى "لقد وقّعنا على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولا أعرف إن كان من الممكن الانسحاب منها، في الأقل ليس بهذه السرعة، وبالنسبة إليّ هذا ليس خياراً مطروحاً. ولا أريد أن تفكر ألمانيا في امتلاك أسلحة نووية خاصة بها". ولم يكتف المستشار الألماني بتلميحاته صوب أهمية استشهاده بالإمبراطور الألماني فريدريك الثاني وضرورة التعاون مع الفرنسيين، القوة النووية الوحيدة بين بلدان الاتحاد الأوروبي، بل ومضى ليدعو نظراءه الأوروبيين إلى مناقشة نشر القوات النووية الفرنسية أو البريطانية على الأراضي الألمانية، فضلاً عن بحث إمكان تعزيز الشق الأوروبي من حلف "الناتو"، بحيث "تُكمّل المظلة النووية الأميركية المظلة البريطانية والفرنسية والألمانية، بما في ذلك حماية وحدة أراضي ألمانيا، يُعدّ، في رأيي، ضرورة ملحة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير